 |
|
مناهضو
العولمة: لا تسامح ولا
نسيان في جنوه أو في أي
مكان آخر |
"العولمة"
مصطلح الألفية الجديدة، يدفع
العالم نحو المستقبل دفعًا، في
الوقت ذاته تتزايد المخاوف من
مزيد من الآثار السلبية
للعولمة.. قلَّة فقط تنظر إليها
بعين التفاؤل، مقابل ما تعنيه
الأغلبية من تهديدات وضغوط على
مستوى معيشتهم. لا عجب إذن أن
يدعو ذلك العديد من الجماعات
من أنحاء العالم إلى المعارضة
والتظاهر الغاضب ضد العولمة.
أما
الشعار المشترك الأوَّل
لمعارضي العولمة من مختلف
أنحاء العالم فهو "لا راحة
لصانعي القرار من ذوي السلطان"،
وكلما تواعدت القوى الكبرى
لعقد مؤتمر أو لقاء ما، إن كان
في دافوس أو سياتل أو
جوتنبورج، ومؤخرًا في جنوة
مثلاً، قام معارضو العولمة
بالتخطيط لتظاهرات واحتجاجات
على نطاق واسع في أماكن
الاجتماعات، وهو ما يصل في
كثير من الأحيان إلى أعمال عنف
ومواجهات مع السلطات الأمنية.
صحيح
أن وسائل الإعلام تُصدر الكثير
من الأخبار عن أعمال معارضي
العولمة واحتجاجاتهم، ولكنها
نادرًا ما توفِّر للمشاهد
المعلومات عن خلفيات ومحتويات
هذه التظاهرات، فكيف اجتمع
هؤلاء المعارضون؟ وما هي
الأسباب التي تجعلهم يحملون
أنفسهم الجهد والمشقَّة في
الاحتجاج على الأوضاع
القائمة؟
عولمة
"ضد العولمة"
تتشكَّل
المعارضة من حركات وجمعيات
ومنظمات غير حكومية مختلفة من
دول عديدة لا يجمع بينها سِوى
حربها المشتركة ضد نظام عالمي
يوصف بالليبرالي، وهو نظام غير
عادل؛ يتجاهل مصالحها ويهدِّد
كيانها، وتدعمه فئة قليلة
تتكوَّن من سياسيين وأصحاب
الأموال والنفوذ.
وانضمت
هذه الجهات المعارضة ذات
المضامين والمطالب المختلفة
خلال السنوات الماضية إلى
بعضها، فبدأت تتعاون من خلال
شبكة اتصالات فعَّالة لتبادل
المعلومات وللتخطيط ولتنسيق
أعمالها، حتى أصبحت
الاحتجاجات المنظمة والشاملة
ظاهرة مشهودة وثابتة، تهدف إلى
جذب انتباه المسؤولين
المعنيين وإلى توعية الجمهور
بسلبيات العولمة.
يرفض
معارضو العولمة في بياناتهم
عولمة تُنمِّي رفاهية فئة
محدودة من الناس على حساب عدد
كبير من الفئات الضعيفة.
وتوضِّح "رابطة النقابات
العالمية" (ICFTU) في هذا
السياق أنّه يوجد في الواقع 40000
شخص من أصحاب الأموال يسيطرون
على 80% من التجارة العالمية،
وأن ثروة المائتي فرد الأثرى
من سواهم في العالم تتجاوز
الدخل الإجمالي لـ 41% من سكان
الأرض، بينما يوجد من جهة أخرى
250 مليون طفل يُجبَرون على
العمل في ظروف غير إنسانية
لمجرَّد البقاء على قيد الحياة!.
هذه
الأرقام التي تتطابق مع
المعلومات الصادرة عن هيئة "برنامج
الأمم المتحدة للتنمية" UNDP
في تقريرها الأخير توضِّح أن
توزيع الفرص للاستفادة من
إيجابيات العولمة لا عدالة فيه
ولا مساواة، وتبدو من وراء ذلك
قاعدة ثبتت عبر السنين، فمن لا
يستطيع الاستفادة من الفرص
سرعان ما يجد نفسه هابطًا إلى
طبقة من أُطلق عليهم وصف "ضحايا
العولمة"، والجدير بالذكر
أن أكثر الناس المعرَّضون لخطر
الخسارة هم الفئات الضعيفة في
المجتمعات وسكان الدول
النامية.
ويوجِّه
معارضو العولمة أصابع اللوم
إلى المسؤولين عن هذا الوضع في
مناسبات كثيرة فيقول "الياندرو
دميخيلس" من رابطة العاملين
في مجال التربية من الأرجنتين
مثلاً: "نريد أن نقول
للحكومات إنها بسياساتها هذه
تقوِّض الإنسانية"، ويشرح
"سارات فرناندو" من
سريلانكا وهو يمثِّل الحركة
المؤيدة لإصلاح الزراعة
وتوزيع الأراضي، أنّ "العولمة
تسلب الملايين من الناس موارد
رزقهم ومعيشتهم".
أما
اللوم الأكبر فيوجِّهه معارضو
العولمة إلى المنظمات المالية
والتجارية العالمية،
ويحملونها المسؤولية الكبرى
لدعمها "عولمة سلبية جديرة
بالرفض". ومن وجهة نظر هؤلاء
فالسبب الأساسي للمشاكل
المتزايدة في العالم كامن في
سياسة هذه المنظمات، حسب قول
مجموعة "المبادرة ضدّ
العولمة الاقتصادية في براغ"،
والتي شُكِّلت بمناسبة اللقاء
الخريفي للبنك الدولي وصندوق
النقد الدولي في العام الماضي.
وتشير
هذه المجموعة في اتهاماتها إلى
برامج التصحيح الاقتصادي (SAP)
التي يفرضها البنك الدولي
بالتعاون مع صندوق النقد
الدولي على الدول النامية؛
لإدماجها في النظام التجاري
العالمي الحرّ ولفتح حدودها
للتجارة وللاستثمارات، ففي
إطار هذه البرامج تضع المنظمات
المالية شروطًا صعبة ومدمِّرة
من أجل تقديم القروض للدول
المحتاجة، بما يعزِّز دور رأس
المال العالمي وهيمنته، بينما
يضُعِف وضع أغلبية الناس في
البلدان النامية.
وفي
إطار سياساتها تدفع هذه
المنظمات الحكومات الضعيفة
لإزالة جميع الأسباب المعرقلة
لجلب الاستثمارات، مثل إلغاء
القوانين المتعلقة بالحماية
البيئية وحماية المجتمع، كما
تجبر على الحدّ من النفقات
الحكومية في القطاع العام،
ويعني ذلك بالنسبة إلى الشعب
عدم توفُّر الحدّ الأدنى من
التعليم والعناية الصحية،
وارتفاع أسعار المعيشة، وعدم
توفُّر فرص عمل كافية، وتزايد
البطالة، وتحديد حقوق العمال
النقابية.
ولنا
في الأردن مثال، حيث جرت بها
تظاهرات قبل سنوات قليلة
احتجاجًا على ارتفاع أسعار
الخبز جرّاء تطبيق المرحلة
الثانية من برنامج "الإصلاح
الاقتصادي"، وكثير من الأسر
الأردنية يعاني حاليًا من
تكاليف التدريس المفروضة؛
بسبب قلَّة عدد الجامعات
الحكومية، وارتفاع تكاليفها
مع خصخصة قطاع التعليم.
كما
يمكن رؤية عواقب خصخصة قطاع
المياه في مثال بوليفيا، حيث
ارتفعت أسعار هذا المورد
الأساسي للمعيشة بنسبة 200%
جرَّاء خصخصة محطات المياه،
وهو ما أدّى إلى زيادة معاناة
الشعب، وخاصة معاناة الفئات
الفقيرة التي لم تستطع توفير
تكاليف الماء، فانفجرت
الأوضاع في احتجاجات عنيفة،
حسبما أفادت منظمة لحقوق
الإنسان معارضة للعولمة تحمل
اسم "تبادل عالمي" (Global
Exchange)، وقد تأسست في عام 1998م.
أما
في زيمبابوي، فبعد ثلاث سنوات
من برنامج "الإصلاح
الاقتصادي" الهادف إلى
إعداد البلد للعولمة، فقد هبطت
النفقات الحكومية المخصصة
للتعليم الابتدائي بنسبة 29%،
ولقطاع الصحة بمقدار 34%، وهو ما
أدَّى إلى تضاعف عدد الوفيات
بين الأمهات في فترة النفاس
خلال ثلاث سنوات فقط.
يقدِّم
معارضو العولمة هذه الأمثلة
وغيرها؛ لإثبات الآثار
السلبية للعولمة في كل العالم
وإدانتها.
العمَّال..
عبيد مصانع العولمة
توجد
أسباب عديدة تستدعي قلق من لا
ينتمي إلى فئة رؤساء الشركات
أو أصحاب الكفاءات العالية أو
أصحاب القرارات والأموال، فمن
ينتمي إلى الطبقة الوسطى أو
يكون موظفًا عاديًّا يجد نفسه
مهدَّدًا بالهبوط إلى مستوى
اجتماعي أدنى تحت ضغط
المتغيّرات التابعة للعولمة،
وخاصَّة إن كان يعيش في دولة
نامية لا تعرف التأمينات
الاجتماعية.
ويشير
العديد من الجمعيات والمنظمات
إلى المخاطر التي تشكِّلها
العولمة على العمال
والموظفين، والتي لا بدّ من
معرفتها باعتبار العمل هو
الخيط الرفيع الذي يفصل بين
الحياة الكريمة ووضع غير
إنساني تحت خط الفقر في هذا
العالم. من ذلك مثلاً:
-
تعارض "رابطة النقابات
العالمية" (ICFTU) جميع أنواع
الاستغلال والحدّ من الحقوق في
ظلّ العولمة. ويصرِّح السكرتير
العام لهذه الرابطة أن مئات
الألوف من العمَّال يجبَرون
على تحمّل ساعات طويلة من
الدوام، ويُمنَعون من حق تشكيل
نقابات للحفاظ على حقوقهم،
فتستفيد الشركات الكبيرة من
انخفاض رواتب العمال، ومن
تقبُّلهم كرهًا للعمل
المتواصل والشاقّ؛ خشية فقدان
مصدر رزقهم، وذلك إنما يعني
القبول بتبنِّي نوع حديث من
الاستعباد البشري.
وتدين
مجموعة "التبادل العالمي"
(Global Exchange) ظاهرة أخرى داعمة
للعولمة، وتشكِّل ضررًا
كبيرًا على مصالح العمال، وهي
"معاهدات التجارة الحرة"؛
إذ تهدد حقوق العمال وفرص
العمل، وحسب معلومات "التبادل
العالمي" فإن معاهدة
التجارة الحرة لشمال أمريكا
(NAFTA) كمثال تسبَّبت في هدم 400
ألف فرصة عمل في الولايات
المتحدة الأمريكية، أما في
المكسيك فأصبح مليون مكسيكي
يكسب في عمله أقل من الحد
الأدنى من متطلبات المعيشة،
وهبطت أوضاع ثمانية ملايين
عائلة من الطبقة المتوسطة إلى
مستوى الفقر والجوع منذ سرى
مفعول هذه المعاهدة عام 1994م.
كذلك
ففي الدول الصناعية هدَّدت
أحكام التنافس العالمي مصير
أماكن العمل التي تحتاج إلى
كفاءات متوسطة أو قليلة كما هو
حال غالبية العاملين، بينما
تحسَّنت الفرص بالنسبة إلى عدد
أقلّ ممّن يجمع بين الكفاءة
العالية والقدرة على التجديد.
ومن
الملحوظ أن الفجوة بين دخل
أصحاب الكفاءات والمناصب
العليا من ناحية والموظفين
العاديين من ناحية أخرى، قد
توسَّعت في السنوات الماضية،
كما تؤكد هيئة "برنامج الأمم
المتحدة للتنمية" (UNDP)؛ إذ
تذكر أن الفارق في الدخل
توسَّع داخل كل جولة على حدة،
وبين الدول في ظل العولمة،
وحسب إحصائياتها يمتلك 10% من
المواطنين الأغنياء في
ألمانيا مثلاً أكثر من 49% من
الدخل الصافي، بينما يتوزع 2,4%
من صافي الدخل على 50% من
السكان، ويلاحظ أنه في الدول
الإفريقية جنوب الصحراء
الكبرى أصبح صافي دخل الفرد
اليوم أقل بكثير مما كان عليه
الحال عام 1970م.
وهكذا،
بدأ الخوف من سقوط اجتماعي
يداهم الكثير من أبناء الطبقة
الوسطى في العالم، فالعولمة
وما يلحقها من هيمنة قوى السوق
تدعم توزيعًا غير عادل للأرزاق
يؤدي إلى تزايد حصاد أصحاب
الأموال وتناقص في مستوى دخل
العمال والموظفين وأصحاب
المشاريع الصغيرة.
النساء
ضحايا العولمة
النساء
في المقدمة بين ضحايا البطالة
وعدم الاستقرار في سوق العمل،
وهنَّ أول من يعاني من محاولات
الحدّ من حقوق العمال التي
تسببها العولمة، كما أكّد
المشاركون في مؤتمر نظمته "رابطة
النقابات العالمية" في
البرازيل قبل عامين، وحسب
معلومات مكتب العمل الدولي
أيضًا، فرغم ازدياد نسب وجود
المرأة في سوق العمل الدولي
منذ عشرين سنة، فإن رواتب
النساء لا تتجاوز 75% مما يحصل
عليه الرجال، ثم إنهن يحصلن
على عُشْر الدخل العالمي مقابل
90% للرجال، ويملكن أقل من 1% من
الأملاك العالمية؛ لذا لا
غرابة أن يكون 70% من فقراء
العالم من النساء، كما تفيد
المنظمة العالمية لرعاية
الطفولة (UNICEF)، ومعاناة نساء
العالم أكبر أيضًا من تأثير
الأمراض الاجتماعية المنتشرة
كالأمية، وعدم كفاية الشبكات
الصحية، والفقر، أي من الآثار
السلبية للعولمة.
وتضيف
"المجموعة المناهضة لمنظمة
التجارة العالمية" من
سويسرا إلى ذلك أن العولمة
تتدخل في النظم الاجتماعية
التقليدية واستقرارها؛ إذ
تدفع النساء إلى عدم القبول
بدورهن المعيشي، ومحاولة
الخروج منه للاستقلال
اقتصاديًّا وماليًّا، وهو ما
يعرِّضهن لضغوط مضاعفة.
مهاجرون
في ظل العولمة
تعتبر
هجرة الأيدي العاملة نتيجة
أساسية من نتائج العولمة؛
ولذلك تدين "المجموعة
المناهضة لمنظمة التجارة
العالمية" استغلال العمَّال
المهاجرين في مجال الإنتاج
وإبعادهم أو اعتقالهم
عشوائيًّا حسب الرغبة أو
الحاجة. وتقول المجموعة: إن
المهاجرين المرغوب فيهم بسبب
كفاءاتهم مثلاً يحصلون على
تصريحات إقامة خاصة، بينما
تشرِّع الحكومات قوانين أمنية
تحصِّن بلدانها من طالبي
اللجوء، كما نشاهد حاليًا في
أوروبا، وبذلك يتم تقسيم
المهاجرين وتصفيتهم ما بين من
يحتاج الاقتصاد إليهم باعتبار
مستوى الكفاءات، وآخرين غير
مرغوب فيهم، فتحاول الدول
التخلص منهم بأي طريقة. وبذلك
تُحرَم الفئة الضعيفة من
المهاجرين من الاستفادة من فرص
العولمة، ويحكم على أفرادها
بحياة لا أمل فيها في بلد غريب
تحت خطر الإبعاد، مع التعرّض
لضغوط اجتماعية تجعل منهم هدفا
للعنصريين والاستغلاليين وذلك
ما يدينه بعض معارضي العولمة.
سحب
مقاعد المتفرجين
قد
يوجد ما لا يعتبر مقنعًا أو ما
يتضمَّن المبالغات في
التصريحات والبيانات الصادرة
عن مناهضي العولمة، ولكن تسليط
الضوء عليها والتعمُّق في
محتوياتها، يؤكِّد وجود أسباب
كثيرة تستدعي من كل إنسان واعٍ
في العالم التفكير في مدى
تأثير التطورات الجديدة
التابعة للعولمة على حياته
الشخصية، كما يوجد العديد من
التطورات والقرارات في كل دولة
من الدول، وهو ما بات يشكِّل
ضررًا معيشيًّا للأفراد، فهل
يصلح الصمت عن ذلك، وترقّب ما
سيأتي بعدها، أم أنّه من
الضروري اتخاذ أسباب الوقاية
من الضرر الأكبر قبل وقوعه؟
يوجد
كما نلاحظ الكثير ممّن يعارض
الظلم ويرفع صوته بالاحتجاج ضد
الإساءات الجارية، ولكن من
الغريب ألاَّ نجد بين هذه
الفئات أحدًا من المعارضين من
بلدان العرب والمسلمين، ويبدو
أن هذه الشعوب تفضِّل الجلوس
على مقاعد جمهور المتفرجين
المريحة.. إلى أن يأتي قرار
بسحب المقاعد من تحتها أيضًا!!.
اقرأ
أيضًا:
حصيلة
دافوس 2000:
|