English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

واقع مر يعيشه 120 مليون إندونيسي
فقراء إندونيسيا بين صيام العام وصيام رمضان!

2001/12/06

جاكرتا - صهيب جاسم

طالما قيل: إن الصيام يذكر الأغنياء الشبعى بالفقراء الجائعين.. وهذا ما يجعلنا نتذكر فقراء كبرى الدول المسلمة وسط عواصف الأحداث العالمية، وهي صورة متكررة في كثير من بلاد الإسلام؛ فالفقر ملف ساخن وخطير يحمل في جعبته لمن يحاول فهمه جوانب كثيرة وجذورا وأسبابا متفرقة، كالنظام والسياسات الاقتصادية المتبعة ونخر الفوائد الربوية لنسيج منظومة الإنتاج والمؤسسات المالية مقابل تلاشي أو ضعف تطبيق ما يضمه الإسلام من حلول، وأولها نظام الزكاة والوقف، كما أن مما يزيد الأوضاع سوءا الواقع السياسي وتاريخ التنمية الاقتصادية وتوزيع الثروات وطرق الاستفادة منها والفساد المالي والإداري، وقبل ذلك عدم تأهل الإستراتيجية المعلنة لمعالجة الفقر للنجاح.

والحديث عن الفقر والفقراء كثيرًا ما يتوارى خلف فرض أو توجيه وسائل الإعلام الاقتصادية المنفذة لأجندة الاهتمامات الاقتصادية؛ فلو أن شركة طيران أو تأمين سويسرية أو دانمركية انهارت، وليس لها علاقة كبيرة بمصالح سكان العالم الثالث عموما؛ فإن الصحف في عالمنا تنشر الخبر بتفصيل، وتتبعها قنوات التلفزة التي تنقل لنا بحسرة خبر تسريح عدة آلاف من عامليها!، بينما لو كان الخبر عن بنك أو مصنع كبير في دولة نامية يهدد انهياره حياة عشرات أو مئات الألوف من الفقراء ومتوسطي الدخل؛ فإن وكالات الأنباء الأجنبية لا تنقله بنفس الاهتمام؛ ولذا فإن 7 أسطر كافية لتغطيته!.. وهكذا لا تجد قضايا الجماهير الحقيقية تغطية كافية حتى في إعلام بلدها وإعلام الدول التي تشاركها صفات عديدة دينية أو ثقافية أو جغرافية.

"رحمات" و"هدايت".. مثالان لفقراء رمضان

ومع أنه شهر الصيام لكنه يبدو بالنسبة للفقير الجائع شهرًا من عام كله صيام!، هكذا تبدو الأوضاع في بيوت الفقراء المنسيين، فـ"رحمات" (45 عاما) وهو صياد إندونيسي في جزر الألف أو "كيبولوان سيريبو" لا يحتاج -كما يقول- إلى الانتظار حتى يأتي شهر رمضان ليصوم؛ فهو وعائلته قد لا يأكلون في كثير من الأيام في نهارهم عندما لا يجدون ما يسد رمقهم، على الرغم من أنه يعمل لمدة 12 ساعة طوال أيام الأسبوع مع 14 صيادًا آخرين على متن قارب قديم لهم.

ويقول رحمات: "بعض الأحيان أحصل على 5 آلاف روبية (أقل من 50 سنت أمريكي) في اليوم، لكنني قد لا أحصل على شيء في أيام أخرى وأعود إلى البيت ولا فلس في جيبي، وإذا حصل ذلك فإننا لن نأكل طوال اليوم، ويبقى أطفالي جوعى، وفي الغالب أقنع ابني الصغير البالغ من العمر 4 أعوام بأن يشرب الكثير من الماء وينام لينسى الجوع!!". وقد يستغرب البعض من أنه صياد؛ فلماذا لا يأتي لبيته بسمكة يأكلونها، فيرد رحمات: "في بعض الأيام أذهب إلى البحر فلا أجد سمكًا أصطاده خاصة إذا كان الوقت غير مناسب.. حتى السمك قد لا نحصل عليه ونحن في جزيرة!!.. أريد أن أحسن من مستوى معيشة أسرتي، ولكن لا أدري ما هو السبيل لذلك؟".

وكغيره من سكان قريته الساحلية لا يحصل منزل رحمات على التيار الكهربائي إلا لمدة 12 ساعة يوميا مقابل 2000 روبية يوميا (أقل من 25 سنتا أمريكيا)، وإذا لم يدفعوا لمدة 10 أيام فسيأتي موظف الشركة لقطع التيار حتى يدفعوا.

وإلى العاصمة جاكرتا.. وفي كامبونغ -بندر بشمالها- تشارك عائلة "هدايت" نفس آلام عائلة "رحمات" التي يشاركهم فيها ملايين بل -وبدون مبالغة- عشرات الملايين؛ فهم يسكنون في غرفة صغيرة (2×3 أمتار فقط) بجانب محطة للقطار، كان هدايت (60 عاما) عامل بناء أيام الصعود التنموي في الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات، وله 3 بنات متزوجات و4 أبناء و4 أحفاد، ويسكن الـ 13 فردا -في غالب الأحيان- في ذلك المكان، وقد يجد بناته مكانًا لقضاء بعض الأيام مع أزواجهن العمال أيضا، ويعملن في المقابل في أكشاك أطعمة تحصل كل منهن على 100 ألف روبية فقط شهريا (10 دولارات)، وتقول "غيرتوديس باتريواتي" زوجة هدايت: "عندما يكون لدينا بعض المال نشتري بعض الخضراوات الرخيصة، ومعظم الوقت نأكل الأرز مع الملح بدون شيء آخر، ونحن نحتاج 10 آلاف روبية (دولار واحد فقط !) على الأقل في اليوم لشراء الحد الأدنى من الطعام والشراب لنبقى على قيد الحياة.. وفي كثير من الأحيان نستدين من جيراننا أرزا وملحا ونوعا من الخضار؛ وهو ما يفعلونه هم أحيانا لأننا لا نملك المال يوميا".

وعندما يحل شهر رمضان ترتفع الأسعار بنسبة 30-40%، وبينما تستطيع بعض ربات البيوت شراء أطعمة لرمضان يوميا بما يتراوح بين 200 ألف إلى 300 ألف روبية (20-30 دولارا) يوميا فإن من يُعتبَرون متقاربين من الفقراء في مستواهم لا يقدرن على شراء ما يعدونه لعائلاتهن يوميا بأكثر من 25 ألف روبية (2.5 دولار)، بينما لا يعد الفقراء لرمضان أية وجبات خاصة؛ فالدخل لا يزيد.. فكيف يزيد طعامهم والتجار يستغلون الموسم الرمضاني ليزيدوا من أرباحهم؟!.

خلاف حول عدد الفقراء قبل مساعدتهم!!

هاتان قصتان تمثلان نموذجًا لحياة الملايين من الإندونيسيين الذين تتوارى أنباؤهم خلف الاهتمام الإخباري بالصراعات السياسية، ولعل أبسط مؤشر على عدم وجود برامج متكاملة لمعالجة الفقر في إندونيسيا تشمل جميع المناطق ومستمرة في التنفيذ منذ اندلاع أزمة عام 1997 المالية التي كانت أم الأزمات - هو أن عدد الفقراء في حد ذاته يشكل جدلا بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية والجهات الدولية وعلى رأسها البنك الدولي.

ورسميا تدعي الحكومة -وهو موقف مفهوم من قبلها- أن نسبة الفقر قد انخفضت من 27% عام 1999 إلى 15.2 % من مجموع السكان مع نهاية عام 2000، أو بحسب المناطق فإن الفقر قد تراجع -بحسب الأرقام الرسمية- إلى نسبة 20.7% من سكان الحضر وإلى 7.3% من سكان الريف، وهو ما يقارب أوضاع ما قبل عام 1997، ويرجع ذلك إلى التنامي المتواضع للاقتصاد الإندونيسي ورخص أسعار الأرز وبعض السلع ، ولو أخذنا بالإحصائية الرسمية فإن عدد من يعيش تحت خط الفقر بالمعيار الذي وضعته الحكومة هو 32 مليون إندونيسي!.

لكن تقريرا صدر مؤخرا للبنك الدولي عن الفقر في إندونيسيا في اجتماع جمع المسؤولين الإندونيسيين والدول الدائنة لها قبيل رمضان بأيام أشار إلى أن أكثر من 121 مليون إندونيسي يعيش الواحد منهم على أقل من دولارين في اليوم في أحسن أحوالهم (حسب أسعار 1993) ولذلك يعتبرون كلهم "فقراء تقريبا" ومعرضين جميعا لكل ما يتعرض له الفقراء من عواقب سلبية في حياتهم في أي وقت تحدث فيه أية أزمة جديدة، أو أن يستمر الوضع على ما هو عليه من تحسن بطيء في الأحوال العامة.

وكان البنك الدولي والدول الدائنة قد وافقت على أن تدين إندونيسيا بـ 3.14 مليارات دولار أخرى قرضًا وتمنحها 586 مليونًا كعَوْن بعد أن وافقت الحكومة على تدشين إستراتيجية جديدة لمعالجة الفقر. وقبل السؤال عن إمكانية نجاح الخطة الجديدة فإن أحدا لا يعلم متى ستسد إندونيسيا قروضها بما فيها قرض المعونة هذا لمعالجة الفقر؟!.

قضية مهملة رسميا!

السؤال الذي يطرح نفسه دائما هو: هل هناك من يهتم بقضية الفقر فعلا من أصحاب القرار؟ فمن المؤسف أن "الفقر" لا يكاد يُذكر في جلسات مجلس الشعب الاستشاري والبرلمان التي اختتمت دورتها السنوية الاعتيادية قبل رمضان، ومع كل الانتقادات للبنك الدولي فقد اختار مسؤولوه "الفقر" ليكون موضوع الاجتماع السنوي بينهم والمسؤولين الإندونيسيين لكن الناشطين غير الحكوميين في متابعة معاناة الفقراء يعتقدون أن كلا الطرفين لم يعمل بما فيه الكفاية في الاستجابة لآلام الفقراء.

