|
في 4
أبريل من العام الماضي أعلنت
حكومة دبي بدولة الإمارات عن
اعتزامها التحول من حكومة
تقليدية (ورقية) إلى حكومة تقدم
خدماتها للشركات والجمهور عبر
الإنترنت دون الحاجة إلى
الانتقال إلى مقار الدوائر
الحكومية والاصطفاف في طوابير
للحصول على الخدمات الحكومية.
وبالفعل بعد 18 شهرًا حدَّدها
ولي عهد دبي الشيخ "محمد بن
راشد آل مكتوم" أعلنت حكومة
دبي منذ أيام عن بدء تحوّلها
الإلكتروني تحت شعار: "حكومة
بلا أوراق"؛ لتكون بذلك أول
حكومة عربية تأخذ بأكبر
المشاريع الإلكترونية
عالميًّا.
ويأتي
هذا التحول بعد سلسلة من
الإجراءات التي اتخذت لتهيئة
البنية التحتية؛ حيث جرى إنشاء
أول منطقة حرة لتكنولوجيا
المعلومات استقطبت في خلال عام
كبرى شركات الكمبيوتر
والبرمجيات في العالم، علاوة
على انتشار استخدام الإنترنت،
حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت
في الإمارات ما يقرب من 200 ألف
مستخدم من إجمالي 2.1 مليون نسمة
عدد سكان الدولة.
وأقرت شركة "اتصالات" الوحيدة المحتكرة لخدمة الإنترنت في الإمارات أكثر من تخفيض على الأسعار التي أصبحت الأقل في المنطقة؛ الأمر الذي جعل الإمارات تحصل على المرتبة الأولى عربيًّا، والخامسة والعشرين عالميًّا في مؤشر استخدام المعلوماتية السنوي الذي يقيس مدى تقدم الدول في إرساء البنية الأساسية للمعلوماتية.
جذب
الاستثمارات
تستهدف
دبي تحقيق سلسلة من الفوائد من
وراء هذه الخطوة التي تكلفت
الكثير من النفقات، أبرزها أن
دبي التي لا يشكِّل دخل النفط
فيها أكثر من 13% من إجمالي
مساهمات القطاعات الأخرى في
الناتج المحلي الإجمالي، وهي
نسبة لا تذكر مقارنة بإمارة
أبوظبي الذي يشكِّل إنتاج
النفط بها أكثر من ثلث الناتج
المحلي الإجمالي -تسعى إلى
إعطاء المزيد من التسهيلات،
وتبسيط الإجراءات لجذب
الاستثمارات الأجنبية خصوصًا؛
حيث إن دبي منذ سنوات طويلة
تعتمد على إعادة التصدير إلى
دول تشكل مساحة جغرافية، تضم
ما يقرب من مليار نسمة، وتشمل
إيران، والهند، وباكستان،
ودول الخليج، والدول العربية،
وجمهوريات آسيا الوسطى،
وعددًا من الدول الأفريقية.
وحسب
استطلاع أجرته شبكة "إسلام
أون لاين.نت" عن فوائد
المعاملات الإلكترونية، فإن
التحول الإلكتروني سيجذب
استثمارات أجنبية عديدة إلى
دبي والإمارات، ذلك أن كبرى
الشركات الأجنبية تتطلع إلى
المناخ الاستثماري الذي يعطي
سهولة ومرونة في التعامل مع
الحكومة ويقضي تمامًا على
البيروقراطية، حيث إن من
المعروف أن البيروقراطية
والروتين من العوامل الرئيسية
التي تؤدي إلى هروب رأس المال
الأجنبي من الدول العربية،
بالإضافة إلى أنه يتواكب مع
ثورة تكنولوجيا المعلومات
التي تعلي من شأن الاقتصاد
الرقمي، وتعطي حافزًا لشركات
التقنية بالاستثمار في الدول
التي تسهل من إجراءاتها وتمتلك
بنية تحتية معلوماتية جيدة؛
وربما هذا أيضًا هو ما شجَّع
كبرى شركات تكنولوجيا
المعلومات العالمية على تقديم
خدماتها للتحول الحكومي
الجديد في دبي، بل إن إحدى
شركات التقنية المعروفة
عالميًّا (IBM) أعلنت عن تقديم
عدد من أجهزة الكمبيوتر مجانًا
لتلاميذ المدارس في دبي؛ بهدف
المشاركة في حملة تحوُّل
المجتمع إلكترونيًّا.
كما
أن استخدام الإنترنت في تقديم
الخدمات للشركات والجمهور سوف
يخفض ما يقرب من 15% من نفقات
الحكومة، ناهيك عن تخفيض نفقات
مجتمع الأعمال الذي سيجد من
اليسير عليه الحصول على
إجراءات تأسيس الشركات
والموافقات على التصاريح دون
أية معوقات.
وفي
خلال أسبوع واحد من الإعلان عن
التحول الرسمي للحكومة
الإلكترونية شهدت شبكة
الإنترنت ازدحامًا من قبل
الشركات والجمهور للحصول على
الخدمات، وبدت الدوائر
الحكومية أقل ازدحامًا، حيث
يتوقع المسؤولون الحكوميون أن
تختفي الحركة تمامًا من
الدوائر في خلال عام واحد، بعد
أن يكون قد تعوَّد الجمهور على
الحصول على الخدمة
إلكترونيًّا دون الحاجة
للانتقال إلى مقار الدوائر
والوزارات، خصوصًا أنه أعطيت
مهلة لمدة عام واحد، لتتحول
كافة الشركات إلى النظام
الإلكتروني، وبعدها لن يتم
التعامل بالأوراق.
من
فضلك.. سدِّد فواتيرك
إلكترونيًّا
إذا
أخذنا "بوابة دبي
الإلكترونية" كمثال فإنها
تقدم الآن 20 خدمة عبر الإنترنت
كمرحلة أولى، أبرزها الخدمات
التي تقدمها دوائر التنمية
الاقتصادية، وغرفة التجارة،
والبلدية والمتعلقة بتأسيس
الشركات، وتجديد الرخص
التجارية، وعضوية غرفة
التجارة، بالإضافة إلى خدمات
تقدمها دائرة السياحة، مثل:
الحصول على تصريح بناء فندق،
والحجز في الفنادق من قبل
الزائرين والسياح قبل قدومهم
للبلد، وكذلك خدمات الماء
والكهرباء وسداد الرسوم،
وسداد مخالفات المرور،
والعديد من الخدمات التي
تقدمها الجمارك، والصحة،
والمحاكم، بحيث يحصل المتعامل
مع هذه الدوائر على اسم وكلمة
سر يدخل بها الموقع على
الإنترنت، وعن طريقه يستطيع أن
يحصل على جميع الخدمات التي
تقدمها كافة الدوائر، حيث
يقدِّم الشخص سواء كان شركة أو
فردًا إثباتات رسمية
للمسؤولين عن الحكومة
الإلكترونية، وتدخل كافة
البيانات إلكترونيًّا، ثم
يُعطى الشخص كلمة سر واسمًا من
اختياره، بحيث لا يعرفهما أحد،
وفي كل مرة يرغب في الحصول على
الخدمات، يُدخل اسمه وكلمة
السر الخاصة به؛ ليسمح له
بالمرور لتلقي الخدمات التي
يحتاجها.
وتقضي
الخطة التي وضعتها الحكومة
بتدريب مجتمع المال والأعمال
على كيفية الحصول على الخدمات
الإلكترونية، حيث جرى إبلاغ
رجال الأعمال والتجار من خلال
إعلانات نُشرت في الصحف،
وخطابات بريدية بالتوقف عن
الانتقال إلى المقار
الحكومية، وإمكانية الحصول
على الخدمات الحكومية من مكاتب
الشركات وعبر الإنترنت،
وتُعْقَد على مدى الأيام
المُقْبلة دورات تدريبية
لأصحاب الشركات الصغيرة،
والمحلات، والبقالات التي لا
تمتلك حاليًا نظامًا
إلكترونيًّا في عملياتها؛
لإطلاعها على كيفية الحصول على
الخدمة، خصوصًا أنه سيتم توزيع
ماكينات "touch screen" أو
الشاشات التي تعمل باللمس في
عدد من مراكز التسوق
والتجمعات؛ لتمكين الجمهور
العادي الذي لا يمتلك أجهزة
كمبيوتر من الحصول على الخدمات
الإلكترونية.
ويقول
المسؤولون: إن البوابة
الإلكترونية تضم 27 جهة حكومية
يتعامل معها مجتمع المال،
والأعمال، والجمهور العادي،
وإن من المقرر حسب الخطة أن
تكتمل أعمال الحكومة
الإلكترونية خلال عام 2005م.
سوق
خليجية مشتركة
من
المتوقع أن تدفع خطوة حكومة
دبي بقية دول الخليج إلى تسريع
إجراءاتها بشأن التحول
الإلكتروني، خصوصًا أن لدى كل
من السعودية، وسلطنة عمان،
والكويت، مشروعات مماثلة،
سواء للتجارة الإلكترونية أو
لتحويل الحكومات إلى النظام
الإلكتروني، غير أن العديد من
دول الخليج كبقية الدول
العربية تواجه العديد من
المصاعب بشأن هذا التحول.
وحسب
دراسة أجريت لصالح اتحاد غرف
التجارة والصناعة بدول
الخليج، فإن مستوى
التكنولوجيا في المنطقة التي
تضم دول الخليج وكلاًّ من مصر
وإيران، لا يزال تحت السقف
المتوقع، وتوجد معوِّقات
وقيود تحول دون انطلاق مشاريع
التقنية المتطورة، أبرز هذه
المعوقات انعدام وجود بنية
تحتية متطورة تتلاءم وصناعة
تكنولوجيا المعلومات، هذا
بالإضافة إلى ضعف رأس المال
المستثمر في تكنولوجيا
المعلومات، وعدم توفُّر مناهج
دراسية في التعليم تتخصص في
تقنية المعلومات، حيث يتم
تخريج 8 آلاف طالب سنويًّا في
هذا المجال في كافة دول
المنطقة، في حين تحتاج المنطقة
لعشرات أضعاف هذا العدد، حيث
تقدَّر فرص العمل المتاحة في
هذا المجال بنحو نصف مليون
فرصة.
يسعى
القطاع الخاص الخليجي حاليًا
ممثلاً في اتحاد الغرف
التجارية والصناعية في حثِّ
الحكومات الخليجية على
الإسراع في تبنِّي المشاريع
الإلكترونية، ويركِّز المؤتمر
الخليجي الدولي للأعمال
الإلكترونية الذي عقدت منه
دورتان حتى الآن على قضية
التحول الإلكتروني الخليجي،
خصوصًا أن الاتحاد وضع مشروعًا
في المؤتمر الأول الذي عُقِد
منذ عامين في دبي لإطلاق السوق
الخليجية الإلكترونية
المشتركة، كردٍّ عملي على
إمكانية أن تتحقق هذه السوق
الحديثة تكنولوجيًّا قبل تحقق
الحلم الخليجي بالسوق
الخليجية المشتركة التقليدية
التي لم تتحقق حتى الآن، على
الرغم من إقرارها في الاتفاقية
الاقتصادية الموحَّدة لدول
الخليج في الثمانينيات.
وربما
تجد دول الخليج نفسها مضطرة
لتسريع خطواتها ومبادراتها
الإلكترونية بعد أن أنهت إمارة
دبي مشروعها في 18 شهرًا، إضافة
إلى مطالب وضغوط شركات التقنية
العالمية التي تمتنع عن دخول
بعض أسواق دول الخليج، وتؤجل
مشاريع استثمارية فيها؛ لعدم
وضوح الرؤية الحكومية بشأن
المشاريع التكنولوجية.
وتقول
الإحصاءات: إن دول الخليج تشهد
تناميًا في استخدام الإنترنت،
حيث تستحوذ دول الخليج على
نسبة 49% من مستخدمي الإنترنت في
العالم العربي الذين يقدرون
بحوالي 10 - 12 مليون مستخدم
بنهاية العام المقبل، ومن
المتوقع أن يصل عدد مستخدمي
الإنترنت في دول الخليج إلى 6
ملايين مستخدم بحلول عام 2005م.
وتعلق
الحكومات الخليجية آمالها على
الاقتصاد الرقمي ومشاريع
تكنولوجيا المعلومات؛ لإيجاد
فرص لمواطنيها، حيث بدت
البطالة بين الشباب الخليجي
واضحة في السنوات الأخيرة،
وحسب مسؤول بشركة "ماكينزي"
للاستشارات فإن بمقدور مشاريع
التقنية في الخليج أن تُوجد
حوالي 100 ألف فرصة عمل خلال
السنوات الخمس المقبلة، وأن
تصل عائداتها إلى 3 مليارات
دولار، شريطة أن تسارع دول
الخليج بإعطاء الفرصة كاملة
للقطاع الخاص لتولي المهمة،
وإنشاء صندوق استثماري لرؤوس
الأموال بقيمة مليار دولار؛
لجذب الشركات الكبرى لدفع
الاقتصاد الرقمي للأمام.
في
المقابل هناك من يرى فوائد
أخرى يمكن لدول الخليج تحقيقها
من وراء تحول حكوماتها إلى
النظام الإلكتروني، أبرزها
أنه سيمكنها من الاستغناء عن
أعداد كبيرة من العمالة
الوافدة، حيث لن يحتاج الجهاز
الحكومي الخليجي إلى أعداد
كبيرة من الموظفين لتقديم
الخدمة للجمهور والشركات، بعد
أن يتم تقديم الخدمة عبر
الإنترنت، وهذه هي خسائر
التكنولوجيا من وجهة نظر البعض
في أنها ستعطي الفرصة للحكومات
للاستغناء عن أعداد كبيرة من
الموظفين، تحت دعوى عدم الحاجة
إليهم في ظل تقديم كل شيء عبر
الإنترنت.
أما المسؤولون في أول حكومة عربية إلكترونية في دبي فأعلنوا أنهم لن يستغنوا عن أي موظف أو عامل، وأنه ستتم عملية إعادة هيكلة في أداء الموظفين، بحيث يتم تدريبهم على أداء مهام أكثر أهمية مقارنة بالأعمال التي كانوا يؤدُّونها في السابق، إلا أن هناك من يرى أن ذلك أمر مرحلي، ربما يستغرق شهورًا أو سنة على الأكثر، يجري بعدها بالفعل الاستغناء عن العمالة الوافدة، خصوصًا أن الإمارات بدأت منذ سنوات تعطي أولوية قصوى لتوطين وظائفها وترحيل العمالة الوافدة، وربما تدفعها خطوة الحكومة الإلكترونية لتسريع إجراءات الترحيل.. ذلك أن الحقيقة تقول: إن تقديم الخدمات عبر الإنترنت لن يحتاج إلى أيد عاملة على الإطلاق.. وهذا هو ما ستكشف عنه الفترة المقبلة.
اقرأ
أيضًا:
|