|
تعرض
الاقتصاد العالمي للعديد من
الأزمات، من أهمها أزمة انهيار
نظام "بريتون وودز"،
وأزمة الكساد الكبير في
الثلاثينيات، والأزمة
الآسيوية في التسعينيات،
وأخيرًا أزمة الاقتصاد
العالمي الحالي، والتي دعمتها
الأحداث التي تعرضت لها
الولايات المتحدة الأمريكية
مؤخرًا.
وإذا
أردنا المقارنة بين الأزمة
الآسيوية والأزمة الأمريكية
الراهنة -لما لهما من آثار
واسعة وملامح مشتركة، ولما
يظهر من مفارقات على الصعيد
الاقتصادي- فإن عناصر المقارنة
تتعدد وتتنوع لتشمل الظروف
الاقتصادية التي سادت العالم
قبل كل منهما، والعوامل التي
وقفت وراء وقوع كل منهما، ومدى
اختلاف الدور الذي لعبه
الاقتصاد الأمريكي في كلتا
الأزمتين، ومدى تغلب الطابع
السياسي أو الاقتصادي في كل
حالة، وكذلك الاختلاف في الدور
الذي لعبه صندوق النقد والبنك
الدوليان في الحالتين، هذا إلى
جانب العديد من عناصر المقارنة
الأخرى، مثل سياسات العلاج،
والآثار النهائية على النظام
الاقتصادي العالمي ومسيرته
نحو العولمة، والسطور التالية
تلقى مزيدًا من الأضواء على
هذه العناصر..
فشل
أجهزة الإنذار المبكر
تعتبر
الظروف الاقتصادية التي تسبق
وقوع الأزمة من أهم العوامل
التي يجب الاهتمام بها؛ وذلك
لأن هذه الظروف قد تعطي مؤشرات
إنذار لقرب وقوع الأزمة؛ فيسهل
تجنبها أو الاستعداد مبكرًا
للتعامل معها وتقليل آثارها
السلبية، أو قد تعمل وتساعد
على تفاقمها وجعلها أكثر حدة.
والظروف
الاقتصادية التي سبقت الأزمة
الآسيوية تختلف تمامًا عن تلك
الظروف التي سبقت الأزمة في
أمريكا، فقد كانت صورة
الاقتصاد العالمي قبل بداية
الأزمة الآسيوية أكثر
إشراقًا؛ حيث تمثلت في وجود
مؤشرات جيدة على قوة الاقتصاد
العالمي واستقرار أغلب معدلات
النمو خاصة في الاقتصاد
الأمريكي والأوروبي، ووجود
مؤشرات على أن الدول التي
انطلقت منها الأزمة تعتبر من
المعجزات الاقتصادية، والمثال
الذي يجب أن يقتدي به الجميع
والذي يجب أن يؤخذ للدلالة على
فاعلية ونجاح البرامج
الاقتصادية لمؤسسات التمويل
الدولية وخاصة البنك والصندوق
الدوليين.
كما
كانت هناك مؤشرات تدل على أن
الولايات المتحدة الأمريكية
تقف بكل ما لديها من إمكانيات
لدعم النمو والازدهار
الاقتصادي في هذه الدول لأسباب
اقتصادية وأخرى سياسية، وبسبب
كل هذه المؤشرات لم يتنبأ أحد
بهذه الأزمة بما في ذلك دعاة
برامج الإصلاح الاقتصادي في
هذه الدول ومنها الصندوق
والبنك؛ وهو ما جعل عنصر
المفاجأة أهم ملامح هذه
الأزمة، وجعل آثارها تسري في
الاقتصاد العالمي سريان
الكهرباء في أسلاك البلاتين.
في
مقابل ذلك، فإن الأزمة
الأمريكية سبقتها صورة مهزوزة
للاقتصاد العالمي؛ حيث كانت
أهم ملامح هذه الصورة هي
اقتصاد عالمي وأمريكي معتل
يعاني تراجعًا وتباطؤًا
اقتصاديًا ملحوظًا، ويهدده
شبح كساد عالمي كبير حيث معدل
بطالة أمريكي 4.6%، ومعدل نمو
أمريكي 0.02% فقط، وتنبؤ
باحتمالات حدوث نمو سلبي في
المستقبل، كما كانت هناك
محاولات مستميتة لإنعاش
الاقتصاد العالمي وإخراجه من
مساره نحو الكساد من خلال خفض
أسعار الفائدة في معظم دول
العالم التي تأثرت بأوجاع
الاقتصاد الأمريكي.
