|
|
الحديث
عن انهيار الاقتصاد
الأمريكي لا يستند إلى
رؤية موضوعية |
لا
ريب أنّ إصابة برجي مركز
التجارة العالمي في نيويورك
وإسقاطهما ومشاهدة ذلك على
شاشات التلفزة في أنحاء العالم-
يمثل ضربة قوية وموجعة لرمز
القوة والهيمنة المالية
والاقتصادية للولايات المتحدة
الأمريكية عالميا، لكنها ضربة
تترك أثرها في نطاق هذا المجال
"الرمزي" في الدرجة
الأولى، ولا تصيب الدعائم التي
تقوم عليها تلك الهيمنة بمقتل.
وبالتالي يمكن أن يلعب واقع
الهيمنة الأمريكية نفسه دورًا
حاسمًا في توظيف مفعول الأضرار
المادية المباشرة بعشرات
المليارات؛ لتحقيق أغراض
تتناقض مع أهداف مسببيها، وعلى
وجه التحديد يمكن أن تنتقل تلك
الأضرار من البنية الهيكلية
للاقتصاد الأمريكي المهيمن
عالميا، فتتوزّع على هياكل
اقتصادية أخرى أضعف في العالم
الغربي، وفي مواقع التبعية
خارج نطاقه.
نتجاوز
ردود الفعل العاطفية المحضة،
لا سيما تلك التي تجعل ضحايا
القهر الأمريكي الهمجي
والمستفحل في أنحاء العالم
يهتفون ويرحّبون، ونقتصر
بالحديث هنا على الجانب
الموضوعي في محاولة تقويم
الحصيلة المالية والاقتصادية
لتوجيه "ضربة مسلحة موضعية"
–بغض النظر عن المخططين
والمنفذين لها- من قبيل ما أدّى
إلى سقوط مركز التجارة العالمي
في نيويورك، ولن نحتاج إلى بحث
طويل لنصل إلى تأكيد خواء
الأوهام القائمة على تصوير
القضاء على "الهيمنة
الاقتصادية والمالية" أمرًا
ممكنًا من خلال مثل تلك
الضربات، حتى إن بلغ حجمها
وعنفوانها وعدد ضحاياها ما
يثير الفزع داخل الولايات
المتحدة الأمريكية وعالميا،
وضاهت مشاهد الدمار فيها
مشاهدَ خيالية من "أفلام
الرعب الأمريكية"، وأخرى
حقيقية من مشاهد دمار حروب
عايشناها، وكان بعضها بإخراج
أمريكي من فيتنام إلى
أفغانستان، ومن فلسطين إلى
الشيشان، ومن كشمير إلى
البلقان.
لا
نغفل هنا تلاقي المواقف
المعلنة من جانب جهات تمثل
مختلف المنطلقات والاتجاهات
والمشارب على "تصنيف"
عمليات التفجير الأخيرة تحت
عنوان الإرهاب، وينبغي
التأكيد على أنّه حتى في حالة
وقوع ضربات "موضعية" فإنه
يمكن تبريرها بصورة ما، فقد
كشف هذا الحدث عن أنها لا تكفي-
وإن كانت ضخمة- لتحقيق هدف دمار
شركة واحدة من الشركات
العملاقة التي باتت تمسك في
عصر العولمة بزمام صناعة
القرار على مختلف الأصعدة
مباشرة في الميادين المالية
والاقتصادية، ومن وراء ستار
رقيق في الميادين السياسية
والعسكرية.
ومثال
ذلك شركة "ستانلي مورجان"
المالية، التي كانت تعد أكبر
الشركات في نطاق برجي مركز
التجارة العالمي، وقد شغلت 22
طابقا في إحدى ناطحتي السحاب..
ورغم ذلك لا يمثل انهيار
المكاتب التابعة لها إلا خسارة
مادية يمكن أن تضطر شركات
التأمين إلى تعويض قسم كبير
منها، بينما تبقى الشركة قادرة
على الاستمرار على المستوى
العالمي، وربما دون عوائق
كبيرة، باستثناء ما يسببه
افتقاد أفراد من كوادرها
القيادية في قطاعات الإدارة
والتخصص؛ فحتى ما كانت تسببه
الكوارث من أضرار جسيمة عند
القضاء على قسم من المستندات
والتسجيلات والوثائق وغيرها،
لم يعد يقع الآن نتيجة عمليات
الاستنساخ التلقائي الاحتياطي
عبر التجهيزات الإلكترونية،
بما يعوّض سريعا عن التالف
ويضمن استمرارية العمل بحدّ
أدنى من العقبات ومن الخسائر.
