|
يجمع
المراقبون على أن أحداث الحادي
عشر من سبتمبر كانت علامة
فارقة على عدد من المستويات،
ليس فقط داخل الولايات المتحدة
الأمريكية وحدها، ولكن في
مختلف بلدان العالم.. وبالدرجة
نفسها هناك إجماع على أن هناك
تداعيات واسعة النطاق لهذه
الأزمة امتدت- كما هو واقع- إلى
الآن، ومن المتوقع أن تستمر
إلى مدى غير منظور؛ ليس على
المستوى العسكري والتعبوي
فحسب، ولكن على مسار يمتد من
عمق السياسة إلى قلب الاقتصاد،
ومن عصب العمل الأهلي إلى
مناشط الدعوة.
من
هنا، فليس غريبًا أن نتصور أن
خطوات بدأت تتخذها بعض الأنظمة
والحكومات في عدد من البلدان
العربية والإسلامية تجاه
تداعيات الأزمة، من خلال طرح
تصورات واتخاذ إجراءات تصبّ في
غالب الأحوال في تقليص مساحات
التحرك على العمل الإسلامي
بصورة عامة والعمل الخيري
بصورة خاصة.. بعض هذه الخطوات
جاء في الحدود المقبولة وفق
إجراءات تكتفي بإبراء الساحة،
ووضع الأمور تحت السيطرة،
والبعض الآخر امتد في عدد من
البلدان إلى مزيد من الإجراءات
التعسفية، إلا أن البعض امتدّ
إلى مساحات إستراتيجية.
ولعل
من أبرز ما يُعنى به التفكير
الإستراتيجي هو بسط السيطرة
على وعاء "الزكاة"،
باعتباره من أبرز المناشط التي
تغذي العمل الإسلامي من جهة،
ويمتد إلى مساحات العمل
الإغاثي خارج حدود الأوطان،
ويصل إلى دعم العمل الجهادي في
مقاومة المحتل ودعم القضايا
الإسلامية في بعض الأحيان.
ملامح
الإستراتيجية
وقد
خطت الإجراءات التي اتخذتها
إندونيسيا وبدأت الحكومة
المصرية في اتخاذها ملامح هذا
التفكير الإستراتيجي، الذي
اعتمد في دولة مثل إندونيسيا
على طرح فكرة ربط الزكاة
بعملية تقليل الضرائب، وهو ما
أعلنه وزير الشؤون الدينية
الإندونيسي "سيد عقيل منور"
من أنه مع بداية العام المقبل
2002 سيكون بمقدور مسلمي
إندونيسيا خصم نسبة 2.5% من
النسبة الكلية للضرائب التي
يدفعونها عند تسديدهم لزكاة
أموال مدخراتهم وأعمالهم
التجارية؛ بمعنى أن يكون
بمقدور الشخص المزكي أن يقدم
إثباتا بتزكيته لأمواله
ليُعفى من دفع جزء من الضريبة
المفروضة عليه بنفس المقدار.
كما
أكد الوزير "سيد عقيل" أن
مكتبه يشرف حاليا ولأول مرة
على تأسيس إدارة جديدة تدير
شؤون الزكاة رسميا، وكذلك شؤون
الوقف، مشيرا إلى أن خمسة بنوك
إندونيسية ستعمل كوسيط لجمع
الزكاة وتوزيعها، ومن بينها
"بنك معاملات"، وهو أول
بنك إسلامي إندونيسي، وكذلك
الفرعان الإسلاميان لبنك "منديري
شريعة" وبنك "ناشيونال
إندونيسيا شريعة"، بالإضافة
إلى بنكين آخرين.
وفي
السياق نفسه صرّح الدكتور "مدحت
حسانين" وزير المالية
المصري بأن وزارته أعدت
مشروعًا بقانون يستهدف إنشاء
هيئة مركزية لجمع الزكاة
وتحصيلها والتكافل الاجتماعي
المتمثل في تقديم إعانات
معاشات للفقراء والمساكين،
والإنفاق على مصارف الزكاة
الثمانية، وأكد الوزير أن هذا
الإجراء يأتي في إطار اتجاه
لدى الحكومة بتوحيد الجهود
التي تقوم بها الجمعيات
والمؤسسات الخيرية الإسلامية
والمساجد وأهل الخير.
مستهدفات
ويستهدف
هذا التحرك عددًا من الأمور
منها:
*
إحكام السيطرة على أموال
الزكاة، وضمان منع تسربها
وخروجها لحساب عمل إغاثي أو
جهادي خارج الأوطان.
*
توحيد أوعية جمع الزكاة و"ترسيمها"؛
بمعنى نقلها من الهيئات
والمنظمات الأهلية إلى
المؤسسات الحكومية الرسمية أو
المعتمدة من قبل الحكومات.
*
حل الأزمات الاقتصادية
المحلية، والدفع بمزيد من
السيولة النقدية لخزانة
الدولة، خاصة في ظل الأزمات
الاقتصادية الطاحنة التي
أصابت اقتصاديات عدد من الدول
التي تعاني في الأساس من
صعوبات اقتصادية.
*
منع عمليات التهرب الضريبي، أو
الحد منها من خلال الاستفادة
من إقرارات دفع الزكاة، خاصة
أن الإقرارات الضريبية تتعرض
لعمليات تحايل واسعة من رجال
الأعمال والتجار لعدم الإفصاح
عن ثروتهم الحقيقية، بينما لا
يحدث مثل هذا التحايل في
إقرارات الزكاة لاعتبارات
تتعلق بالثقة وتمس الأمانة في
العلاقة مع الله.
*
إضفاء مسحة دينية تتجلى في
اضطلاع الحكومات بهذا الواجب
الديني الذي تراجعت عن أدائه
كثيرًا.
عقبات
ورغم
هذه الجهود التي تسعى الحكومات
لبذلها من خلال "ترسيم"
عملية جمع الزكاة وإحكام
السيطرة عليها، فإن هناك عقبات
-لا شك- تقف في طريقها لتحقيق
هذه الإستراتيجية منها:
*
عقبات شرعية:
وتتجلى
هذه العقبات في أن هناك فتاوى
شرعية صدرت وتصدر عن مرجعيات
إسلامية ذات ثقل وتحظى بقبول
واسع لدى رجال الأعمال ودافعي
الزكاة، تؤكد على شرعية دفع
الزكاة للشعوب المسلمة التي
تقاوم المحتل وتسعى
للاستقلال، إضافة إلى وجوبها
خاصة في مجال الإغاثة والعون
للشعوب المنكوبة، وذلك من سهم
"سبيل الله"؛ باعتبار أن
موطن إنفاقه هو الجهاد، وهو
قول جمهور أهل العلم.
حتى
إن عددًا من العلماء أفتى بأن
سهم "الغارمين" يجب أن
يخصص للشعب الفلسطيني؛ لأنه
سهم معطل في الإنفاق، باعتبار
أن الشعب الفلسطيني وقع عليه
الغرم في نفسه وماله وولده
وأرضه التي اغتُصبت منه، ويباد
الزرع منها لقطع أسباب الحياة
عن أهل البلاد. بل ذهب علماء
آخرون إلى تفضيل معونة أهل
فلسطين -باعتبارهم شعبًا
منكوبًا- على الفقراء
والمساكين في بلد إقامة
المزكي، وهو ما قال به الشيخ
"فؤاد مخيمر" رئيس
الجمعية الشرعية المصرية؛ حيث
أفتى بأنه إذا اجتمع الفقراء
والمساكين -وهما المصرفان
الأول والثاني للزكاة- قدمنا
أشدهما حاجة، وليس هنالك على
الساحة الإسلامية أحوج من
الشعب الفلسطيني، فهو أولى
بالإنفاق عليه، وبخاصة أننا
نعلم أنه شعب محاصر اقتصاديًا
وعسكريًا ويباد بالليل
والنهار قتلاً وجرحًا، والأسر
مشتتة في الصحراء بلا مأوى ولا
طعام ولا كساء ولا غطاء.
وإذا
اجتمع أيتام المسلمين في
العالم قدمنا من هم أشد بؤسًا
وفقرًا وحاجة بغض النظر عن
مسميات الدول؛ فأمة الإسلام
أمة واحدة لا تعرف الحدود. قال
تعالى: "إِنَّ هَذِهِ
أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ
فَاعْبُدُونِ" (الأنبياء: 92)،
وفي الحديث: "مثل المؤمنين
في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم
كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد
بالسهر والحمى". ففي الحديث
عموم، وليس فيه إشارة إلى
تخصيص؛ ذلك لأن التخصيص تعصب،
والعصبية نبع من الجاهلية، وفي
الحديث: "من دعا إلى عصبية
فليس منا". وفي الحديث أيضًا:
"إذا نزل العدو بأرض الإسلام
كان الجهاد فرض عين على كل مسلم
ومسلمة". وإذا كنا ممنوعين
من الجهاد بالنفس؛ فالجهاد
بالمال فرض محتم، وبخاصة إذا
توفرت القدرة على أدائه كل
بحسب استطاعته.
*
عقبات اقتصادية:
وكما
أن هناك عقبات شرعية تحول دون
عمليات الترسيم؛ فهناك أيضًا
عقبات اقتصادية تسوق إلى
النتيجة نفسها؛ فكثير من رجال
الأعمال الذين يزكون أموالهم
قد يتخوفون من عمليات "الإقرار
الزكوي"؛ لأنها ستقود حتمًا
إلى دفع مزيد من الضرائب؛
نظرًا لوجود أرقام حقيقية عن
ثروات المزكين؛ الأمر الذي
يؤدي إلى حدوث ما يمكن أن يطلق
عليه "الإنهاك الضريبي"
لرجال الأعمال، وهو ما يدفعهم
إلى الاستمرار في عمل تسويات
صورية للضرائب، وفي المقابل
دفع الزكاة وفقًا لأرقام
حقيقية، ولكن من خلال أوعية
غير رسمية.
*
عقبات إدارية:
هناك
أيضًا عقبات إدارية تتجلى في
بناء هياكل إدارية، خاصة داخل
البلدان التي تتبنى هذه
الفكرة؛ وهو ما يشكل عملا على
التوازي مع الهياكل الإدارية
الخاصة بتحصيل الضرائب؛ وهو ما
يُحدث نوعًا من الازدواجية في
عمليات التحصيل.
*
عقبات محلية:
هناك
إشكاليات أخرى تفرزها الفكرة،
خاصة مع غير المسلمين في
البلدان التي تسعى لتبني
الفكرة، وكيف يمكن التعامل
معهم في تنفيذ الفكرة؟ وهل
ستقوم الحكومات بعمل ضرائب
مضاعفة على غير المسلمين مقابل
الزكاة التي يدفعها أثرياء
المسلمين بصورة رسمية؟
ورغم
هذه العقبات، فإن دوافع
الحكومات لتطبيق النظام على
أرض الواقع قد تدفع بها إلى
اتخاذ إجراءات للتخلص من هذه
العقبات، وعمل مشاريع قوانين
لوضع الأمور تحت السيطرة.

|