بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

الأرجنتين.. برامج جديدة من صندوق قديم!

2001/12/30

د. محمد شريف بشير

يمكن اعتبار إعلان الرئيس الأرجنتيني المؤقت "أدول رودريجيز" توقف بلاده عن سداد الديون الخارجية المستحقة عليها والبالغة حاليا 132 مليار دولار بمثابة أكبر انهيار مالي يشهده العالم عقب أزمة روسيا في 1998، بل أصبحت الأرجنتين بذلك أكبر دولة تتخلف عن سداد ديونها في التاريخ. وقد عانت الأرجنتين، التي تمثل ثالث أكبر اقتصاد في منطقة أمريكا اللاتينية، كثيرا جراء مشكلات اقتصادية أفضت إلى ركود اقتصادي خلال السنوات الأربع الماضية.

وأوضحت التقارير خلال الأيام القليلة الماضية أن هناك ما لا يقل عن ألفي شخص يقعون يوميا تحت خط الفقر، وحوالي 14 مليونا من جملة السكان البالغ عددهم 36 مليونا يعيشون فعلا على أقل من 4 دولارات في اليوم، وأصبح 40% من السكان يصنفون في عداد الفقراء، بينما أكثر من 18% لا يجدون وظائف وهو ما أدى إلى اندلاع مظاهرات عارمة راح ضحيتها ما لا يقل عن 20 شخصا، وأصيب أكثر من 250 آخرين بجروح خطيرة في الأسبوع الماضي، وأسفرت النتائج عن استقالة الرئيس "فرناندو دي لاروا"، وقيام البرلمان بتكليف حكومة مؤقتة إلى حين إجراء انتخابات في مارس المقبل.

مؤشرات أساسية حول اقتصاد الأرجنتين 2000-2001 (نسب مئوية):

2001

2000

 المؤشر

-3.1

-0.5

معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي

-1.4

-0.9

متوسط تضخم أسعار المستهلكين

20.2

15.9

الاستثمار المحلي الإجمالي

18.2

15.3

الادخار المحلي الإجمالي

-2.6

-1.5

عجز الميزانية العامة

51.8

47.9

الدين الخارجي

المصدر: البنك المركزي الأرجنتيني، البنك الدولي 2001.

أسباب الأزمة وتداعياتها

أطلت الأزمة برأسها عقب تنفيذ إجراءات خطة تقشف اقتصادي تم اعتمادها في فترة الرئيس المستقيل فرناندو ونالت تلك الإجراءات رضا الصندوق ودعمه لما اشتملت عليه من سياسات تلبي مطالب الصندوق مثل إنقاص الإنفاق العام ورفع الدعم وزيادة الضرائب، ولم تتردد الحكومة السابقة في اتخاذ إجراءات صارمة؛ حيث خفضت الأجور بنسبة 14% وقللت الإنفاق في مجالات التعليم والصحة، كما خفضت الإعانات الحكومية مع زيادة الضرائب بمعدلات كبيرة.

وخلال الأسبوع المنصرم كان وزير المالية المستقيل قد قدم مقترحات الميزانية العامة لسنة 2002، واشتملت أيضا على تقليل الإنفاق العام من 34 مليار دولار إلى 27 مليار دولار وتجميد الحسابات المصرفية، واستخدام حسابات المعاشات الحكومية، وذلك من أجل تلبية سداد قروض أجنبية وفقا لنصيحة صندوق النقد الدولي.

ويمكن تشخيص الأزمة بإرجاع أسبابها إلى الاقتراض الكبير من الخارج وارتفاع حجم القروض التجارية بمعدلات فائدة عالية وفترات سداد قصيرة، والإنفاق الحكومي المتزايد في ظل حالات فساد مالي كثيرة حتى غدت البلاد عاجزة عن سداد الديون العامة التي تبلغ في الجملة 155 مليار دولا أمريكي، وهو ما يساوي 14% من إجمالي ديون الدول النامية. وفي هذا الوقت أيضا كانت العائدات الضريبية قد انخفضت، وقدر انكماش الاقتصاد في الربع الثالث من العام الجاري بحوالي 4.9% مقارنة مع الربع الثالث من العام الماضي.