وكانت دراسة صدرت قبل شهرين قد أكدت أن الطبقة الفقيرة هي الأكثر تضررا من الفساد المالي والإداري والقانوني المستشري في أنظمة البلاد، وتمس جميعها حياة المواطنين بشكل مباشر، بل إن "دولين" -أحد خبراء قضية الفقر- حذر مجددا يوم 10/11/2001 من أن سوء استخدام معونات وقروض المجموعة الاستشارية الدولية لإندونيسيا يهدد نجاح هذه المعونات في إعانة الفقراء فعليا، مؤكدا على أن معالجة الفقر من خلال مؤسسات الدولة يكاد يكون مساعدا على إيجاد فرص للفساد المالي فيها؛ حيث يؤكد سجل المعونات الدولية لمعالجة الفقر صورًا من سوء الاستغلال من قِبل بعض الأطراف المؤثرة، وذلك حسبما يقول؛ لأن إدارة هذه البرامج أُعطيت لمكتب الوزير المنسق لشؤون رعاية الشعب الذي يُعتقد أنه سيتبع أسلوبًا إداريًّا مركزيًّا في تنفيذ مشاريع معالجة الفقر، مع أن الوزير "يوسف كالا" وعد بتفعيل دور الجهات المحلية والفقراء أنفسهم.

وكان البنك الدولي قد ألغى في نهاية العام الماضي تسليم الدفعة الثانية من قرض قدره 600 مليون دولار لتمويل شبكة الضمان الاجتماعي بسبب فساد البيروقراطيين، وحذر البنك من أنه لن يقرض إندونيسيا المزيد من القروض، وقال أحد مسؤوليه بأن على جاكرتا أن تهتم بأسلوب إنفاق المعونات والقروض بشكل فاعل أكثر من مجرد الاهتمام بحجم المبالغ الممنوحة، وأن يشركوا مجموعات مختارة من الشخصيات الفقيرة في صياغة ومتابعة برامج رعاية جماعاتهم.

وإذا كان من بين أهداف التقرير الدولي عن الفقر الذي قدم رسميا في جاكرتا يوم 7/11/2001 الجاري أن يكون صيحة إيقاظ لضمائر المسؤولين؛ فإن من المحزن أنه لم يجد حتى التغطية الإعلامية المناسبة في الصحافة الإندونيسية، ولم يجد استجابة حتى بمجرد تصريحات غالبية المسؤولين قبل السؤال عن دراستهم له ومحاولة الاستفادة منه، ولعل رسالة البنك الدولي كانت للدول الدائنة والمانحة بأن تدفع المزيد لإندونيسيا بسبب مخاطر قضية الفقر، بينما رسالة التقرير المطول عن الفقر للجهة المتسلمة في جاكرتا قد لا تجد استجابة كافية، ولقد كان التقرير واضحا في تأكيد أن قدرة الحكومة على الخروج من الأزمة الاقتصادية ومعيار تحديد نجاحها مرتبط بعدد الذين ينقذون من مستنقع الفقر، وتوفر الخدمات الأساسية لهم، محذرا من السياسيات "المعادية للفقراء" التي تتبعها الدولة أو جهات معينة فيها.

عواقب وخيمة

إن ظاهرة الفقر المخيمة -وهي من أهم مظاهر الضعف الاقتصادي والاجتماعي في بلاد الأرخبيل الكبير- تقف عائقا أمام الكثير مما يعول على إندونيسيا القيام به كأكبر دولة في العالم الإسلامي بل و"كأخ كبير" لدول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، ويعد الفقر -وبشكل واضح للعيان- معينًا للمفسدين في الجانب الأخلاقي ومثيري الفتن السياسية والطائفية الدامية الذين يجدون من هو مؤهل لتدبير ما هو مخرب لبلاده مقابل روبيات معدودة، وهو كذلك مساعد للمُنصّرين وأذيالهم ، كما يُعد تحديا يواجه جهود الإصلاح وتنقية المجتمع من الشوائب؛ حيث يدفع الفقر بالكثيرين إلى أعمال غير محمودة فيُفتن الكثير من المسلمين والمسلمات في دينهم بسببه ، ويكفي أن نعلم أن تجارة الرقيق الأبيض بالفتيات الإندونيسيات تتم تحت غطاء جذبهن للعمل، وبعقود مقبولة، لكنها وهمية في المستشفيات والمطاعم والمصانع والمنازل وبرواتب مغرية ثم ما يلبثن أن يجد الكثير منهن أنفسهن مخطوفات ومستعبدات بيد عصابات إجرام، أكثر أصحابها صينيو الأصل، ولمدد تتراوح بين ستة أشهر إلى سنة في إحدى الدول الشرق آسيوية الأغنى من إندونيسيا قبل أن يطلق سراحهن ليعودوا إلى قراهم، وقد دمّر الفقر حياتهن وربما حياة أسرهم.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع