 |
|
فقراء العالم يتزايدون يوميًّا! |
هوة
كبرى بين الإحساس بالوعي تجاه
مشكلة الفقر في العالم والواقع
القائم، تماثل الهوة بين الفقر
والثراء، فالاتحاد الأوروبي -
على سبيل المثال - ينفق سنويًّا
مليارات الدولارات لدعم أسعار
المنتجات الزراعية والغذائية
في بعض بلدانه الأعضاء؛ كي
تتمكن من المنافسة الدولية،
والحيلولة دون فتح أسواقه أمام
منتجات البلدان النامية
أيضًا، ولا يجهل المسؤولون في
الاتحاد الأوروبي – لا سيما
مفوض شؤون التنمية نيلسون – أن
عجز البلدان الفقيرة عن "إرغام"
الدول الصناعية على فتح
أسواقها؛ يسبب خسائر مالية
سنوية للدول النامية الفقيرة،
يقدرها خبراء منظمة مؤتمر
التجارة والتنمية التابعة
للأمم المتحدة بمائة مليار
دولار سنويًّا، أي أكثر من ضعف
حجم القروض الإنمائية التي
تحصل عليها تلك البلدان.
مأساة
الفقر لا تحتاج إلى "زيادة
الوعي بها" - كما يقول مفوض
شؤون التنمية الأوروبي - فعلى
الأقل يعيها كلَّ الوعي الفقير
الذي لا يجد قوتًا لأولاده،
ولا دواء لمرضه، ولا عملاً
لكسب رزقه.. ولكن إذا كان الوعي
ناقصًا فعلاً في الدول
الصناعية بالذات؛ فالسياسة
المتبعة توحي بأنه نقص قائم
على مستوى السياسيين في الدرجة
الأولى، كما تعبر عن ذلك
المظاهرات الضخمة التي بدأت
ترافق مؤتمرات "العولمة"
في أنحاء العالم.
مكافحة
الفقر.. خطة مزعومة
في
البيان الختامي الصادر يوم
20/5/2001 عن المؤتمر الثالث
لمكافحة الفقر، كان الحديث
واضحًا عن أن المخرج من حلقة
الفقر المفرغة يكمن في فتح
الأسواق الاستهلاكية في
البلدان الصناعية أمام منتجات
الدول الفقيرة، وفي زيادة نسبة
الاستثمارات فيها، مع تركيز
الدعوة إلى القطاع الاقتصادي
الخاص للإقدام على تلك
الاستثمارات.. بل ويدور الحديث
عن خطة يراد مراجعة تنفيذها
عام 2006، أي في منتصف المدة قبل
حلول موعد انعقاد المؤتمر
العالمي الرابع لمكافحة
الفقر، وهي مجرد كلام لذرّ
الرماد في العيون لا أكثر ولا
أقل، ومن شاء فلينظر في تفاصيل
نتائج مؤتمر الأمم المتحدة في
ضيافة الاتحاد الأوروبي في
بروكسل، وسيجد على سبيل المثال:
1
- أنَّ الدول الصناعية، لا سيما
الولايات المتحدة الأمريكية
واليابان وكندا، لم تقبل
بتحديد موعد لإلغاء الحواجز
الجمركية والتجارية في وجه
منتجات الدول النامية، بينما
بقيت المواعيد التي سبق
الاتحاد الأوروبي إلى
الموافقة عليها قبل المؤتمر
مواعيد مدروسة بآجال بعيدة
المدى، لا يمكن أن تساهم
إسهامًا حقيقيًّا وسريعًا في
تخفيض نسبة عدد ضحايا الجوع
والفقر والمرض الآن في البلدان
الأفقر من سواها.
2
- لم تُظهر البلدان الصناعية
استعدادًا لرفع حجم القروض
الإنمائية التي هبطت نسبتها
خلال السنوات العشر الماضية،
فلم تَعُد تصل إلى واحد ونصف في
الألف من الناتج الإجمالي
العام في البلدان الصناعية،
بينما كانت الأمم المتحدة قد
قررت نسبة 7 في الألف كحد أدنى،
منذ الخمسينيات الميلادية
الماضية.
3
- بقي استعداد البلدان
الصناعية لإلغاء بعض الديون
على الدول الأفقر من سواها
مائعًا كما كان قبل اللقاء،
وقد بلغت هذه الديون في هذه
الأثناء أكثر من مائة وخمسين
مليار دولار على 49 دولة (من أصل
أكثر من ألف وثمانمائة مليار
على الدول النامية بمجموعها)،
بينما بقيت حصيلة ما يراد
تخفيفه من تلك الديون (وعلى
الأصح تخفيفه في الدرجة الأولى
من الفوائد الربوية المركبة
على تلك الديون) عن طريق
البرنامج "الضخم" الذي
أعلنت عنه الدول الصناعية
السبع قبل عامين، في حدود ستين
مليار دولار حتى الآن، وبشروط
مرهقة مشدّدة تضع مستقبل
الاقتصاد في البلدان المدنية،
رهنًا لصناعة القرار في
البلدان الصناعية في الدرجة
الأولى تحت عنوان "الإصلاحات
الاقتصادية".