وإذا
كانت الأوساط المالية
والاقتصادية لم تتوقع الأزمة
الآسيوية، فإن الأوساط
الأمنية في مختلف أنحاء العالم
لم تتوقع الأحداث الدرامية
الدامية للأزمة الأمريكية
وتوابعها، وهو ما يعني فشل
أجهزة الإنذار المبكر
الاقتصادية والأمنية في كلتا
الأزمتين على التوالي.
البداية
ضرب أسواق المال
لاشك
أن هناك تفاوتًا كبيرًا بين
الأسباب التي أدت إلى كلتا
الأزمتين من حيث طبيعتها ومن
حيث القوى الدافعة لها؛ ففي
الحالة الآسيوية كانت الأسباب
ذات صبغة اقتصادية؛ حيث نتجت
عن الإسراع في معدلات النمو في
الاقتصادات الآسيوية أكثر مما
تستوعبه طاقاتها الاقتصادية،
وكذلك بسبب الإفراط في
الاقتراض من الخارج من جانب
القطاع الخاص، واستخدام قروض
قصيرة الأجل لتمويل مشروعات
ذات فترات تفريغ طويلة الأجل،
هذا إلى جانب انعدام الرشد
الاقتصادي، والفساد في تفجير
الأزمة.
أما
الأسباب التي قادت إلى الأزمة
الأمريكية، فهي أسباب ذات صبغة
سياسية أمنية تؤثر وتتأثر
بالجانب الاقتصادي، فإذا
حاولنا الرجوع إلى الجذور
الحقيقية للأسباب التي أدت إلى
الأزمة الأمريكية سنجد أن
بعضها اقتصادي، وأهمها
الأسلوب والمنهج الأمريكيان
في صياغة النظام الاقتصادي
العالمي الجديد، خاصة في مجال
العولمة الاقتصادية وتحرير
التجارة وحركة رؤوس الأموال
العالمية، وهو الأسلوب الذي
استفز الجميع، وأثار عدم الرضا
بل الاعتراض والكراهية لكل ما
هو أمريكي، خاصة من الدول
النامية، لدرجة أن العولمة
أصبحت مرادفًا للولايات
المتحدة الأمريكية.
ورغم
تفاوت الأسباب في كلتا
الحالتين إلا أن ضرب الرموز
الاقتصادية كان البداية
المباشرة للأزمة؛ حيث تم ضرب
أسواق المال الآسيوية (بورصات -
أسعار صرف) في الحالة الآسيوية
عن طريق عمليات المضاربة في
البورصات وعلى أهم العملات في
هذه الأسواق. أما في الحالة
الأمريكية فقد تم ضرب أسواق
المال الأمريكية في "وول
ستريت" بعملية إرهابية غير
مسبوقة، وهي تفجير مركز
التجارة العالمي الواقع في قلب
أسواق المال الأمريكية، أي أن
أسواق المال كانت أول الأسواق
التي اشتعلت بها نيران الأزمة
في كلتا الحالتين.
الآسيوية
عدوى.. والأمريكية صدمة!
ربما
تبدو الآثار التي لحقت
بالاقتصاد العالمي متقاربة في
كلتا الأزمتين من حيث تركز
التأثير الفوري للأزمتين على
الأسواق في مختلف دول العالم،
في حين أن التدقيق في الأمور
يؤكد وجود فروق جوهرية في حجم
هذه الآثار ومدى تأثيرها؛ ففي
الأزمة الآسيوية كانت درجة
تأثر الأسواق المالية أقل مما
كانت عليه في الأزمة الأمريكية
بكثير؛ حيث كان أثر الأزمة
الأمريكية على الأسواق
المالية غير مسبوق إلا في
حالتيْ وقف إمدادات النفط
العربي عن الغرب، واستقالة
الرئيس نيكسون.