ولم تستطع الحكومة رغم تخفيض سعر الفائدة أن تنجح في تحريك جمود الاقتصاد، وفشل الرئيس فرناندو خلال السنتين اللتين قضاهما في السلطة في أن يفي بما وعد به عند مجيئه من إصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد؛ ولذلك توجه صب المتظاهرين والمعارضين غضبهم على الرئيس المستقيل ووزير ماليته بجانب صندوق النقد الدولي.

وكان المحللون الاقتصاديون يرون أن محدودية الخيارات الاقتصادية أمام الحكومة السابقة وحدها غير كافية لتبرير سياسة التخفيضات والتقشف الصارمة من أجل مدفوعات الدين، خاصة إذا قرن ذلك بمطالب صندوق النقد الدولي من الحكومة أن تجري المزيد من التخفيضات في الإنفاق العام من أجل التوصل لبرنامج يدعمه الصندوق باعتمادات مالية تقدر بحوالي 3, 1 مليار دولار على أن تقوم الأرجنتين بإعادة هيكلة الديون الخارجية بحلول يناير 2002، وأن تدفع فوائد ديون لصالح الصندوق تبلغ 1.24 مليار دولار بنهاية ديسمبر الجاري. ولكن أحجم صندوق النقد الدولي فيما بعد عن الموافقة على صرف الاعتمادات المالية المذكورة لصالح الأرجنتين، وعلل ذلك بعدم الوصول إلى اتفاق نهائي بشأن برنامج للإصلاح الاقتصادي بخطة تمويلية متوسطة المدى لعام 2002 مع الحكومة المستقيلة.

العلاقة مع الصندوق

كان صندوق النقد الدولي قد أثنى على الخطة المقترحة قبيل سقوط حكومة فرناندو، ووصف "توماس داوسون"، مدير إدارة العلاقات الخارجية بصندوق النقد الدولي، الخيارات الاقتصادية المتعلقة بخطة التقشف الاقتصادي بأنها "هي الصحيحة وما سواها خاطئة.."، وأن هذه الخطة "ستنال رضا المجتمع الدولي.." - يعني بذلك الصندوق والبنك الدوليين وأمريكا.

وأوضح داوسون أن الإجراءات الأخيرة التي أمضتها حكومة فرناندو المستقيلة هي إجراءات فعالة "في استعادة ثقة المانحين والمستثمرين في الداخل والخارج". وقال في إشارة إلى تقييد السحب من الحسابات المصرفية: "إن المودعين في الأرجنتين لم يوقفوا فقط سحب أموالهم من المصارف، بل أرجعوا الأموال التي بحوزتهم إلى الجهاز المصرفي". وفي معرض الدفاع عن تلك السياسة ونفي ما يُقال عن تدخل الصندوق في رسم السياسة الاقتصادية في الأرجنتين قال ما يمكن تلخيصه في الآتي:

1- برنامج الإصلاح، الذي وضعته حكومة الأرجنتين وليس الصندوق، سيبنى على السجل الجيد للأرجنتين في التحول الاقتصادي خلال العقد الماضي، وسيكون اقتصاد البلاد قادرًا على التكيف بسهولة مع الصدمات الخارجية دون أن يؤثر ذلك سلبًا على كفاءة وإنتاجية القطاع الخاص.

2- الإجراءات التقشفية حظيت بموافقة مجلس العملة الأرجنتيني، وهو مجلس في نظره يتمتع بتأييد واسع في البلاد، وهو الذي جعل اقتصاد البلاد مربوطا بالدولار؛ ولذلك يرى "داوسون" أن الأرجنتين ليست لها خيار آخر سوى تخفيض الإنفاق وتقييده لتقليل حجم عجز الموازنة؛ لأن أي خيار آخر سيؤدي إلى فقدان الوصول إلى أسواق المال الدولية لسنوات عديدة.