4
- أما الدعوة إلى تنشيط
الاستثمارات من جانب القطاع
الخاص، فلا يتوقع أحد من
الخبراء أن تجد اسـتجابة،
فأصحابها يسعون للربح، وهو ما
لا يمكن تحقيقه في البلدان
الفقيرة المعنية بالذات بسبب
النقص الكبير في البنية
التحتية لديها، ومن جهة أخرى
لا يمكن توفير تلك البنية
التحتية في المستقبل المنظور
دون توفير الاستثمارات
اللازمة لها، وهي بلاد لا
تستطيع توفير تلك الاستثمارات
ذاتيًّا.
إن
وعي السياسيين في دول الشريط
الشمالي الضيق المحتكر
للرفاهية في العالم بحقيقة
المشكلة ليس ضعيفًا، فمأساة
الفقر تتحدث بالأرقام التي
يفهمونها تمامًا، ولو توفّرت
لديهم الإرادة السياسية لحلها
فسوف يبدأ حديثهم عن ذلك
بالأرقام أيضًا، وليس
بالتعبير عن نوايا "طيبة"
وآمال حذرة.
الفقر..
والمخرج من المأساة
بينما
تنتشر الدعوات إلى تخفيض حجم
الطاقة البشرية في البلدان
النامية بالذات، فإنّ متوسط
كمية الثروات التي يستهلكها
الفرد في ألمانيا - مثلاً - خلال
فترة حياته بكاملها يعادل أكثر
من ستين ضعف ما يستهلكه الفرد
في مصر كبلد نامية.. أي ينبغي
الحدّ من إنجاب ستين طفلاً في
مصر لإنجاب طفل واحد في
ألمانيا وضمان حياته المرفهة،
ولو خُصّصت المليارات التي
تنفق على تشجيع الإنجاب في
البلدان المتقدمة؛ والمليارات
التي تنفق للحدّ منه في
البلدان النامية؛ لتوفير
الموارد المعيشية اللازمة،
لكانت كافية لتغطية الزيادة
السكانية البشرية الحالية،
ولزمن طويل.
هذا
ممَّا يشير إليه "صادق رشيد"
من منظمة رعاية الطفولة عندما
يقول: "إن المعطيات الطبيعية
متوفرة في العالم بما فيه
الكفاية، ولكن الإرادة
السياسية مفقودة"، مؤكدًا
ضرورة التحرك بمشاريع عملية
تُعنى بالاستثمار على الصعيد
الاجتماعي، أي على مستوى
الإنسان، كما في قطاع تعليم
الأطفال مثلاً، ففي البلدان
النامية الشديدة الفقر أكثر من
مائة وعشرة ملايين طفل - من أصل
620 مليون نسمة - من المحرومين من
حق التعليم الذي تثبته مواثيق
الأمم المتحدة لسائر البشر،
وهذا بسبب الفقر الذي جعل أكثر
من مليار ومائتي ألف نسمة
يعيشون على ما يعادل أقل من
دولار واحد في اليوم، والنسبة
العظمى منهم في البلدان
النامية، ومن بينها الدول
الأفقر من سواها، التي ارتفع
عددها خلال أقل من ثلاثين
عامًا إلى ضعف ما كانت عليه،
فبلغ في هذه الأثناء تسعًا
وأربعين دولة.
والأمم
المتحدة "جهاز" ومنظماتها
خاضعة للإرادة السـياسـية
التي تفرضها موازين القوى
الحالية وليس الحقوق المثبتة
في المواثيق الدولية،
فالمسؤولية تقع أولاً على تلك
الدول التي تصنع بإرادتها
السياسية القرار العالمي، ولا
يعني هذا القبول بأخذ ذلك
ذريعة لتبرئة بعض المسؤولين
الذين يشغلون مناصب رفيعة في
الأجهزة الدولية أنفسهم، وهو
ما يسعون إليه بدعوى أنه لا
قِبَلَ لهم بمواجهة القوى
الكبرى، وكأنّهم يقرّون بأنّ
وجودهم في هذا المنصب لا يفيد
في التأثير على صناعة القرار
الدولي لصالح البشرية عمومًا،
ورغم ذلك فهم باقون فيه.. فما هي
أسباب البقاء الأخرى إذن؟..
الإصرار
على استمرار الفقر
لا
تقع مسؤولية تفاقم مأساة الفقر
على الدول الصناعية وحدها،
وإنما تقع أيضًا على عاتق
غالبية حكومات البلدان
النامية إن لم نقل جميعها،
فهوة الفقر والثراء لا تقتصر
على الشمال والجنوب، بل أصبحت
علامة مميزة في سائر بلدان
العالم الثرية والفقيرة على حد
سواء، في ظل تطبيق ما تبقّى من
نظم شيوعية، وكذلك في ظل تطبيق
الرأسمالية الجشعة والأنظمة
المقلدة لها.. الفقر منتشر في
أنحاء العالم ولكن مع فوارق
معروفة، فانتشار الفقر بين
زهاء ثلاثين مليون أمريكي
ومثلهم في غرب أوروبا، لا
يشابه انتشار الفقر على مستوى
تسعين في المائة من سكان الدول
النامية، فهنا يعني الفقر
الاستغناء عن رفاهية مترفة،
والاكتفاء بحدّ أدنى من ضرورات
المعيشة، وقد يصل إلى مستوى
أشدّ عند نسبة محدودة من
السكان، بينما يعني الفقر هناك
حياة البؤس والفاقة والموت،
وهذا مقابل وجود طبقات مترفة
في تلك البلدان النامية أيضًا،
الفقيرة منها والأشد فقرًا،
كما في الهند، أو مصر، أو
البرازيل، وغيرها من البلدان
التي شهدت نموًّا اقتصاديًّا
كما يقال.
