|
المتابع
لسجل صندوق النقد الدولي في
الدول النامية يجده مخيبا
للآمال، فطوال العقود الخمسة
الأخيرة من القرن الماضي عانت
الدول النامية بشدة من شروط
صندوق النقد الدولي، وهو ما
دفع العديد من الدول للشكوى
المريرة من آثار خضوعها لشروط
الصندوق، مع تزايد الدعوة
للتحرر من وهم هذه المؤسسة
خاصة من قِبل المنظمات غير
الحكومية.
وعليه
فإن رصد تجارب الدول النامية
سيكون مفيدا في إبراز صورة
الآثار المدمرة التي خلفتها
برامج وسياسات هذه المؤسسة
الدولية على الدول النامية.
وقصة السودان كدولة نامية خضعت
للصندوق، لا تختلف كثيرا عما
هو كائن في بلاد أخرى.
لقد
ارتبط السودان بالصندوق منذ
عام 1978، حيث التزم بمجموعة
السياسات ونموذج البرامج التي
يطرحها الصندوق على الدول التي
تطلب معونته الفنية والمالية،
وذلك لمعالجة الاختلال في
ميزان مدفوعاته الخارجية.
وكانت حصيلة تلك التجربة في
الفترة من 1978-1990 الفشل في
السيطرة علي عجز ميزان
المدفوعات وكذلك عجز
الميزانية العامة وإطلاق
العنان للتضخم مع التخفيض
المستمر للعملة الوطنية دون
أثر إيجابي يذكر على زيادة
الصادرات وإقلال الواردات. أما
علي الصعيد الاجتماعي
والسياسي فقد كانت النتائج
مريرة للغاية، وأفضت إلى آثار
سلبية على نحو مأساوي. مساهمة
في بيان ذلك نوضح ما يلي:
رفع
الدعم عن الضروريات
من
الإجراءات الاقتصادية التي
ينتهجها الصندوق العمل على
تقليل عجز الموازنة العامة
باعتباره سببا لعدم التوازن
الداخلي في الاقتصاد، وعليه
يتم تقليل النفقات العامة
للدولة من خلال رفع الدعم عن
السلع الضرورية والخدمات
الأساسية، وهو ما يؤثر بشكل
مباشر على الاحتياجات اليومية
والاستهلاكية لقطاع كبير من
السكان، وهم الذين يشكلون
الأغلبية، وبالتالي يكونون
عاجزين عن تلبية الحاجة
الضرورية من المأكل والملبس
والمشرب والعلاج والتعليم،
وهذا بدوره يؤدي إلى تدني
مستويات الإنتاجية نتيجة لسوء
التغذية ونقص الغذاء نفسه، فقد
سجلت الأرقام خلال عقد
الثمانينيات أن هناك ما لا يقل
عن مليوني شخص تعرضوا لخطر
نقصان الغذاء في السودان، وهي
نسبة في ذلك الوقت شكلت حوالي
11% من جملة السكان.
ويذكر
كذلك أن البلاد واجهت خلال
سنوات تطبيق سياسات الصندوق
أزمة استيراد الحبوب الغذائية
والنقص في مدخلات الإنتاج
الزراعي. وقد ساهم في هذا الوضع
الموارد الشحيحة من النقد
الأجنبي بسبب أن الحكومة اتجهت
لخدمة ديونها الخارجية
واستقطعت جزءا من الإنتاج
المحلي ليتم تصديره للخارج
لتوفير المزيد من العملات
الصعبة لمقابلة أقساط الديون
وفوائدها الكبيرة.
وفي
ظل برامج الصندوق تم تحرير
أسعار الضروريات وإلغاء الدعم
بالكامل عن السلع الضرورية
الأمر الذي تضرر منه الفقراء
والطبقات محدودة الدخل بشكل
كبير، وتعكس الأرقام القياسية
بالنسبة للمستهلكين في
السودان مدى ارتفاع تكاليف
المعيشة لذوي الدخول المتوسطة
والمنخفضة حيث وصل معدل التضخم
لتلك الفئات حوالي 67% في عام 1990.
السماسرة
يأكلون الدخل القومي
أدت
الضغوط التضخمية المتزايدة
وإجراءات تخفيض الجنيه
السوداني المتكررة ابتداء من
1978 إلى 1991 إلى سوء توزيع الدخول
بحيث توزع الدخل القومي لصالح
فئات محدودة من التجار
والسماسرة والطفيليين الذين
أفرزتهم تجارة العملة في السوق
السوداء والذين تكونت ثرواتهم
جراء المضاربة في أسعار
الضروريات وتجارة التهريب.