تعويض
الخسائر
التصورات
التي تدور في حدود توجيه ضربات
ما لِمَا يوصف بالمصالح
المالية والاقتصادية
الأمريكية- تغفل عن أن هذه "المصالح"
ليست أهدافًا ملموسة واضحة
المعالم ومجسّدة في مؤسسات
وشركات، فلا يتمثل عصب حياة
الهيمنة الأمريكية المالية
والاقتصادية عالميًّا في
مواقع محدّدة، ولا تفيد (حرب
المواقع) بضربه، على افتراض أن
ذلك هدف بحد ذاته، ونستخدم
التعبير هنا تماشيا مع
المبالغة المقصودة والمتمثلة
في لفظة "الحرب" التي
اختارها الرئيس الأمريكي بوش
لوصف ما جرى، وسعيه لمواجهته،
مع تجنيد حلف شمال الأطلسي
وسواه، وتحييد من يمكن تحييدهم.
وقد
انتشرت في البداية في الأوساط
الغربية نفسها أقوال لبعض
الخبراء تعتبر ما وقع بمثابة
"ضربة قاصمة للاقتصاد
الأمريكي وللشبكة المالية
الأمريكية"، في فترة من
المعروف أنها تشهد مزيدًا من
مؤشرات ركود اقتصادي أمريكي
طويل الأمد، ولكن سرعان ما
خفتت هذه الأصوات، لصالح
تحليلات معاكسة تمامًا، تقول:
"إنّ المصارف والمؤسسات
المالية ستشهد في المرحلة
المقبلة حركة انتعاش واسعة
النطاق؛ نظرًا إلى ضرورة إعادة
بناء ما سببه دمار الهجمات
الأخيرة، وهو ما تراوحت
التقديرات الأولية بشأن قيمته
المادية ما بين خمسين وخمسمائة
مليار دولار".
كذلك،
فإن الحديث عن انهيار واسع
النطاق يصيب الشركات
العملاقة، أو قطاعات اقتصادية
بكاملها- لا يستند إلى نظرة
موضوعية، وكان أوّل ما تركزت
الأنظار عليه شركات التأمين
الكبرى، وهو ما هبط بأسهمها في
اليوم التالي لعمليات التفجير
إلى الحضيض، ولكن ما لبثت في
اليوم الذي يليه أن عوّضت
الخسارة بصورة ملحوظة، نتيجة
التوقعات التي انتشرت بصدد
ازدياد عنصر الخوف الذي أثارته
العمليات، وبالتالي ازدياد
إقبال أصحاب الشركات
والعقارات على عقود تأمين
جديدة إضافية.
ولا
يسري ما سبق على بعض القطاعات
مثل قطاع شركات الطيران.
فعلاوة على الخسائر الفورية
نتيجة توقف حركة الطيران في
الولايات المتحدة الأمريكية
وبينها وبين العالم الخارجي-
يمكن أن يؤثر الخوف من اختطاف
الطائرات تأثيرًا كبيرًا على
الملاحة الجوية، وإن كان من
المحتمل ألا يدوم ذلك فترة
طويلة.
ومعظم
ما تأثرت به قطاعات اقتصادية
أخرى في الأيام الأولى عقب
عمليات التفجير- يبقى في حدود
العامل النفساني، الذي رفع
أسـعار النفط الخام والذهب على
الفور، وعاد إلى الهبوط بها في
اليوم التالي مباشـرة، ولا
يُنتظر على هذا الصعيد تأثير
سلبي بعيد المدى.
إن
ضخامة الحدث وعمليات التفجير
وعدد القتلى والجرحى لا ينبغي
أن يدفع إلى نشر تصورات عن
مفعول ذلك الحدث على الاقتصاد
الأمريكي، فلا تتجاوز عند
التمحيص فيها حدود التصورات
التي تصنعها الأفلام
الأمريكية نفسها بما تعرضه عن
مجموعة أفراد أو جماعات تُعرّض
الوجود الأمريكي من حيث الأساس
للخطر، فيتصدّى لها "أبطال"
وهميون يمنعون "الانهيار"
في اللحظة الأخيرة.
إنّ
التهويل من شأن النتائج ماليا
واقتصاديا- ولا نتحدث هنا عن
الضحايا البشرية والأبعاد
الإنسانية والمأساوية- من شأنه
أن يدغدغ مشاعر الناقمين على
كثير من جرائم الحكومات
الأمريكية بحق الشعوب، ومن
شأنه أن يثير الضجيج وحتى بعض
صور "الابتهاج" المرفوضة،
بل من شأنه أيضا أن يسبب مزيدا
من التخدير ولفت الأنظار
وتعطيل الجهود عن البحث
الضروري عن السبل الناجعة
والممكنة للحدّ من الهيمنة
الأمريكية وآثارها الخطيرة
على الاقتصاد العالمي بشمول
الكلمة لا اقتصارها على (الغربي)
فقط، وعلى الأوضاع الاقتصادية
الوطنية في كل بلد على حدة من
البلدان التي تجاوزت حدود
العلاقات إلى مستوى التبعية
الاقتصادية والمالية.
من
المهم ما تطرحه عمليات التفجير
من تساؤل عن مدى تأثر الاقتصاد
الأمريكي بها، لكن الأهم من
ذلك هو السؤال عن المخاطر
المنتظرة الناجمة عن التعامل
الأمريكي المؤكّد مع هذه "الإصابة
الاقتصادية الموضعية" بصورة
تجعل "العلاج" على حساب
أطراف أخرى.
لن
تكون الخسائر- المحتمل لها أن
تبلغ عشرات أو مئات المليارات-
موجعة للاقتصاد الأمريكي
مباشرة، كما أنّ البنية
الهيكلية للاقتصاد الغربي لن
تتأثر تأثّرا سلبيا خطيرا على
الأرجح، وهي بنية قائمة بحيث
تحفظ توازنه عن طريق الدعم
المتبادل من وراء سائر أسباب
التنافس والخلافات السياسية،
ولكن يمكن أن تتوزع أعباء "علاج
الإصابة الموضعية الأمريكية"
توزّعا مرهقا على الأوضاع
الاقتصادية العالمية خارج هذا
النطاق، بما في ذلك المنطقة
الإسلامية على وجه التخصيص.
عصب
حياة الهيمنة الأمريكية
الأرضية
التي تقوم عليها عملية "تصدير
الأعباء المالية والاقتصادية"
على النحو المذكور هي شبكة
العلاقات المُعقدة التي توجّه
حركة الأموال والثروات
عالميا، وهي الشبكة التي بات
تعزيزها في مقدمة المعالم
البارزة لحملة العولمة
الراهنة بوجهها المالي
والاقتصادي.
وكانت
حركة الأموال والثروات
العالمية قد سجلت منذ الحرب
العالمية الثانية- أكثر من مرة-
ظاهرة ضخّ الأموال من الجنوب
إلى الشمال، ومن أنحاء الشمال
إلى الولايات المتحدة
الأمريكية، وهو ما سبق لبعض
لجان مختصة- شكّلتها الأمم
المتحدة- أن درسته وقدّرت
حصيلته بآلاف المليارات من
الدولارات.
وما
تزال هذه الدورة قائمة وقابلة
للتكرار حقبة بعد حقبة، ما دام
النظام المالي والاقتصادي
العالمي قائما على الأسس التي
قام عليها بعد الحرب العالمية
الثانية، وتعتبر الحالات
الطارئة منذ "نفقات حرب
فيتنام" في الستينيات وحتى
الخسائر المادية الموضعية
الناجمة الآن عن عمليات
التفجير الأخيرة- أمثلة
نموذجية لفعالية تلك الدورة
وما تساهم به من تعميق "الهوة
المادية" عالميا.
إن
عصب حياة الهيمنة الأمريكية
اقتصاديا وماليا هو العلاقات
العالمية العاملة على تشغيل
شرايين ضخّ المال، وسحبه
عالميا تحت عناوين: استثمارات،
وقروض، ومساعدات، وهبات،
وتجارة بالأسهم والنقد، وغير
ذلك من أشكال حركة الأموال
عالميا.. وكذلك العلاقات
العالمية العاملة على تشغيل
حركة الواردات والصادرات في
ظلّ لعبة أسعار العملات والسلع
ارتفاعا وانخفاضا، وتحت
عناوين: حرية التجارة، وإلغاء
الجمارك، ومكافحة قوانين
الحماية التجارية، وحقوق
حماية "الطرق" التجارية،
وغير ذلك.
وهذه
"الشرايين" التي تحميها
شبكات العلاقات السياسية
والنشاطات التجسسية والقوة
العسكرية قائمة وفعالة منذ
الحرب العالمية الثانية، ولم
يعد دورها يقتصر على مجرد ضمان
استمرارية عملية الضخ والحركة
المالية بصورة تجعل محصلتها
النهائية في صالح الطرف
الأمريكي المهيمن، بل يشمل هذا
الدور أيضا ما يمكن وصفه بالضخ
المعاكس؛ أي أن كل ضعف يصيب
الشبكة المالية والاقتصادية
الأمريكية- لأسباب داخلية أو
خارجية- يجري تعويضه على حساب
الجهات الأخرى المرتبطة
بالولايات المتحدة الأمريكية؛
سواء كانت من الحلفاء، أو
الأصدقاء، أو التابعين،
وبالتالي فإن أي ضربة "موضعية"
يمكن أن تسبب أثرًا مؤقتا،
لكنه لا يمكن أن يدوم طويلا.
