 |
|
التطلع
للهجرة مع بشائر الصيف |
ما
إن تحل بشائر الصيف في معظم دول
الخليج - والتي غالبا ما تبدأ
في شهر إبريل وتستمر حتى نهاية
شهر أكتوبر في أطول فصل من فصول
السنة، لا تعرفه سوى دول
الخليج - حتى تشحذ الهمم، ويفكر
الجميع- مواطنون ووافدون- في
إعداد العدة، وحزم العتاد إلى
الخارج؛ معلنين بدء موسم
الهجرة إلى كل اتجاه في
العالم، بدءا من "لندن"
عاصمة الضباب التي يعرف
الخليجيون فيها كل صغيرة
وكبيرة، وانتهاء بوجهات
سياحية جديدة اكتشفوها مؤخرا،
مثل: أستراليا، وتايلاند،
وماليزيا.
أما
الوافدون- كما يُطلَق عليهم في
دول الخليج- فعادة ما يقومون
برحلاتهم السنوية إلى بلادهم؛
حيث يفضلون قضاء الصيف مع
ذويهم، بعد أن يحملوا معهم
الهدايا والتحويلات النقدية
التي يدخرونها طوال العام.
على
مدى 6 أشهر، هي مدة فصل الصيف في
الخليج، يتوقف النشاط
الاقتصادي تماما؛ فالجميع
يهربون من شدة الحرارة التي
تصل في بعض دول الخليج صيفا إلى
50 درجة مئوية. واعتاد الناس،
كما اعتاد المستثمرون
الأجانب، على أن شهور الصيف في
الخليج من الشهور المعدمة
اقتصاديا؛ حيث تخلو المصالح
الحكومية من موظفيها، وتبدو
الأسواق ومراكز التسوق التي
تعج في بقية شهور السنة
بالمتسوقين خاوية على عروشها،
ولا تجد المحلات مشتريًا، رغم
انخفاض الأسعار بصورة ملحوظة.
من
هذه الزاوية أصبح النشاط
الاقتصادي في الخليج مرتهنا
بالموسمية، وباتت الحرارة
تؤثر على العمل التجاري
والمستوى العام؛ فدرجات
الحرارة تصل إلى قمتها في شهري
يوليه وأغسطس؛ حيث يبلغ متوسط
درجة الحرارة الكبرى اليومي 45
درجة مئوية في الرياض، وحوالي
41 درجة مئوية في دبي، وتكون
مصحوبة بمستويات عالية من
الرطوبة؛ لذلك ليس غريبا أن
يُعتقد أن فصل الصيف هو موسم
انخفاض النشاطات.
أحد
المؤشرات المهمة التي تقيس
هجرة البشر صيفا من دول الخليج
هو نمط حركة المسافرين جوًّا
من مطارات دول الخليج، وحسب
تقرير أصدره بنك HSBc البريطاني،
فإنه بحلول شهر يوليه من كل عام
يغادر كلاًّ من البحرين وقطر (30
–40) ألف شخص، ويغادر مطار دبي
حوالي 70 ألف شخص، ومطار الكويت
125 ألف شخص، ومطارات المملكة
العربية السعودية أكثر من 250
ألف شخص؛ حيث تعد السعودية
أكبر بلد خليجي يشهد هجرة
بشرية في فصل الصيف. وإجمالا
فصافي عدد المغادرين في
السعودية في فترة الذروة في
الصيف تمثل 4,1% من إجمالي عدد
سكان المملكة، بينما تتراوح
نسبة المغادرين بالنسبة
للبحرين والكويت وقطر ودبي ما
بين 7% و9% في شهر أغسطس.
ويعتاد
المراقب بداية من شهر يونيه،
وكما هي الصورة الآن، أن يلحظ
حركة غير عادية في المطارات
الخليجية، وعبر الحدود
البرية؛ حيث تنشط حركة السفر
الجوي والسيارات عبر الطرق
البرية في نقل الآلاف إلى
الخارج؛ هربًا من حرارة المناخ
وقضاء العطلات الصيفية في
الخارج.
وهكذا؛
فعلى عكس النشاط الاقتصادي في
دول الخليج الذي يظل طوال شهور
الصيف يعاني من الركود، يشهد
قطاع الطيران حركة غير مسبوقة،
وتضطر كافة شركات الطيران إلى
زيادة عدد رحلاتها؛ لاستيعاب
الهجرة الجماعية من دول الخليج
إلى الخارج، وترتفع أسعار
تذاكر الطيران بنسب كبيرة؛
فالطائرات تقلع من المطارات
الخليجية مكتظة بالركاب،
وتعود إليها خاوية تماما،
فالحركة القادمة ضعيفة للغاية.
إزاء
ذلك أصبح فصل الشتاء موسم
الذروة بالنسبة للنشاط
الاقتصادي والسياحي بالتحديد؛
فدول الخليج التي تروج
لسياحتها بين الأوربيين:
كالإمارات، والبحرين، تستقبل
معظم زائريها الذين يأتون
للراحة والاستجمام في فصل
الشتاء؛ حيث يكون الطقس
معتدلا، كما أن فصل الشتاء يعد
الموسم الذي تكثر فيه المعارض
والمؤتمرات؛ فمن بين حوالي 235
معرضا يقام في دول الخليج الست
خلال العام تقريبا، تقام منها
103 معارض في الربع الأخير من
العام، ولا يقام منها أي معرض
في شهري يوليه وأغسطس.
آسيا
تنتزع الخليج من أوربا والعرب
منذ
سنوات وبحكم التاريخ، اعتاد
الخليجيون صيفا على حزم
أمتعتهم في اتجاه العاصمة
البريطانية "لندن" التي
تستقبل الآلاف من الخليجيين.
وحسب مسئول بهيئة السياحة
البريطانية، فإن السعوديين
والإماراتيين هم أكثر
الجنسيات الخليجية ترحالا
صيفا إلى لندن، وهم الأكثر
إنفاقا هناك طيلة إقامتهم؛
لذلك يقلع من الإمارات يوميا
حوالي ست رحلات طيران إلى لندن
بمتوسط 400 مقعد للطائرة
الواحدة. غير أن السنوات
الثلاث الماضية شهدت تحولا في
اتجاهات السفر بالنسبة
للخليجيين صيفا، ويبرز ذلك
بوضوح في الإمارات؛ حيث اكتشف
الإماراتيون- ومعهم الخليجيون
أيضا- وجهات سياحية جديدة في
آسيا، مثل: ماليزيا، وتايلاند،
وسنغافورة، وهونج كونج،
وأخيرًا أستراليا، رغم بُعد
المسافة للوصول إليها.
وجاء
هذا التحول نتيجة اكتشاف خليجي
بأن لندن وأوربا أصبحت مرتفعة
التكلفة، إضافة إلى تعرّض
العديد من العائلات الخليجية
لعمليات سرقة وسطو مسلح في بعض
العواصم الأوربية.
وساعد
انخفاض قيمة العملات
الآسيوية، كنتيجة للأزمة
الاقتصادية التي تعرضت لها دول
جنوب شرق آسيا، على جعل الحياة
في آسيا رخيصة للغاية؛ ولهذا
السبب وجد الإماراتيون في
الوجهات الآسيوية مبتغاهم في
السفر صيفا، باعتبارها أجمل
وأرخص.
وحسب
الإحصاءات، فإن عدد السياح من
منطقة "الشرق الأوسط" إلى
بلد آسيوي، مثل تايلاند، بلغ
العام الماضي 200 ألف سائح، منهم
34 ألفًا من الإمارات، كما أن
ماليزيا تستقبل أكثر من 100 ألف
زائر من دول الخليج سنويا.
وفي
المقابل، فإن أعداد الخليجيين
الذين يتجهون إلى الدول
العربية لقضاء الصيف، مثل:
القاهرة، وبيروت، وعمان، بدأ
في التناقص في السنوات الثلاث
الماضية. فحسب تقرير لوزارة
السياحة المصرية، انخفض عدد
السياح العرب القادمين إلى مصر
خلال عامي 1999 و2000؛ حيث بلغ
عددهم العام الماضي 994,553
سائحًا قضوا 5,577,746 ليلة
سياحية، مقارنة بـ 1,069,579
سائحًا عام 1998، وهو العام الذي
أُطلق عليه "عام السياحة
العربية لمصر"، بعد حادث
الأقصر.
والسبب
كما يقول مسئولون سياحيون أن
الوجهات العربية فشلت في تسويق
وترويج نفسها بشكل جيد على عكس
الآسيويين والأوربيين، الذين
يرصدون ميزانيات ضخمة للترويج
الإعلاني في الخليج، في حين لا
تبذل الوجهات العربية أي جهد
ترويجي يذكر تحت دعوى أن "العرب
قادمون، قادمون".
وحاليا
في الإمارات، فإن غالبية
البرامج السياحية المعروضة في
السوق على العائلات الخليجية،
التي بدأت الترحال للخارج هي
لدول آسيا وأوربا وأستراليا،
في حين تندر العائلات التي
تذهب إلى دول عربية.
وقد
أوضح مسئول سياحي إماراتي أن
السياحة العربية ستتعرض
لخسائر جمة إذا استمر نمط
تفكير المسئولين السياحيين
على هذا المنوال؛ فالسائح
الخليجي يتعرض في الدول
العربية لمضايقات معروفة في
المطارات والمواقع السياحية
ومن سائقي التاكسيات في
الشوارع، ناهيك عن العروض
المغرية التي تُطرح من قبل
الجهات الأجنبية، والتي لا
يمكن وصفها إلا بالتعبير
المصري "يا بلاش"، وهو ما
يعني أن الآسيويين نجحوا
بالفعل في انتزاع السياحة
الخليجية من العرب ومن أوربا
أيضا؛ حيث تشير التوقعات إلى
أن السنوات المقبلة سوف تشهد
تدفقا خليجيا على آسيا.
قروض
الصيف تسدد طوال العام!
في
الإمارات اعتادت الكثير من
العائلات على تدبير نفقات
السفر من خلال الاقتراض من
البنوك، بل إن العديد من
البنوك تغري الإماراتيين،
وكذلك الوافدين، بالاقتراض من
خلال الإعلانات التي تطارد
الناس، مثل: "قرض السفر".
وتجد
العائلة، خصوصا إذا كانت كبيرة
العدد، في قرض البنك وسيلة
سهلة ومريحة لقضاء الصيف في
الخارج، وغالبا ما تنشط حركة
الاقتراض من البنوك في شهور
الصيف لغرض السفر.
يروي
أحد المقترضين أنه اعتاد سنويا
على الاقتراض من البنك بحدود 100
ألف درهم، أي ما يعادل 28 ألف
دولار؛ لقضاء إجازة الصيف مع
أفراد أسرته المكونة من 4
أشخاص، في بلد مختلف كل عام،
وأنه يظل يسدد في القرض طوال
السنة من راتبه، وما إن ينتهي
من سداد القرض؛ حتى يحل الصيف
مرة ثانية؛ فيقترض مرة أخرى.
وهذا
غالبا هو حال معظم العائلات
الإماراتية، خصوصا محدودة
الدخل. أما العائلات الغنية
فهذه عادة لا تقترض من البنوك،
وتنفق الآلاف من الدولارات في
رحلاتها الصيفية، التي عادة لا
تقتصر على زيارة بلد واحد،
فمثل هذا العائلات تمكث ما
يقرب من 3 شهور في الخارج، هي
مدة الإجازة الصيفية، تتنقل
خلالها في أكثر من بلد.
ويُصنَّف
الإماراتيون في مرتبة ثالثة
بعد السعوديين والكويتيين من
حيث حجم الإنفاق على السفر
للخارج صيفا، لكن في المقابل
تذكر الدراسات أن تحويلات
العمالة الوافدة التي يتم
تحويلها في الصيف من الإمارات
تقدر بمليارات الدولارات؛ حيث
يعتاد الوافدون على القيام
بإجازاتهم السنوية في الصيف،
ويرحلون إلى بلادهم بتحويلات
نقدية باهظة.
وحسب
مسئولين في البنك المركزي
الإماراتي، فإن حجم التحويلات
النقدية للعمالة الوافدة في
الإمارات تقدر سنويا بحوالي 15
مليار دولار، معظمها يجري
تحويله في شهور الصيف، ويضطر
البنك المركزي إلى ضخ المزيد
من "الدولارات" في
الأسواق صيفا؛ لمواجهة الضغط
الشديد على شراء وتحويل
الدولار من قبل الوافدين إلى
الخارج، إضافة إلى طلب
الإماراتيين أيضا للدولار
لاستعماله في رحلاتهم
السياحية في الخارج.
حقيقة،
هناك خسائر يتكبدها الاقتصاد
الإماراتي كغيره من اقتصاديات
دول الخليج من جراء موسم الصيف.
وحسب الدراسات، فإنه إذا كان
بالإمكان المحافظة على مستوى
النشاط التجاري والاقتصادي
على مدار العام بمستوى الربع
الأخير من العام، فإن ذلك
سيضيف حوالي 10% إلى الناتج
المحلي الإجمالي غير النفطي.
المهرجانات
تحيي صيف دبي
أدركت
إمارة دبي منذ العام 1998
الخسائر التي يتعرض لها
الاقتصاد صيفًا، نتيجة هجرة
الآلاف من البشر وملايين
الدولارات؛ لذلك بدأت الحكومة
تنظم كل عام، ولمدة شهرين
كاملين، "مهرجان الصيف"
الذي يبدأ من نهاية شهر يونيه
حتى نهاية شهر أغسطس، على غرار
"مهرجان دبي للتسوق" الذي
تنظمه في مارس من كل عام.
ويستهدف المهرجان إقناع
الإماراتيين والوافدين
بالبقاء داخل البلاد، وعدم
الهجرة، من خلال تنظيم فعاليات
ترفيهية ورياضية وثقافية
ومسابقات لجذب المقيمين في
البلاد.
والحقيقة
أنه منذ تدشين هذا المهرجان
عام 1998، بدأت أعداد المهاجرين
تقل إلى حد ما، بل إن هناك من
العائلات الخليجية، خصوصا من
السعودية، مَنْ تأتى لقضاء
الصيف في دبي، بدلا من السفر
إلى أوربا أو أي وجهة أخرى.
وتحقق
مراكز التسوق المكيفة مبيعات
جيدة في الصيف، وكذلك الفنادق
التي بدأت ترتفع فيها نسب
الأشغال، وهى التي كانت تشكو
في السابق من قلة الرواد
والنزلاء؛ حيث تصل نسب إشغال
الفنادق في دبي طوال شهور
الصيف حوالي 65%، مقارنة بأقل من
40% في السابق.
واقتبست
بعض دول الخليج الفكرة من دبي؛
حيث تقام المهرجانات في الصيف
في عواصم خليجية، مثل:
مهرجانات جدة، والمدينة
المنورة، وعسير في السعودية؛
ومهرجان صلالة في سلطنة عمان،
وغيرها من المهرجانات
الخليجية التي تقام في الصيف،
في محاولة جادة لتقليل حجم
الهجرات الخليجية صيفا، خصوصا
بعد أن كشفت الدراسات أن
الخليجيين ينفقون حوالي 27
مليار دولار على رحلات السفر
للخارج.
ويحاول
مسئولون سياحيون في لجنة
السياحة الخليجية المنبثقة عن
اتحاد الغرف التجارية في دول
الخليج إيجاد آلية للتنسيق بين
دول الخليج التي تنظم مهرجانات
صيفية، بحيث لا تتضارب مع
بعضها، وبحيث تعطي الفرصة
للمواطن الخليجي للانتقال إلى
بلد خليجي آخر صيفا؛ لقضاء جزء
من إجازته، بدلا من السفر إلى
الخارج.
وهكذا،
تحاول دول الخليج التغلب على
قسوة الظروف المناخية التي
تتسبب في هجرة البشر والأموال
بتنظيم الفعاليات والمسابقات
والمهرجانات، وإعلان المشاريع
التنموية الكبيرة، في محاولة
منها لإقناع المستثمرين أيضا
بعدم جدوى السفر صيفا والركون
لظاهرة أن الصيف هو موسم
الركود في حركة الاقتصاد.
اقرأ
أيضًا:
|