وبالتالي كان ذلك على حساب
الفئات الفقيرة وفئات محدودي
الدخول من العمال والموظفين
والمزارعين وموظفي الدولة
الذين أعجزهم التضخم عن تلبية
حاجاتهم الضرورية.
أيضا
خلال سنوات الإذعان لنصائح
الصندوق نجد أن الثروة تركزت
في أيدي فئات قليلة من السكان
فنسبة الفقر تزايدت خلال حقبتي
الثمانينيات حتى وصلت إلى 40% من
جملة السكان، وهم الذين يحصلون
فقط على نسبة تتراوح بين 12-15% من
الدخل القومي، بينما نجد
الأغنياء الذين يشكلون 10% فقط
من جملة السكان حصلوا على نسبة
تتراوح بين 24-39% من الدخل
القومي.
تناقص
الإنفاق على التنمية
من
الآثار الخطيرة لبرامج
الصندوق التي طبقت في السودان
أن الإنفاق على التنمية
الاقتصادية والاجتماعية قد
تناقص بشكل ملحوظ، فقد وصلت
معدلات الإنفاق على التنمية
إلى معدلات سلبية في بعض
السنوات؛ وهو ما يعني أن
الحكومة تخلفت عن القيام
بمسؤولياتها في مجال الصحة
والتعليم والبيئة، وقد وصلت
المصروفات الفعلية على
التنمية في الفترة من 1986-1991 إلى
أكثر من النصف وتواصل الانخفاض
حتى بلغ 11.1% كنسبة إجمالية من
إجمالي المصروفات الفعلية في
الفترة 1998-1991، في الوقت الذي
شكلت فيه المصروفات علي الأمن
والدفاع أكثر من 50% من موازنة
الحكومة المركزية.
ولم
تخرج سياسات التنمية طيلة
الفترات التي ارتبط فيها
السودان بالصندوق عن دائرة
تعمير المشروعات القائمة
وإعادة تأهيلها. ويلاحظ أن
برامج التعمير وإعادة التأهيل
لم يكتب لها النجاح وتعثرت
كثيرا بسبب عجز الحكومة عن
السداد عند الأجل المحدد
وبالتالي أحجم المانحون عن
التمويل وتناقص بذلك المكون
الأجنبي في برامج إعادة
التأهيل والذي شكل وقتها نسب
تتراوح بين 40-60%، وفي المقابل
صُرف النظر تماما عن المشروعات
التنموية الجديدة واعتبرت
المصروفات الفعلية علي تعمير
المشروعات القائمة أعلى من
المصروفات على الاستثمار
بنسبة تصل إلى 0.3% ونتيجة لتعثر
عمليات إعادة التعمير اتجهت
الدولة إلى التخلص من المؤسسات
العامة وتصفية العديد منها
تماما.
الاعتماد
على الضرائب
بنيت
سياسات الإصلاح المالي في ظل
الارتباط بصندوق النقد الدولي
على أساس الضرائب بنوعيها (المباشر
وغير المباشر) وحصلت زيادات
كبيرة وباهظة على المواطنين
بموجب الرسوم والجمارك التي
فُرضت على أرباح الأعمال
والدخل الشخصي والعقارات
وضرائب المبيعات والمساهمة
الإلزامية، وهي ضرائب مباشرة
يقع عبؤها على المستهلكين،
إضافة إلى الضرائب غير
المباشرة والتي يحول التجار
عبأها إلى المستهلكين.
وهذا
العبء الضريبي صاحبته إجراءات
غير عادلة وغير قانونية حتى
يتم تحصيل النسبة المطلوبة من
الضرائب حيث شكلت الإيرادات
الضريبية نسبة أكثر من 50% من
جملة الإيرادات الحكومية خلال
فترة البرنامج.
فوضى
قرارات وتضارب نتائج
من
أبرز ما يميز سياسات "الإصلاح"
المالي والهيكلي التي يطالب
بها الصندوق أنها تؤدي إلى
نتائج متناقضة ومتضاربة؛
فعلاج مشكلة ما يؤدي إلى ظهور
مشكلة أخرى ولذلك تجد الحكومة
نفسها في وضع غير مستقر من حيث
القرارات الاقتصادية، مثالا
على ذلك: سياسة حرية التعامل في
النقد الأجنبي التي طبقت بناء
على توصيات الصندوق وكشفت بشكل
سافر مدى التأثير الخارجي على
اتخاذ القرار الاقتصادي ومدى
ارتباط ذلك بالفوضى
الاقتصادية – فقد أفرزت سياسة
التحرير مجموعات من المضاربين
والطفيليين في السوق السوداء
ساهموا في انحراف الجهاز
المصرفي واستدرجوه لتقديم
تسهيلات مصرفية لتمويل عمليات
المضاربة في الأقوات.
وأدى
هذا الاتجاه إلى تبديد
الموارد من النقد الأجنبي
وإحداث تشويه في تخصيص الموارد
وخروج عن التزامات الجهاز
المصرفي الداعمة للسياسات
القومية في مجالات الإنتاج
الزراعي والتنمية الاقتصادية
الحقيقية. وهناك كثير من
البنوك وقعت في تجاوزات وضعتها
تحت طائلة المساءلة القانونية
من جانب البنك المركزي؛ وذلك
لتمويلها عمليات المضاربة في
الأقوات أو السلع الهامشية
وكلاهما يصب خارج العمليات
الإنتاجية.
هروب
14 مليار دولار في 8 سنوات
ساعدت
سياسة الإصلاح المالي، وفق
رؤية الصندوق، التي انتهجها
السودان في تلك الفترة إلى
طغيان نمط الاستهلاك المهدر
للموارد النادرة من النقد
الأجنبي في مجالات لا يستفيد
منها المجتمع وذلك نتيجة
لاكتناز الثروة في أيدي فئات
قليلة لديها ميل كبير
للاستهلاك البذخي والمترف.
من
ناحية أخرى أدت السياسة
المالية إلى زيادة معدلات
التضخم والتي قادت بدورها إلى
ركود تضخمي دفع برؤوس الأموال
للخارج عبر استغلال
الامتيازات التفضيلية لممولي
سياسات التصدير والاستيراد
تحت ظل سياسة التحرير
الاقتصادي. وقُدّرت الزيادة في
نسبة تهريب رؤوس الأموال
لإجمالي الموارد المتاحة
للاقتصاد بحوالي 19.5% في سنة
77/1978 بالصندوق، بينما وصلت إلى
32.2% في سنة 83/1984، كما قُدّر حجم
الأموال التي هُرّبت في الفترة
1978-1986 بحوالي 14 مليار دولار
أمريكي.
اضطراب
سياسي وغياب وطني
أدى
التضخم المتسارعة خطواته في ظل
اتباع روشتة الصندوق إلى
مطالبات نقابات العمال بزيادة
الأجور وذلك حتى يمكن مقابلة
ارتفاع الأسعار في ظروف رفع
الدولة يدها عن دعم بعض السلع
الضرورية، وقد قابلت الحكومة
هذه المطالبات العُمّالية
بالرفض وإجراءات التشريد من
العمل باسم الخصخصة، ومن
جانبها مارست نقابات العمال
ضغوطا واسعة كان من بينها
الإضراب المفتوح عن العمل.
كل
ذلك أفضى إلى احتجاجات
ومظاهرات عارمة في مارس 1985 أدت
إلى سقوط حكومة النميري وكان
من الشعارات المدوية في هذه
المظاهرات (لن يحكمنا صندوق
النقد الدولي ... لن يحكمنا
البنك الدولي) وكذلك تكرر
الشيء نفسه مع الحكومة
الديمقراطية التي أُجهضت في
يونيو 1989 لعدة أسباب كان من
بينها الضغوط التي مارسها
صندوق النقد الدولي لتخفيض سعر
الجنيه السوداني كإجراء عاجل
مطلوب تنفيذه بلا تردد.
وبشهادة
خبراء صندوق النقد الدولي فإن
بعض الفشل الذي منيت به جهود
الصندوق مع الدول النامية يعود
إلى أن الدول المعنية لم تشارك
المشاركة الكافية في صياغة
البرامج التي يضعها الصندوق،
وأن هناك قدرا من عدم الاقتناع
بأن البرامج قد صُممت بطريقة
مناسبة وملائمة، وهذا بالضبط
هو ما حدث بالنسبة للسودان إذ
لم تكن الإدارتان الاقتصادية
والسياسية تساهمان بقدر مقنع
في رسم السياسة الاقتصادية،
وقد صيغت كل البرامج
الاقتصادية التي طبقها
السودان خلال فترة الدراسة وفق
توصيات وتدخلات خبراء صندوق
النقد الدولي دون أن يملك
المسؤولون الوطنيون الشجاعة
الكافية لرفض تلك النصائح أو
الجهر بمخالفتها.
اقرأ
أيضًا:
|