كما
أن آثار الأزمة الآسيوية
انتقلت إلى الأسواق عن طرق "العدوى"،
أما الآثار في الحالة
الأمريكية فقد انتقلت عن طريق
"الصدمة"، والجدول التالي
يعكس حجم هذه الآثار من خلال
نسبة الربح أو الخسارة التي
لحقت بالأسواق من خلال متوسط
مؤشر "داوجونز الصناعي"
في العديد من الأزمات التي
ألمت بالاقتصاد العالمي بداية
من أزمة "بيره هاربور" عام
1941 حتى الأزمة الأمريكية في 11
أغسطس 2001:
|
النسبة
المئوية للربح |
النسبة
المئوية للخسارة |
الأزمة
المؤثرة في الأسواق المال |
السنة |
|
-- |
-
6.5% |
بيرل
هاربور |
19411 |
|
1.1% |
-- |
أزمة
الصواريخ الكوبية |
1962 |
|
-- |
-
2.9% |
أزمة
اغتيال جون إف كنيدي |
1963 |
|
-- |
-
17.9% |
أزمة
الحظر العربي للنفط عن دول
الغرب |
1973 |
|
-- |
-
15.5% |
أزمة
استقالة الرئيس نيكسون |
1974 |
|
-- |
-
0.5% |
أزمة
انفجار مركز التجارة
العالمي |
1993 |
|
0.6% |
-- |
أزمة
انفجار أوكلاهوما سيتي |
1995 |
|
-- |
-
12.4% |
أزمة
أسواق المال الآسيوية |
1997 |
|
-(*) |
-
14.3% |
أزمة
العمليات الإرهابية في
الولايات المتحدة
الأمريكية |
2001 |
المصدر:
NED DAVIS RESERCH, INC.
(*)
معدل التراجع في المؤشر مأخوذ
من مؤشرات البورصة العالمية
يوم 23-9-200، وهو أدنى مستوى وصل
له المؤشر بسبب التفجيرات
الأمريكية.
كما
تتضح الفروق الجوهرية بين آثار
كلتا الأزمتين في اتساع نطاق
الأزمة؛ حيث اقتصرت آثار
الأزمة الآسيوية على أسواق
المال والمصارف في الأجل
القصير، وأثرت على التجارة
الدولية في الأجل الطويل، وإن
كان هذا الأثر الأخير إيجابيا
ولصالح الدول المستوردة من
البلدان الآسيوية؛ حيث حصلت
على السلع الآسيوية بأسعار
منخفضة جدًا. أما في الأزمة
الأمريكية فقد اتسع نطاق
الآثار ليشمل كافة قطاعات
الاقتصاد العالمي من تجارة،
وحركة رؤوس أموال، وشركات
النقل والطيران، والتأمين
والسياحة، والبترول والذهب،
أي أن الآثار كانت شاملة وعامة
على الاقتصاد العالمي في الأجل
القصير، هذا إلى جانب آثارها
في الأجل الطويل على مستقبل
النظام الاقتصادي العالمي
ومسيرة العولمة في الأجل
الطويل.
ولذلك
يمكن القول بأن الأزمة
الآسيوية كانت بمثابة الهبوط
التدريجي في الدورة الدموية
للاقتصاد العالمي بسبب جلطة في
أحد أطرافه وهي الدول
الآسيوية، أما الصدمة
الأمريكية فكانت بمثابة
السكتة الدماغية التي أصابت
رأس الاقتصاد العالمي الذي يمر
بمرحلة نقاهة.
للأزمة
إيجابيات!!
ومن
أفضل إيجابيات الأزمات
الاقتصادية الدروس المستفادة
منها، والخبرة التي تكتسب منها
للتعامل مع غيرها من الأزمات
في المستقبل، ورغم الاختلافات
السابقة بين الأزمتين
الآسيوية والأمريكية، فإن
كلتيهما ألقت بظلالها على
مستقبل الرأسمالية ومستقبل
العولمة الاقتصادية، ولكن كان
ذلك بطريقة مختلفة، وذلك من
خلال الآتي:
1-
كشفت الأزمة الأمريكية عن
هشاشة الرأسمالية الأمريكية
وما تستند إليه من مفردات
إنتاجية وتكنولوجية وأمنية؛
حيث أصيبت هذه المفردات
بالارتباك بسبب هذه الهجمات
الإرهابية، وهذا يجعل الأزمة
الأمريكية تذهب إلى أبعد مما
ذهبت إليه الأزمة الآسيوية
التي أثرت على الحرية
الاقتصادية في مجال حركة رؤوس
الأموال كأحد ملامح
الرأسمالية الأمريكية وكأحد
أدوات العولمة الاقتصادية.
2-
ظهور مصدر جديد لحدوث الصدمات
الاقتصادية والعالمية، وهو
العلميات الإرهابية.
3-
ضرورة عدم الإسراف في التفاؤل،
أو الشعور بالأمان والاستقرار
الاقتصادي؛ لأن الأزمات
الاقتصادية قد تحدث بين لحظة
وأخرى دون مقدمات.
4-
كشفت الأزمة الأمريكية عن
أهمية الإنذار المبكر في
المجال الأمني لضمان
الاستقرار الاقتصادي، إلى
جانب الإنذار المبكر في المجال
الاقتصادي لتوقع الأزمات،
وعدم فاعلية وجدوى النظم
الموضوعة في هذا المجال حتى
الآن.
5-
ضعف الالتزام الدولي بقواعد
العولمة في ظل الأزمات
الاقتصادية واسعة الانتشار؛
حيث إنه في ظل الأزمات تأخذ كل
دولة بزمام هذه القواعد، وتجعل
القوانين بيدها تنفذها أو
تكسرها حسب ما تميله عليها
مصالحها الاقتصادية فقط دون
مراعاة لما يعرف بالنظام
الاقتصادي الجديد.
6-
رغم أن الأزمة الآسيوية قد
كشفت خطأ الاعتماد على حشد
المزيد من الموارد الاقتصادية
بأكثر من الاعتماد على التقدم
التكنولوجي وزيادة الإنتاجية،
فإن الأزمة الأمريكية كشفت عن
خرافة الركون التام إلى
التكنولوجيا كعنصر أمان
اقتصاديًا وأمنيًا.
7-
أكدت الأزمة الأمريكية ما سبق
أن كشفت عنه الأزمة الآسيوية،
وهو سرعة انتقال الأزمات
الاقتصادية في ظل النظام
الرأسمالي والمالي العالمي
الراهن، وأن ما يقال عن
الاستقرار الاقتصادي في ظل هذا
النظام أمر يفتقر كثيرًا إلى
الواقعية.
8-
صعوبة توافق المصالح
الاقتصادية لكل دول العالم في
ظل العولمة، خاصة في ظل
الأزمات الاقتصادية، بل وأكدت
الأزمة الأمريكية على أن
الأزمات الاقتصادية قد تخلق
تناقضًا في مصالح الأصدقاء
والحلفاء، وقد تخلق توافقًا
وتناغمًا في مصالح المتنافسين
والأعداء أيضًا.
8-
كشفت الأزمة عن أن برامج
الإصلاح الاقتصادي لا يتم
اختراقها بضغوط داخلية فقط،
ولكن هذه البرامج عرضة
للاختراق بل وانفراط عقدها
وإرباك مسيرتها؛ بسبب عوامل
خارجية غير مأخوذة في الحسبان،
وهو ما جعل هذه البرامج تحتاج
إلى إعادة نظر.
9-
ظهور أهمية دور الدولة في
الحياة الاقتصادية، وأن هذا
الدور ليس مرشحا للتراجع أو
الزوال، كما يعتقد أنصار
الرأسمالية الأمريكية، ولكنه
مرشح للعودة مرة أخرى؛ لأهميته
في إدارة الأزمات الاقتصادية،
ولحماية الأسواق الداخلية من
استغلال القطاع الخاص الأزمة
عن طريق رفع الأسعار أو
الاحتكار أو غيرها من الأساليب
غير المشروعة.
هكذا
أكدت هذه الأزمة أن العالم في
حاجة إلى برنامج إصلاح دولي
وشامل للنظام الاقتصادي
والقواعد التي تحكمه، سواء في
مجال التجارة أو الاستثمار أو
حركة رؤوس الأموال وغيرها؛ حتى
يكون هذا النظام أكثر عدالة
وموضوعية، ويحظى برضى دول
العالم المتقدم منها والنامي
على السواء.
|