3- الحكومة-السابقة- اتخذت عدة خطوات لحماية الفقراء من آثار التصحيح الاقتصادي، وذلك من خلال دعم البرامج الاجتماعية الأساسية، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي وجعل تخفيضات الأجور والمعاشات في أضيق حدود ممكنة.

وفي السياق نفسه كان الرئيس الأمريكي جورج بوش قد دافع عن دور الصندوق إزاء أزمة الأرجنتين قائلا: "إن صندوق النقد الدولي وضع خطة صعبة للغاية، لكنها واقعية جدا ومهمة لتلبية احتياجات الأرجنتين من الأموال، وعليه فيجب على الحكومة الجديدة أن تعمل بموجب مقاييس خطة الصندوق المقترحة، وتعيد هيكلة سياستها المالية والضريبية"، مضيفا أن ذلك هو الطريق المأمون للخروج من الأزمة.

ورغم تلك الحجج التي ساقها داوسون فإن الصندوق لا يمكن أن يخلي مسئوليته مما حدث للأرجنتين، فهو يواصل إقراضها دون النظر لجدارتها الائتمانية، كما أنه جعل استخدام القروض الممنوحة لها من مصادره أو الجهات الأخرى مقصورة على الاستمرار في تسديد أقساط الديون.

ترتيبات الاقتراض المقدمة من الصندوق إلى الأرجنتين (بالمليون من "حقوق السحب الخاص" SDR =1.26 دولار):

المبلغ المسحوب

المبلغ المصدق به

تاريخ انتهاء مدته

تاريخ المصادقة عليه

نوع التسهيل المالي

9,756.31

16,936.80

9 مارس 2003

10 مارس 2000

ترتيبات داعمة

5,874.95

6,086.66

11 يناير 2002

12 يناير 2001

تسهيل احتياط تكميلي

المصدر: إحصاءات صندوق النقد الدولي 2001.

التزامات الأرجنتين واجبة السداد للصندوق في الفترة 2001-2003 (بالمليون من "حقوق السحب الخاص" SDR =1.26 دولار):

2003

2002

المتأخرات حتى نوفمبر 2001

 الاتزام

3,779.4

4,357.9

87.0

أصل القروض

178.8

448.6

 

الفوائد والعمولات

3,958.2

4,806.5

87.0

الجملة

المصدر: إحصاءات صندوق النقد الدولي 2001. 

خيارات للخروج من الأزمة

كان على الأرجنتين أن تختار بين خيارين؛ إما وقف مدفوعات الديون الخارجية أو تخفيض عملتها "البيزو"، والخيار الأول يتضمن أثرًا سلبيًّا هو تناقص الاستثمار الأجنبي وأحجام المانحين الدوليين عن الأرجنتين، وهذا يشبه موقف روسيا، إبان أزمتها في 1998م، التي ما تزال عاجزة عن الوصول إلى أسواق المال الدولية. وإن قبلت الأرجنتين بخيار تخفيض عملتها المحلية البيزو فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع التزامات الشركات والأفراد عند سداد ما عليهم من ديون ومستحقات قروض وهو ما يؤدي إلى إفلاسها وتعثرها في أداء الديون؛ حيث أخذت معظم الشركات على القروض بالدولار الأمريكي.

الرئيس المؤقت أعلن عن خطوات في برنامجه - الذي لم يفصح عنه بعد - في إطار خطة بديلة وينتظر أن يكون ذلك في غضون الأيام القليلة القادمة ومن الخطوات المعلنة ما يلي:

1- طبع أوراق نقدية جديدة بإصدار عملة ثالثة تطرح للتداول في مطلع يناير، ويطلق عليها اسم (أرجنتينو-Argentino) إلى جانب العملة المحلية البيزوPeso- والدولار الأمريكي US Dollar، وستكون أداة لدفع المرتبات الحكومية والمعاشات والديون وشراء الاحتياجات الحكومية ويتوقع أن تكون على شكل سندات. ولكن طبع نقود جديدة ربما ينطوي على إثارة توتر مع صندوق النقد الدولي الذي يرفض مثل هذه الخطوة، كما أن الدائنين الأجانب يرفضون تحويل السندات المقومة بالدولار إلى العملة المحلية.