هنا
بالذات تكتمل الحلقة المفرغة
في "صناعة" مأساة الفقر،
والتي ساعدت ظاهرة العولمة على
إحكامها، فَتَحْت عناوين
تحرير التجارة وفتح الأبواب
أمام الاستثمارات الأجنبية
كانت ولا تزال الفئات المسيطرة
على المعطيات الاقتصادية
والثروات الطبيعية في البلدان
النامية، والمقربة من أنظمة
الحكم عادة، هي المستفيدة
مقابل تنفيذ شروط مجحفة، تارة
من جانب صندوق النقد الدولي،
وتارة أخرى للحصول على العضوية
في منظمة التجارة الدولية،
وتارة ثالثة في إطار شروط
الحصول على قروض جديدة على
المستوى الثنائي للحكومات
ومستوى القطاع الاقتصادي
الخاص، ومعظم تلك الشروط يتركز
على تخفيض دعم أسعار المواد
الأساسية التي تعتمد عليها
غالبية السكان في المعيشة
اليومية.
مكافحة
الفقر رهن بزوال الاستبداد
ليس
للخروج من حلقة الفقر المفرغة
في البلدان النامية ما يحتاج
إلى الإرادة السياسية في الدول
الصناعية أولاً، إنما ينبغي
الإقرار بأن نشوء هذه الحلقة
المفرغة كان نتيجة تلك الإرادة
السياسية ابتداء.. وممّا يعنيه
هذا الإقرار أنّ كثرة الحديث
على ألسنة المسؤولين في
البلدان النامية عن مسؤولية
الدول الصناعية، وعن الآمال
المعلقة أو الضعيفة تجاه
المؤتمرات الدولية، إنما هي من
قبيل ذر الرماد في العيون
أيضًا، ولفت الأنظار عن عدم
السعي لإيجاد البدائل، جنبًا
إلى جنب، مع استمرار الحرص على
الارتباطات المعوجّة القائمة
مع تلك الدول الصناعية "المتهمة"!.
لا
يبدو من مؤتمرات الأمم المتحدة
أو من المؤتمرات الأخرى التي
تطرح قضية مكافحة الفقر، أن
هذا الوضع سيتبدل، ما لم
تتحرّك "الإرادة السياسية"
في البلدان النامية نفسها. ومن
الميادين الواضحة للعيان -
كمثال على هذا الصعيد - هجرة
الأدمغة، التي تخطط البلدان
الصناعية لتعزيزها رغم سائر ما
يقال عن حاجة البلدان النامية
إلى التقنية الحديثة
وخبرائها، جنبًا إلى جنب مع
سدِّ الأبواب ورفع الأسوار
أمام المهاجرين بسبب الفقر،
هذا بينما تنفق الدول النامية
نسبة عظمى من القروض الخارجية
على شكل رواتب للخبراء الأجانب
كجزء من شروط تلك القروض التي
تحصل عليها من الدول الصناعية.
ولا
يبدو أن البلدان النامية، لا
سيما الأكثر قدرة من الناحية
الاقتصادية والمالية، ستستعيض
عن الخبير الأجنبي بالخبير
الوطني أو الخبراء من بلدان
نامية أخرى، ما لم تتوفر
الإرادة السياسية التي تتطلع
إلى خدمة المصلحة العامة
أولاً؛ فتوفر أوضاعًا سياسية
قويمة، وظروف عمل كريمة،
وتتخلى قبل هذا وذاك عن عقدة
النقص تجاه كل ما هو أجنبي.
إن
الفقر مشكلة سياسية بالدرجة
الأولى، وكما يسري هذا على
الخلل الخطير القائم على صعيد
شبكة الأوضاع السياسية
الدولية، فهو يسري على
المستويات الوطنية داخل كل بلد
من البلدان النامية على حدة،
وعلى مستوى شبكة علاقاتها مع
بعضها أيضًا، ممّا نعايشه
بأشدّ درجات التردي في البلدان
العربية والإسلامية حاليًا؛
ولهذا فإنّ الخروج من مأساة
الفقر ممكن قطعًا، شريطة
الخروج أولاً من حلقة
الاستبداد السياسي المفرغة،
على المستوى الوطني، وبالتالي
على مستوى مواجهة الاستبداد
الاقتصادي والسياسي والأمني
عالميًّا.
اقرأ
أيضًا:
|