بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

الاقتصاد الأمريكي من دور المنقذ إلى مصدر الأزمة

2001/11/12

مغاوري شلبي

من أهم المفارقات التي يمكن رصدها في المقارنة بين الأزمة الآسيوية وأزمة التفجيرات الأمريكية الدور الذي لعبه الاقتصاد الأمريكي في كلتا الأزمتين؛ حيث إن رصد هذا الدور يظهر تناقضًا ومفارقة غريبة؛ ففي الأزمة الآسيوية لعب الاقتصاد الأمريكي دور المنقذ للاقتصاديات الآسيوية والاقتصاد العالمي من استفحال الأزمة؛ حيث ركزت السياسة الاقتصادية في أثناء هذه الأزمة على إطفاء الحرائق التي اندلعت في اقتصادات الدول الآسيوية من خلال دعم هذه الاقتصادات ومساندتها أمام مؤسسات التمويل الدولية، وخاصة صندوق النقد، فقامت بِحَثّ الصندوق على وضع برامج مساندة لإصلاح اقتصادات هذه الدول وإعادة جدولة ديونها وتشجيع رؤوس الأموال للعودة إلى العمل في هذه الدول بعد أن رحلت عنها في حركة أشبه بحركة القطيع.

الاقتصاد الأمريكي والسياسة الأمريكية عملا على عدم استفحال الأزمة الآسيوية وهو ما أكد مبدأ هامًا لدى الجميع وهو "حاجة الاقتصاد العالمي إلى مساندة الولايات المتحدة الأمريكية له"، وهو ما جعل الأخيرة تخرج رابحة من هذه الأزمة على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

في مقابل ذلك نجد العكس في أزمة التفجيرات الأمريكية التي لعب فيها الاقتصاد الأمريكي دور المصدر للأزمة وبؤرتها الرئيسية، كما أن السياسية الأمريكية التي أعقبت الأزمة الأخيرة لم تعمل على إطفاء ألسنة النيران التي أمسكت بأطراف الاقتصاد العالمي، ولكنها تعمل على إذكاء هذه النيران من خلال حشد الجيوش والقوات ودق طبول الحرب، وإسقاط قنابلها يمينًا ويسارًا دون مراعاة لآثار ذلك على الاقتصاد العالمي، والاهتمام فقط باستعادة الهيبة والكرامة الأمريكية المهدرة ولو على حساب الاقتصاد العالمي.

الملاحظ أن الولايات المتحدة تمضي قُدمًا في هذا الاتجاه وهي معصوبة الأعين، ودون أن تدرك حقيقة هامة وهي أن الأزمة الأخيرة أظهرت بوضوح "حاجة الاقتصاد الأمريكي إلى الدعم من الاقتصادات العالمية"، وهو ما يعني أن إقدام الولايات المتحدة على إعلان الحرب المذعومة ضد الإرهاب هو "عملية انتحارية اقتصاديًا".

المصالح الاقتصادية قد تتصالح أو تتضارب

في الغالب تلعب المصالح الاقتصادية دورًا هامًا في إدارة الأزمات الاقتصادية وتوجهاتها؛ وذلك لأن اتفاق هذه المصالح أو تعارضها هو الذي يقود السياسات الاقتصادية للدول في تعاملاتها مع هذه الأزمات؛ ففي حالة الأزمة الآسيوية تلاقت المصالح الاقتصادية لغالبية دول العالم بما فيها المصالح الأمريكية حول ضرورة إنهاء هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن تجنبًا لزيادة نزيف الخسائر الاقتصادية، وهذا التلاقي في المصالح الاقتصادية منع تفاقم الأزمة الآسيوية وعجل بخروج العالم منها.

أما في حالة الأزمة الأمريكية فإن التضارب والتحول في المصالح الاقتصادية أصبح هو الطابع المسيطر على العالم، فمن ناحية نجد أن هناك أطرافا من مصلحتها استمرار هذه الأزمة بل وتفاقمها؛ وذلك لأن أرباحها من هذه الأزمة تجاوز خسائرها، مقدمة هذه الأطراف الأقطاب الاقتصادية المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية وخاصة الصين والاتحاد الأوروبي، وتتمثل فائدتها في تراجع سيطرة الولايات المتحدة على النظام الاقتصاد العالمي؛ بعد أن تراجعت الثقة في اقتصادها وفي سطوتها الاقتصادية على العالم، وهو ما يصب في صالح هذه القوى على المدى البعيد، ويفسح المجال أمامها للعب دور أكبر في صياغة النظام العالمي الجديد، وتبرز هذه القضية أكثر في حالة الصين التي يمكن أن تساعدها هذه الأزمة على الخروج من القمقم لتقود الاقتصاد العالمي خاصة أن هذه الأزمة صاحبت الموافقة على انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية باعتبارها إحدى أهم المؤسسات الدولية في مجال صياغة قواعد العالم وحرية التجارة العالمية.

التناقض الصارخ الذي تشير إليه الأزمة الأمريكية في موقف المصالح الاقتصادية الأمريكية نفسها، وهل هي مع تفاقم الأزمة أو سرعة إنهائها؛ لأنه قد يكون من مصلحة الولايات المتحدة شن حرب واسعة ضد الإرهاب حتى لو أدى ذلك إلى تفاقم الأزمة وبروز معارضة شديدة لها، في جميع أنحاء العالم؛ وذلك لأن التاريخ أثبت أن الاقتصاد الأمريكي ينتعش دائمًا بعد دوران آلة الحرب، سواء تم دوران هذه الآلة بيد الولايات المتحدة أو بيد غيرها، وذلك لأن دوران هذه الآلة المدمرة يعني مزيدا من الإنفاق على شراء الأسلحة أثناء الدوران، ومزيدًا من الإنفاق لإعادة إعمار ما تم تدميره بهذه الآلة؛ أي أن الاقتصاد الأمريكي سيستفيد من الإنفاق الأول في تنشيط مبيعات السلاح وتشغيل الطاقات العاطلة بمصانعها الحربية، وخلق مزيد من فرص التوظيف، وكذلك ستستفيد الشركات الأمريكية العاملة في مجال البناء والمقاولات من حصولها على مناقصات لإعمار ما دمرته الحرب في الدول المستهدفة، سواء تم ذلك بطريق مباشر كما في حالة إعادة إعمار الكويت ولبنان أو بطريق غير مباشر كما في حالة عمليات إعمار العراق وإيران، وهذا ما يشجع الساسة الأمريكيين على الإصرار على دوران عجلة الحرب كفرصة لإنعاش الاقتصاد الأمريكي، وإن كان بعض الاقتصاديين الأمريكيين يعتبرون ذلك بمثابة الدواء المر الذي يجب أن يتعاطاه الاقتصاد الأمريكي في الأزمة الأخيرة رغم آثاره الجانبية.

البنك والصندوق الدوليان.. مغلقان للتحسينات

إن أكثر الأمور إثارة للاستغراب هو دور الصندوق والبنك الدوليين في كل من الأزمة الآسيوية والأزمة الأمريكية الأخيرة، ففي الأزمة الأولى كان صوت الصندوق والبنك مسموعًا قبل الأزمة، بل كان مدويًا بعد أن وضعت الأزمة أوزارها، من خلال النصائح والبرامج الاقتصادية للدول الآسيوية للنهوض من كبوتها، وكان ذلك لخدمة أغراض الصندوق والبنك وخدمة المصالح الاقتصادية الأمريكية، من خلال سياق التجربة الآسيوية في التنمية وفي الإصلاح الاقتصادي كمثال للدلالة على صحة وفاعلية البرامج الاقتصادية للصندوق والبنك وللتأكيد على أن الحرية الاقتصادية هي أفضل السبل للنهوض الاقتصادي.

أما في الأزمة الأمريكية الأخيرة فدور الصندوق والبنك غائب تمامًا، كما أن صوتهما يكاد يكون غير موجود وربما يكون مكبوتا، فلم يقدم أي نصائح لدول العالم للتعامل مع الأزمة وتداعياتها حتى ولو للولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وقد بدا الصندوق والبنك الدوليان في الأزمة الأخيرة وقد علق على بابهما لافتة تقول "مغلق إلى حين" أو "مغلق للتحسينات" أو "مغلق لأسباب أمريكية".

والخلاصة في هذا الصدد أن الصندوق والبنك قاما بدور اللاعب الرئيسي بل وصانع الألعاب في مباراة الأزمة الآسيوية، في حين لعبا دورا مبتكرا وهو"المتفرج الاحتياطي" في الأزمة الأمريكية، مع العلم أن دور المتفرج الاحتياطي غير موجود أصلا في المباريات السياسية أو الاقتصادية أو حتى الرياضية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في سياسات ومواقف الصندوق والبنك الدوليين حيال الأزمات الاقتصادية الدولية.

سياسات العلاج دولية أو ارتجالية

كما اختلفت الأسباب والآثار في كلتا الأزمتين اختلفت أيضًا سياسات العلاج من حيث مقدمو هذه السياسات والإجماع الدولي بشأنها وكذلك من حيث ثباتها، ففي الأزمة الآسيوية كانت سياسات العلاج سياسات اقتصادية بحتة ممثلة في السياسات المالية والنقدية التي طلب من الدول الآسيوية اتباعها من قبل الصندوق والبنك وبدعم من الولايات المتحدة للخروج من الأزمة، هذا إلى جانب النصائح التي قدمتها المؤسسات الدولية إلى مختلف دول العالم للتعامل مع هذه الأزمة، أي أن سياسات العلاج كانت سياسات اقتصادية تتسم بالثبات والاستمرار والتمتع بشبه الإجماع العالمي عليها، وذلك بهدف أساسي هو الخروج من الأزمة ووقف تصاعدها.

في الأزمة الأمريكية الأخيرة الأمر مختلف تمامًا فليست هناك سياسات اقتصادية ثابتة متفق عليها من المؤسسات الدولية أو من جميع دول العالم؛ كما أن هناك ما يمكن أن نطلق عليه سياسات اقتصادية ارتجالية من جانب جميع دول العالم، حيث تلجأ كل دولة إلى اتخاذ السياسات التي تتفق مع مصالحها وتقلل من تأثرها بالأزمة دون مراعاة لأي قواعد أو أعراف اقتصادية دولية؛ والمثال على ذلك تجميد الأموال وتقييد حرية حركتها في بعض الدول، ووضع قيود على انتقال الأفراد وغيره.

مما يدل على أنه في حالة الأزمات تهدر القواعد الاقتصادية الدولية المتعارف عليها وتطبق كل دولة مبدأ اقتصاديا جديدا و"اقتصاديا أولاً" وهذا يلقي بظلال كثيفة على احترام القواعد الدولية المتعارف عليها في المجال الاقتصادي ومجال حقوق الإنسان وغيرها من المجالات مستقبلا.

اتجاه التأثير

إن اتجاه رياح الأزمة الاقتصادية هو الذي يحدد الأثر الإجمالي للأزمة على الاقتصاد العالمي، والواقع يؤكد أن هناك اختلافا في اتجاه رياح الأزمة الآسيوية عنها في حالة الأزمة الأمريكية بسبب الاختلاف في الظروف الاقتصادية للحالتين؛ فقد أدت الأزمة الآسيوية إلى تعطيل مسيرة الاقتصاد العالمي نحو النمو والانتعاش في تلك الفترة، وإن كان من المعتقد أن هذه الأزمة لم تدفع الاقتصاد العالمي ليفقد أرضًا قد سبق كسبها، بمعنى أن الاقتصاد العالمي لم يتراجع خطوات إلى الوراء بسبب هذه الأزمة، وبذلك اختصر تأثير الأزمة على جعل الاقتصاد العالمي يتوقف عن السير للأمام قليلا ليلتقط أنفاسه ثم يستعد مرة أخرى لمعاودة المسيرة للأمام. أما في حالة الأزمة الأخيرة فإن الأثر دفع الاقتصاد العالمي في نفس الاتجاه الذي كان يسير فيه قبل الأزمة، وهو الاتجاه نحو الكساد أو على الأقل مزيدًا من الركود.

وربما سيكون هذا هو السبب الرئيسي لجعل أثر الأزمة الأمريكية أشد وقعًا على مستقبل الاقتصاد العالمي من الأزمة الآسيوية، وإن كان هذا أمرًا غير مجزوم به تمامًا في الوقت الراهن؛ لأن تداعيات الأزمة الراهنة لم تكتمل بعد، فالمشاهد القادمة من هذه الأزمة يمكن أن تكون أشد وقعًا على الاقتصاد العالمي من المشاهد التي وقعت بالفعل منذ بدايتها في 11 أغسطس 2001.

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع