|
رغم
اقتراب موعد انعقاد المؤتمر
الوزاري لمنظمة التجارة
العالمية في الدوحة فما زالت
الخلافات بين الدول المشاركة
فيه كبيرة، بل إن الخلافات
آخذة في الاتساع، وأصوات الدول
والجماعات المعارضة للمؤتمر
تزداد ارتفاعًا وتزداد صفوفها
تنظيمًا، والشاهد في هذه
الخلافات أو المعارضة أنه لا
يمكن وضعها في تصنيف واحد،
ولكنها تنطلق من مصالح مختلفة
ومذاهب متعددة.
وإذا
أردنا تبسيط الأشكال التي
تأخذها هذه المعارضة؛ سواء
كانت من دول متقدمة، أو دول
نامية، أو حتى من جماعات ما
يعرف بالمجتمع المدني،
فنحصرها في الآتي:
-
معارضة تأخذ شكل خلافات بين
الدول المتقدمة والدول
النامية من ناحية أو بين الدول
المتقدمة نفسها من ناحية أخرى،
وتتركز هذه الخلافات حول
الأجندة التي ستعرض على مؤتمر
الدوحة، والتي ستقوم بحصر
موضوعات التفاوض المفترض
بحثها في جولة تحرير التجارة
التي سيعلن عنها مؤتمر الدوحة
في حالة نجاحه.
والملاحظ
أن العامل الأساسي الذي يقف
وراء هذه الخلافات هو المصالح
الاقتصادية المتعارضة للدول
الأعضاء، وذلك إن صحَّ يمكن أن
نطلق على هذه الخلافات مجازًا
أنها معارضة تؤثر على مسار
واحتمالات نجاح المؤتمر.
-
معارضة "مشروطة"، ويمكن
تسميتها كذلك "موافقة
مشروطة"، وتتبنَّى هذا
الاتجاه بعض الدول النامية
التي توصف أحيانًا بأنها دول
ذات مواقف معتدلة من قضايا
تحرير التجارة العالمية، مثل:
مصر، والهند، وماليزيا.
-
معارضة في شكل مطلق وقاطع
وصريح على انعقاد هذا المؤتمر،
وتوقيت الانعقاد ومبرراته،
والأهداف التي يسعى إليها هذا
المؤتمر، وتأتي جماعات
المجتمع المدني في مقدمة الذين
يعارضون هذا المؤتمر معارضة
مطلقة وصريحة، وتنضم إليها بعض
الدول، وغالبيتها من الدول
النامية، رغم اختلاف أسباب هذا
النوع من المعارضة.
وبعد
حصر أشكال المعارضة حول هذا
المؤتمر قبل انعقاده يصبح من
الضرورة والأهمية بمكان توضيح
الخلفيات التي تستند إليها هذه
المعارضة، والخلافات وفحواها،
والمصالح التي تنطلق منها.
خلافات
الأجندة
على
الرغم من بدء مختلف الدول
والتكتلات في استعداداتها
لمؤتمر الدوحة قبل موعد انعقاد
المؤتمر بما يزيد على سبعة
أشهر فإن المعارضة
والاختلافات بين مواقف الدول
الأعضاء - كما أكد رئيس المجلس
العام للمنظمة - ما زالت واسعة،
وإن ضاقت إلى حد ما في بعض
القضايا؛ فمنذ إصدار الورقة،
التي تضمنت 6 نقاط أساسية وتم
توزيعها على الدول الأعضاء من
قِبل منظمة التجارة العالمية
في شهر إبريل 2001م، عُقدت
العديد من الاجتماعات
والمناقشات على مستوى العالم
حول الموضوعات المحتمل أن
يناقشها المؤتمر، مثل: حقوق
الملكية الفكرية المرتبطة
بالتجارة، والاستثمار، وسياسة
المنافسة والدعم، ووضع
اقتصاديات الدول الصغيرة،
والتجارة، والبيئة، والديون،
والمعاملة الخاصة والتفضيلية
للدول النامية، والتعاون
الفني، وبناء القدرات
الاقتصادية في هذه الدول.
ووفقًا
للتصريحات المعلنة لمعظم
المسؤولين من الدول والتكتلات
المختلفة ما زال الأعضاء
بعيدين تمامًا عن التوصل إلى
أرضية مشتركة بشأن معظم هذه
الموضوعات بسبب الخلافات
حولها، وفيما يلي أهم
الموضوعات وأوجه الاختلاف:
1
- نفاذ السلع الزراعية إلى
الأسواق:
تعترض
الدول النامية على الإجراءات
التي تتخذها الدول المتقدمة في
هذا المجال للحدِّ من نفاذ
الصادرات الزراعية للدول
النامية إلى أسواق الدول
المتقدمة، وتُصِرّ الدول
النامية على أن تنفذ الدول
المتقدمة التزاماتها السابقة
في هذا المجال.
وقد
وصل الاختلاف والتعارض في
مواقف الدول الأعضاء إلى ذروته
بسبب محاولة مجموعة "كيدنز"
(الدول المصدرة للسلع الزراعية
على رأسها البرازيل
والأرجنتين وأستراليا وكندا)
دَفْع المنظمة نحو مزيد من
التحرير في مجال تجارة السلع
الزراعية؛ حيث ترى هذه
المجموعة تخفيض دعم الصادرات
بنسبة 50% دفعة واحدة، والعمل
على التخفيض التدريجي لنسبة
الـ 50% الباقية، وفي المقابل
تعترض اليابان والاتحاد
الأوروبي على ذلك، وترى ضرورة
إدخال تجارة السلع الزراعية في
مفاوضات أوسع لتشمل قضايا أخرى
ذات صلة، مثل: البيئة،
والاستثمار، وقواعد المنافسة.
2
- تجارة السلع غير الزراعية:
تشير
المناقشات الدائرة على كافة
المستويات والتجمعات الدولية
في هذا المجال إلى أن الخلافات
بين الدول تتركز حول إصرار
البعض (معظم الدول النامية) على
أن تتضمن المفاوضات المقترحة
حول تجارة السلع غير الزراعية -
التعريفات الجمركية، وكذلك
الإجراءات غير التعريفية، في
حين يعترض البعض الآخر (معظم
الدول المتقدمة)، كما تُصِرّ
الدول النامية على أن تقدم
الدول المتقدمة ضمانات واضحة
بخصوص المعاملة الخاصة
والتفضيلية المقررة للدول
النامية، وأن يكون هناك تبادل
وتوازن في التزامات كلا
الطرفين، وهو الأمر الذى تماطل
فيه الدول المتقدمة، خاصة في
جانب التنفيذ الفعلي لهذه
الضمانات.
وقد
تجسَّدت هذه الخلافات في
التعارض بين الاقتراحات
المكتوبة التي تقدمت بها 7 دول
نامية، هي: المغرب،
والأرجنتين، وتايلاند،
وأورجواي، والسويد، والنرويج،
ونيوزلندا؛ والاقتراحات التي
تقدمت بها كل من اليابان،
والولايات المتحدة الأمريكية،
والاتحاد الأوروبي. وإلى جانب
بروز الخلافات في هذا المجال
تأكد إلى حد كبير أن استمرار
وجود مشكلات عند التنفيذ أمر
لا مفر منه في النهاية.
3
- مكافحة الإغراق:
في
هذا المجال تشتد الخلافات
والتعارض بين مواقف الدول
المتقدمة نفسها، إلى جانب
الخلافات والتعارض بين
مواقفها ومواقف الدول
النامية، وتتركز الخلافات في
هذا المجال في إصرار 30 دولة
معظمها من الدول النامية،
بالإضافة إلى اليابان، على
ضرورة تقوية نصوص هذه
الاتفاقيات من خلال الجولة
التي سيعلن عنها مؤتمر الدوحة،
وهو ما يقابل بالرفض من
الولايات المتحدة الأمريكية،
في حين يعمل الاتحاد الأوروبى
على استغلال موقفه المعارض
للموقف الأمريكى في هذا
المجال، والتوصل إلى صفقة
ثنائية بينه وبين الولايات
المتحدة الأمريكية؛ حيث
تتعرَّض بعض صادرات الاتحاد
الأوروبي – خاصة من الصلب –
لرسوم مضادة للإغراق من
الولايات المتحدة الأمريكية،
في حين تتعرَّض صادرات
الولايات المتحدة من اللحوم
للحظر من قِبَل الاتحاد
الأوروبي.
موافقة..
ولكن
الدول
التي تتبنَّى المعارضة "المشروطة"
لمؤتمر الدوحة لا تعترض على
المؤتمر بصورة مطلقة، وإنما
توافق عليه من حيث المبدأ، لكن
بشروط معينة، ويأتي في مقدمة
هذه الدول تلك التي توصف بأنها
دول معتدلة من حيث موقفها من
القضايا المطروحة على المؤتمر
وفي مقدمتها مصر، وبعض الدول
العربية، والهند، وماليزيا؛
حيث تضع هذه الدول مجموعة من
الشروط، جاءت معظمها في
مداولات مؤتمر وزارة الاقتصاد
العرب الذى تم عقده في القاهرة
في 17 من يوليو؛ استعدادًا
لمؤتمر الدوحة. وتتمثل أهم هذه
الشروط في الآتي:
-
وضع تصور لآلية تفعيل تنفيذ
التزامات الدول المتقدمة في
اتفاقيات جولة أوروجواي.
-
وجود رؤية واضحة بالنسبة
للموضوعات المقترح أن تتضمنها
الجولة الجديدة، والمقترح أن
يعلن عنها مؤتمر الدوحة لتحرير
التجارة الدولية بما يحقق
مصالح الدول النامية.
-
عدم الربط بين القضايا
المتعلقة بالتجارة وقضايا
العمال والبيئة، وترك هذه
القضايا للمحافل الدولية
المهتمة بها مثل منظمة العمل
الدولية.
-
عدم مناقشة قضايا تحرير
التجارة الإلكترونية، ومراعاة
ظروف الدول الأقل نموًّا،
والتي تفتقر إلى التكنولوجيا
الحديثة في هذا المجال.
-
عدم استخدام الاعتبارات
الخاصة بالبيئة أو المواصفات
القياسية المتشددة كعوائق
جديدة أمام صادرات الدول
النامية.
-
عدم مطالبة الدول النامية
بتحرير قطاع الخدمات إلا بما
يتناسب مع ظروفها، وأن تتم
عملية التحرير بصورة تدريجية.
-
منح الدول النامية مرونة أكبر
في تنفيذ الالتزامات التي
سيسفر عنها مؤتمر الدوحة
ومفاوضات الجولة التي سيعلن
عنها في حالة نجاحه.
-
تفعيل القرار الخاص بتعويض
الدول النامية التي تُعَدّ
مستوردًا صافيًا للغذاء؛ بسبب
ارتفاع فاتورة وارداتها بعد
إلغاء الدعم المقدم من الدول
المتقدمة للمنتجات الزراعية.
لا
تراجع ولا تطبيع!
تتنوع
المصالح التي تنطلق منها
المعارضة "المطلقة"
لمؤتمر الدوحة بين اقتصادية
وسياسية، وإن كان الغالب هو أن
المصالح الاقتصادية هي التي
تحرِّك هذه المعارضة. ويأتي في
مقدمة الأطراف المعارضة
لمؤتمر الدوحة - انطلاقاً من
أهداف اقتصادية - ما يطلق عليه
"شعب سياتل"، أو ما يعرف
باسم "المجتمع المدني"،
وأحيانًا باسم "أنصار
العولمة المضادة".
ويتكون
هذا الشعب أو المجتمع من أنصار
العولمة المضادة من المنظمات
الأهلية والتي تضم أحزابًا
وجماعات سياسية ومنظمات حقوق
الإنسان والبيئة، وغيرها،
وكلها ذات اتجاهات معارضة
ومعادية للرأسمالية ومعارضة
لمنظمة التجارة العالمية؛ حيث
ترى أنها السبب الرئيسي
للمشاكل الاقتصادية التي
تعاني منها دول العالم بسبب
إصرارها على فتح الأسواق بلا
حدود، والمنافسة غير العادلة
التي ترسي مبدأ البقاء للأقوى.
بلغ
عدد المعارضين من هذه الجماعات
أكثر من 200 ألف فرد، هم الذين
تظاهروا في "سياتل" وفي
"جنوة". ورغم اعتراض هذه
الجماعات على مؤتمرات منظمة
التجارة العالمية بما فيها
مؤتمر الدوحة القادم، فإن
الاعتراض على العولمة
التجارية التي يسعى إليها
المؤتمر من جانب هذه الجماعات
ليس متجانسًا؛ حيث إن البعض
يعترض على العولمة؛ لأنها تأخذ
الطابع الأمريكي، في حين أنهم
يرون ضرورة أن تأخذ الطابع
الأوروبي، وفي المقابل يعترض
الآخرون على انعكاسات العولمة
التجارية على الدول النامية
وعلى الفقراء في مختلف دول
العالم.
ورغم
الاختلاف في أسباب معارضة
مؤتمر الدوحة فإن العوامل
المشتركة للاعتراض هي:
-
الوقوف ضد هيمنة وسيطرة دولية
أو مجموعة من الدول على النظام
الاقتصادي العالمي من خلال
مفهوم محدد للعولمة يلخصها في
فتح الأسواق والحدود أمام حركة
السلع ورؤوس الأموال.
-
الاعتراض على الدور الذى تقوم
به المؤسسات الاقتصادية
الدولية، مثل: منظمة التجارة
العالمية، والصندوق والبنك
الدوليين.
-
المطالبة بضرورة تبني نظام
اقتصادي عالمي يقلِّل الفجوة
بين الدول النامية والدول
المتقدمة.
-
المطالبة بضرورة الحفاظ على
البيئة وإلغاء ديون الدول
الفقيرة.
والملاحظ
خلال الشهور الأخيرة أن "شعب
سياتل" بدأ يستعد لموقعة
الدوحة بعد الخروج من موقعة
جنوة؛ حيث تتزايد وتتكثف
الاتصالات بين هذه الجماعات؛
لكي تحشد جموعها في الدوحة في
نوفمبر القادم. ولا شك أن الأمر
سيكون أكثر إثارة من جنوة؛ لأن
هذه الجماعات تحكم تنظيم
صفوفها هذه المرة، ولأن وصول
شعب سياتل (200 ألف فرد) إلى
الدوحة، وانضمام بعض الجماعات
والنقابات من البلاد العربية
في المنطقة إليهم يعني أن
تستقبل قطر ما يعادل ثلث تعداد
سكانها خلال هذا المؤتمر.
أما
المعارضون لمؤتمر الدوحة
لأسباب سياسية فهُم الذين لا
يعارضون هذا المؤتمر في حدِّ
ذاته، ولكنهم يعارضون حضور أو
عقد المؤتمر على أرض قطر -
الدولة العربية - وأن تحضره
إسرائيل، وهو ما يتعارض مع
قرارات جامعة الدول العربية
وقرارات القمة الإسلامية.
هؤلاء
المعارضون من الدول العربية
والإسلامية قليلون ومنهم
السعودية والإمارات، غير أن
المواقف الرسمية النهائية
لمعظم الدول العربية في هذا
المجال لم تُعْلن بعد، وينضم
إلى هذه الدول بعض التجمعات
الحزبية والشعبية العربية وفي
مقدمتها "الأمانة العامة
للمؤتمر الشعبي لمقاومة
التطبيع مع إسرائيل في الخليج"،
والتي طالبت حكومة قطر بإلغاء
المؤتمر بسبب مشاركة إسرائيل،
واعتبرت عقد وحضور المؤتمر
خيانة للقضية الفلسطينية.
كما
يعارض انعقاد مؤتمر الدوحة "المؤتمر
القومي العربي الحادي عشر"
الذي عُقِد في بغداد، وأصدر
بيانًا مطالبًا فيه الدول
العربية بمقاطعة المؤتمر،
ومطالبًا المجتمع المدني
العربي بالسعي إلى إحباط
المؤتمر، وذلك بعقد مؤتمر مضاد
في نفس توقيت انعقاد المؤتمر
في إحدى العواصم العربية أو في
الدوحة نفسها، وذلك على غرار
المؤتمر المضاد لمؤتمر دافوس
الأخير، والذي عقد في البرازيل.
وهكذا،
فإن الأجواء التي تسبق انعقاد
مؤتمر الدوحة ملبَّدة
بالخلافات الواسعة والمعارضة
المتنوعة المذاهب والمصالح؛
تُرى هل ستؤدي هذه الخلافات
وتلك المعارضة إلى فشل مؤتمر
الدوحة ليلحق بمؤتمر "سياتل"؟
هذا ما سيكشف عنه المستقبل
القريب.
اقرأ
أيضًا:
|