2- الالتزام بإيجاد مليون فرصة عمل جديدة، وهناك زيادة محتملة للحد الأدنى للأجور إلى 200 دولار.

3- توزيع معونات غذائية للأسر الفقيرة، وتحويل الأموال التي كانت مخصصة لخدمة الديون الخارجية الضخمة (132 مليار دولار) إلى برامج اجتماعية وتشغيلية.

4- تقيد الإنفاق الحكومي بمعنى ترشيد الصرف الحكومي ووضع ضوابط لإنفاق الحكومة على النحو الذي صرح به الرئيس الجديد إن أعلى مرتب في الدولة يجب ألا يزيد عن ألفي دولار في الشهر.

5- وقف مدفوعات الديون الخارجية البالغة حاليا 132 مليار دولار، من جملة المديونية الخارجية التي تقدر بحوالي155 مليار دولار (بما يشمل الأصول وفوائد خدمتها)، وهو ما يزيد على 51.8% من الناتج المحلي الإجمالي للأرجنتين. وقرار وقف سداد الديون البالغة 132 مليار دولار لم يفاجئ الدوائر المالية العالمية والقطاع الخاص الدولي؛ لأنه كان نتيجة متوقعه لتعثر الأرجنتين في السداد، ولكن بعد هدوء العاصفة سيكون الدائنون قلقين على ما آلت إليه الأوضاع ووفاء الأرجنتين بالتزاماتها الدولية، أما الاهتمام الآن فمنصب على الطريقة التي تنهي بها الحكومة الجديدة حالة الركود السائد وتعالج بها الأزمة القائمة.

6- إلغاء القيود المالية والمصرفية التي طبقتها الحكومة السابقة مثل تحديد ما يمكن سحبه من الحسابات المصرفية بما لا يزيد عن ألف بيزو أو دولار أمريكي في الشهر، واقتصار استخدامات تحويلات النقد الأجنبي على مدفوعات التجارة الخارجية. 

الخطوة الأخرى التي ينتظر الإفصاح عن إجراءاتها هي الكيفية التي تتعامل بها الحكومة الجديدة مع المقرضين والدائنتين الذين ينتظرون سداد الأرجنتين لديونها، وهناك إشارة صدرت من الصندوق في هذا الاتجاه؛ حيث يجري العمل على إعداد خطة تقضي بالسماح للدول بإشهار إفلاسها وطلب حماية قانونية من الدائنين. وحسب هذه الخطة فإن الدولة التي تواجه متاعب مالية حادة، يمكنها التقدم إلى صندوق النقد الدولي بطلب حق إشهار الإفلاس، وفي حال حصولها على الموافقة، فإنها تتفاوض مع دائنيها للتوصل إلى تسوية معينة.

وفي هذا الصدد قالت "آن كروكر"، النائبة الأولى لمدير الصندوق: إن الخطة طرحت في نوفمبر، وتم إقرارها من هيئة المحافظين مبدئيا، وينتظر أن يتم تحويلها إلى مشروع رسمي في قمة الصندوق الربيع المقبل. وتقول كروكر: إن الخطة تهدف إلى ملء هوة موجودة حاليًا في النظام المالي الدولي، حيث ستمكن الدول التي تواجه مصاعب مالية من إعلان إفلاسها، وبالتالي تتوقف عن تسديد ديونها، خلال فترة معينة، قبل التوصل مع دائنيها إلى تسوية معينة. ورأت كروكر أن العديد من الدول معرضة للوقوع في هذه الحالة التي أصابت الأرجنتين. كما يذكر أن هذه الخطة تلقى دعما من إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش ومن عدد من القيادات المالية في بريطانيا وكندا، بينما تواجه معارضة شديدة من رجال المال والمقرضين.

القرارات التي أعلنتها حكومة الأرجنتين المؤقتة والإجراءات التي ستتبعها لاحقا ربما تعمل على وقف الانهيار المالي إلى حين انتخاب رئيس جديد في مارس المقبل، فالحلول السريعة لا تصمد في وجه أزمة لها جذورها العميقة. 

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع