|
"الظروف
غير العادية قد تصنع طلبًا غير
متوقع على سلع
كانت تعاني من الكساد قبل هذه
الأحداث أو الظروف، كما قد
تقلص الطلب على سلع أخرى كانت
تتمتع برواج كبير".. نظرية
اقتصادية ينعكس واقعها على
أرباح الفئات التي تتاجر بهذه
السلع، ويخرج البعض من هذه
الظروف غير العادية مليونيرًا
أو مفلسًا. ومن أشهر هذه الظروف
هي ظروف الحرب، حيث إن لكل حرب
أغنياءها الجدد الذين تستفيد
بضائعهم من حالة الحرب، وتلقى
رواجًا هائلاً بأسعار مضاعفة،
وهؤلاء يطلق عليهم "مليونيرات
الحرب".
والملاحظ
أن أغنياء الحرب الأمريكية
الراهنة هم أفراد أو شركات من
نوع جديد، يتفاوتون في حجم
النشاط وفي أهميته، لكن الأمر
المشترك بينهم جميعًا هو أنهم
انشغلوا بالغبار الذي نتج عن
تفجيرات 11 سبتمبر، وغطَّى سماء
الولايات المتحدة، كغيرهم من
الأفراد، لكن كان انشغالهم
بهذا الغبار بطريقة مختلفة؛
حيث فكَّروا سريعًا في كيفية
تحويل هذه "الذرات العالقة
من الغبار" إلى "ذهب"
يحصدون من خلفه ثروات طائلة.
وقد استثمرت هذه الفئات هذا
الحدث وتداعياته بطرق مختلفة،
وإن أدَّت إلى نتيجة واحدة،
وهي تجميع ثروة طائلة غير
متوقعة، وتقول مجلة "الإيكونوميست"
الأمريكية عن هذه الفئات بأنهم
مثل "صناع المظلات"
الحاذقين الذين ينتظرون
السحابات السوداء الممطرة؛
ليجنوا الأرباح مع سقوط أول
حبَّة مطر.
متاجرة
بالمشاعر الوطنية
كان
العلم الأمريكي هو السلعة
الأولى التي زاد الإقبال على
شرائها في أعقاب أحداث 11
سبتمبر؛ حيث تم سحب جميع
الكميات التي كانت معروضة في
المحلات الأمريكية خلال
الساعات الأولى بعد الحادث،
وانهالت المكالمات على صانعي
الأعلام الأمريكية لطلب كميات
كبيرة من هذه الأعلام وبأحجام
مختلفة، وهو ما جعل أكبر خمس
شركات لصناعة الأعلام
الأمريكية تعلن حالة الطوارئ
وتعمل طوال جميع أيام الأسبوع،
بل إن هذه الشركات توقفت عن
الرد على الهواتف؛ لانشغال
جميع عمالها في الإنتاج لتلبية
هذه الطلبيات.
ولأن
هذه الشركات لم تتمكن من تلبية
كافة الطلبات، فقد لجأت بعض
هذه الشركات، وكذلك تجار
الجملة إلى السوق الخارجية
لتوفير هذه الطلبيات، وقد
استغلت هذه الفرصة بعض المصانع
في الخارج؛ لجني أرباح كبيرة
عن طريق تصنيع العلم الأمريكي
بأسعار رخيصة، كما حدث في
الصين، وتايوان، وكوريا
الجنوبية، ولأن السلطات
الأمريكية قد شعرت باستغلال
أصحاب المحلات لهذه الظروف
وتاجرت بالمشاعر الوطنية
للأمريكيين ورفعت أسعار
الأعلام بنسبة فاقت 60%، فقد
لجأت هذه السلطات إلى مقاضاة
أصحاب هذه المتاجر؛ لأنهم
استغلوا الظروف لتحقيق أرباح
غير عادية عن طريق احتكار بيع
هذه الأعلام.
ومهما
كانت الغرامة التي ستفرض على
هذه المحلات؛ بسبب استغلالها
للظروف، فإن أرباحهم من هذه
الصناعة البسيطة كانت هائلة في
ظلِّ هذه الظروف غير العادية.
الأطباء
النفسيون والكلاب!
من
أكثر الفئات التي استفادت
أيضًا من أحداث 11 سبتمبر
الأطباء النفسيون، خاصة في
الولايات المتحدة الأمريكية؛
حيث زاد إقبال الأفراد على
عيادات هؤلاء الأطباء للعلاج
من الصدمة، أو للتغلب على حالة
الهلع التي أصيب بها الجميع،
والخوف من ركوب الطائرات أو
صعود الأبراج العالية، وقد
اضطر بعض هؤلاء الأطباء للعمل
24 ساعة بعد أن تضخمت قوائم
الحجز لديهم، وقد لجأ معظمهم
إلى تفضيل استقبال الزبائن
القدامى وتأخير الجدد، وقد تم
إبرام عقود كثيرة بين الأطباء
النفسيين والعديد من الشركات؛
حيث سارعت معظم الشركات التي
أضيرت من الحادث بعرض موظفيها
على هؤلاء الأطباء للتغلب على
الأثر النفسي الكبير للحادث.
وإذا
كانت طوابير الانتظار قد طالت
أمام عيادات الأطباء
النفسيين، فإن قوائم الانتظار
قد تضخمت لدى شركات الأمن
والحراسة؛ حيث زاد الطلب
عليها، خاصة الطلب على كلاب
الحراسة المدرَّبة، وقد أدى
ذلك إلى ارتفاع أرباح هذه
الشركات وانتعاش أحوالها بعد
أن ارتفع الطلب على خبراء
اكتشاف المفرقعات والكلاب
البوليسية، وقد ارتفع سعر
الحارس مع كلب بوليسي ليصل إلى
250 دولارًا في الساعة الواحدة
بعد أن كان يعادل 100 دولار
للساعة. وأدى ذلك إلى انتعاش
تجارة الكلاب المدرَّبة، وبدأ
استيراد بعضها من الدول الأخرى
بأسعار مرتفعة.
البداية..
الزهور والنهاية السلاح
بعد
أن توقف دوران الإنتاج
والأسواق في الولايات المتحدة
في أعقاب الحادث كانت أول
المبيعات نشاطًا هي مبيعات
الهدايا والزهور؛ حيث أقبل
الأمريكيون في الداخل وفي
مختلف دول عالم على شرائها من
أجل تقديم التعازي لأسر
الضحايا أو للسفارات
الأمريكية في الخارج؛ وغطَّت
باقات الزهور موقع الحادث في
أمريكا، كما غطَّت جدران
السفارات الأمريكية في
الخارج، وهو ما أدى إلى زيادة
أرباح بائعي الزهور في مختلف
دول العالم. وقد رصدت إحدى
شركات التجارة الإلكترونية
هذا النشاط من خلال متابعة
حركة التجارة الإلكترونية؛
حيث أكَّدت الشركة أن التجارة
الإلكترونية وصلت إلى 82.5 مليون
دولار عقب الحادث، وزاد
الإقبال على الهدايا والزهور
بنسبة 92%.
وبعد
نشاط ورواج بيع الزهور بدأ
نشاط تجارة السلاح؛ حيث حدث
رواج في بيع المسدسات،
والبنادق، وتجهيزات الأمن
للأفراد، كما بدأت شركات
السلاح في العالم تجني الأرباح
مع توقع ارتفاعها بعد دوران
آلة الحرب في أفغانستان؛ حيث
قدرت بعض الجهات أن تصل
ميزانية الإنفاق العسكري في
الولايات المتحدة في العام 2002م
حوالي 375 مليار دولار، وذلك
بارتفاع قدره 66 مليار دولار عن
العام الماضي، وهي مبالغ ستصل
إلى شركات السلاح في الولايات
المتحدة وفي أوروبا، وهو ما
دفع هذه الشركات للدخول في
منافسة بينها من أجل حصد مزيد
من الأرباح، وكذلك تطوير أسلحة
جديدة أكثر وأعقد تكنولوجيا؛
حيث إن الأحداث والحرب الدائرة
أثبتت زيادة الاتجاه إلى هذه
النوعية من الأسلحة على حساب
الأسلحة التقليدية، وستكون
أكثر الشركات الرابحة من هذا
الجانب شركة "لوكهيد مارتن"
و"رايثيون" و"بوينج"،
وعملاء كل منها من تجار السلاح
حول العالم.
"بن
لادن".. الاسم الرابح
سعت
العديد من الشركات لاستغلال
اسم "بن لادن" باعتباره
أصبح "أخطر رجل في العالم"
لتحقيق أرباح كبيرة، وذلك في
مجالات مختلفة؛ حيث قامت بعض
الدول بطرح ملايين من قطع
الملابس تحمل صورته بشكل يرضي
كل من الأمريكيين
والإسلاميين؛ حيث كتب على
النوعية التي طرحت للأمريكيين
أسفل الصورة "مطلوب حيًّا أو
ميتًا"، أما النوعية التي
طرحت في الأسواق العربية
والإسلامية فقد وضعت عليها
صورة بن لادن فقط، وقد لاقت هذه
النوعية من الملابس إقبالاً
شديدًا من كلا الطرفين، وذهبت
الأرباح إلى المنتجين لها من
الصين، وكوريا، وغيرها.
أيضًا
قامت العديد من شركات الإنترنت
بتسجيل مواقع باسم "بن لادن"،
وبيع هذه المواقع أو تأجيرها،
وحقَّقت أرباحًا كبيرة من وراء
ذلك، وقد استخدم الاسم في
إعداد رسائل مصوَّرة على
الهاتف المحمول وحققت أرباحًا
كبيرة من نشرها حول العالم.
أما
أغرب استغلال لاسم "أسامة بن
لادن" لتحقيق أرباح، كان عن
طريق قيام إحدى الشركات بطرح
كمية كبيرة من أقنعة الوجه
التي صنعت على شكل "أسامة بن
لادن"، وطرحتها في العديد من
دول العالم بما فيها الولايات
المتحدة الأمريكية؛ استعدادًا
لبيعها في عيد "جميع
القديسين" المعروف في
أمريكا باسم "الهالوين"،
ويصل سعر القناع حوالي 95
دولارًا، ويلقى إقبالاً
كبيرًا.
الجمرة
الخبيثة وأرباح حميدة!
رغم
أن انتشار مرض الجمرة الخبيثة
سبَّب العديد من المشاكل
الاقتصادية لكثير من الشركات
والأفراد، فإنه كان من أبواب
خلق الفرص الاقتصادية أمام
أطراف أخرى ركَّزت على استغلال
هذه الظروف، وهذا الرعب الذي
أصاب الجميع في تحقيق أرباح
غير مسبوقة، فبسبب الهلع
والخوف من استلام الطرود
البريدية زاد الإقبال على
استخدام أجهزة الفاكس والبريد
الإلكتروني لتوصيل الرسائل،
وهو ما زاد الإقبال على خدمات
وشركات الفاكس والبريد
الإلكتروني بدرجة كبيرة،
باعتبارها أكثر أمانًا في
الظروف الراهنة، وإن كانت لا
تحل المشكلة تمامًا.
كما
أدى انتشار هذا المرض إلى
إيجاد سوق واسعة لأجهزة رصد
هذا المرض التي تقوم بإنتاجها
إحدى الشركات اليابانية "شركة
تاكارا"؛ حيث بدأت هذه
الشركة في أكتوبر 2001م في بيع
هذا النظام القادر على الكشف
عن هذا المرض، ويبلغ سعر
الجهاز حوالي 5 ملايين ين
ياباني، أي حوالي 41300 دولار،
ويقدر أن تحقق الشركة أرباحًا
تصل إلى حوالي مليار دولار
بسبب هذه الظروف.
وقد
أدى انتشار هذا المرض إلى رواج
صادرات ماليزيا من القفازات
هذا العام؛ بسبب الإقبال
الشديد عليها من جانب جميع دول
العالم، وخاصة الولايات
المتحدة الأمريكية التي
توزِّع هذه القفازات على عمال
البريد لديها، والبالغ عددهم
800 ألف فرد، وتعتبر ماليزيا
المنتج الثالث للمطاط الطبيعي
في العالم بعد تايلاند
وإندونيسيا، وأكبر مصنع لهذه
القفازات؛ حيث بلغت صادراتها
من القفازات في عام 2000م حوالي
11.5 مليار زوج، ويتوقع لها أن
ترتفع هذا العام بسبب هذه
الظروف بنسبة 70%، وهو ما أدى
إلى ارتفاع أسعار أسهم الشركات
المنتجة للقفازات في ماليزيا
بنسبة 13% دفعة واحدة.
كما
أدى انتشار هذا المرض إلى
ارتفاع أرباح وأسهم شركات
الأدوية المنتجة للعقار
المضاد للمرض؛ حيث زاد
الاهتمام بشركة "باير"
الألمانية المورد الوحيد
للعقار إلى الولايات المتحدة،
والتي أعلنت أنها ستدفع
إنتاجها من العقار ليصل إلى 200
مليار قرص خلال الأشهر الثلاثة
القادمة دون رفع الأسعار، وفي
الهند حيث تنتج عدة شركات
أنواعًا أرخص للعقار عرضت شركة
"سيبلاتوريد" كميات كبيرة
من العقار لتوريدها إلى السوق
الأمريكية إذا منحتها شركة "باير"
الألمانية ترخيصًا بذلك؛ حيث
تمنع قيود براءة الاختراع
الشركات الهندية من تصدير
العقار للولايات المتحدة
الأمريكية.
وامتدت
أرباح شركات الأدوية إلى بورصة
الأسهم في الصين؛ حيث ارتفع
سهم شركة "لوكانج"
للمضادات الحيوية بنسبة 6%، كما
ارتفعت أسهم شركة "ماتسوشيتاسيكو"
اليابانية لإنتاج المكيفات
والأجهزة الإلكترونية ولاقت
رواجًا كبيرًا، وذلك بعد أن
أعلنت الشركة أنها ستبدأ في
طرح جهاز تكييف جديد لقياس
نسبة الميكروبات، وقد ارتفع
سعر السهم بنسبة 10%.
كل
هذه المشاهد التي صاحبت أو
أعقبت أحداث 11 سبتمبر
وتوابعها، تؤكد أن الظروف
الاقتصادية غير العادية في مثل
هذه الأحداث بقدر ما تعود على
البعض بالدمار والخسائر تعود
على الآخرين بالأرباح
الهائلة، التي تزيد أو تنقص
على قدر ذكاء استخدام الأحداث
وتوظيفها لترويج السلعة، التي
يقوم هؤلاء بإنتاجها، والتحرك
السريع لاستغلال الفرصة قبل
فوات الأوان، حتى ولو كانت هذه
السلعة بسيطة، مثل: الأعلام،
أو القفازات، أو حتى الكلاب.
|