ومن
الشواهد على ذلك في نطاق
الأحداث الأخيرة أن إصابة
السوق المالية في نيويورك،
وغيابها عن الساحة لبضعة أيام-
انتقلت آثارها على الفور إلى
الأسواق المالية الأوروبية
والآسيوية والأمريكية
الجنوبية فأصابها الانهيار
الفوري أيضا، ولم يكد المصرف
المركزي الأمريكي يقرّر ضخ
عشرات المليارات من الدولارات
لتأمين السيولة النقدية
للمصارف والمؤسسات المالية
حتى سارع المصرف المركزي
الأوروبي إلى خطوة مماثلة.
إنّ
العمل من أجل دعم السوق
المالية الأمريكية التي
هزّتها التفجيرات لم يعد "مهمة
أمريكية"، بل أصبح على الفور
"مهمة مشتركة" بين القوى
المالية والاقتصادية الغربية،
وكذلك تلك المرتبطة بها
ارتباطا "تبعيا"، وهنا
تقضي المعايير المعوجّة
السارية المفعول منذ الحرب
العالمية الثانية على الأقل-
أن يتحمل الطرف الأضعف العبء
الأكبر، فالعامل الحاسم لا
يكمن في كونه يستطيع تحمُّل
العبء أو لا، وإنما يكمن في
السؤال: هل يستطيع الرفض أم لا؟!
وإذا
أردنا رؤية أين تتجه الريح- كما
يقال- فيمكن إلقاء نظرة على
التقرير السنوي الأخير للمصرف
المالي العالمي، الذي صدر عشية
الأحداث مباشرة، وقد مال بوضوح
علني- لأول مرة منذ عدة سنوات-
عن تأكيد مسؤولية بلدان الشمال
أولاً عن أوضاع الفقر والتخلف
في الجنوب، إلى إبراز مسؤولية
الأوضاع السلبية في الجنوب
نفسه، مع إيراد أمثلة عديدة
تصبّ جميعا في إطار المطالبة
بانفتاح أكبر على الاستثمارات
الأجنبية والالتزام بما يُسمى
بقواعد السوق الحرة وما شابه
ذلك، وهو ما يعني واقعيا
الانفتاح الأكبر على العولمة
الاقتصادية والمالية التي
تسعى لنشرها الدول الغربية
والشركات العملاقة التي تنتمي
إليها، أو استمرارية مفعول
لعبة حركة الأموال والثروات
العالمية المذكورة.
وهنا
لا ينبغي الاستهانة بما تعنيه
الموجة المنتشرة في الغرب،
والتي عززتها عمليات التفجير
الأخيرة لنشر المخاوف وتعزيز
الأحكام المسبقة تجاه الإسلام
والمسلمين، وهو ما انتقل من
ذروة إلى أخرى بتسارع ملحوظ
منذ سقوط الشيوعية على الأقل،
وسيبلغ ذروة جديدة بعد أحداث
واشنطن ونيويورك، فحصيلة هذه
الموجة بالذات ستوظَّف
لممارسة مزيد من الضغوط
الاقتصادية والمالية تحت
عنوان مكافحة الإرهاب، بينما
تعزز في نهاية المطاف استمرار
الموقع الاحتكاري للهيمنة
الأمريكية العالمية، فكأنما
ساهمت عمليات التفجير في تحقيق
نقيض ما "يحتمل" أن يكون
قد حرّك مرتكبيها وأرادوا
الوصول إليه من خلالها.
ولا
شكّ أن الهيمنة الاقتصادية
والمالية الأمريكية بلغت
درجات قصوى من الاستغلال على
المستوى العالمي، وهو ما يبرر
الدعوة إلى مكافحتها، ويجعل
العمل من أجل ذلك مشروعا
ومطلوبا، ولكن لا يُسقِط ذلك
السؤال عن الوسائل المشروعة
والممكنة لتحقيق هذا الهدف
المشروع.
وإذا
كان من المجمع عليه أن ضربات
موضعية من نوع عمليات التفجير
الأخيرة لا تحقق الهدف، علاوة
على رفضها من حيث المبدأ، فإن
المطلوب هو توجيه الأنظار
والجهود المدروسة والمشتركة
إلى مفاصل شبكة العلاقات
المالية والاقتصادية التي
تعتمد تلك الهيمنة عليها، وهو
ما يبدأ باعتماد الدولار في
الاحتياطيات النقدية وفي
الاتفاقيات الكبرى لتصدير
السلع، ولا سيما النفط الخام،
وفي فتح الأبواب أمام
استثمارات أمريكية مقابل
توزيع الاستثمارات الخاصة
الوطنية إلى البلدان الغربية..
وغير ذلك مما يحتاج إلى بحوث
مفصلة للدراسة والتحليل.
اقرأ
أيضًا:
|