|
شكل
الاستقلال عن فرنسا عام 1960،
وقيام الدولة الحديثة البدايات
الأولى للاندماج الحقيقي
لموريتانيا في النظام
الاقتصادي العالمي؛ إذ توجهت
الدولة الفتية إلى مواردها
المعدنية "وخصوصًا الحديد
والنحاس" لتمول بعائدات
صادراتهما عملية التنمية،
وكانت استجابة المستثمرين
الأجانب للشراكة مع موريتانيا
سريعة فتدفقت الأموال بسخاء،
وأقيم أطول طريق حديدي في
العالم؛ ليتم استنزاف النوعيات
الجيدة من خامات الحديد في أقرب
وقت ممكن – وهو ما كان –، وأخذت
البلاد تموّل عملية التنمية
بنصيبها – المتواضع – من
صادرات حديدها التي يذهب جلها
"للشركاء الأجانب"، ونعمت
البلاد رغم ذلك - بمعدل نمو سنوي
بلغ 6.6% في المتوسط طيلة 12 سنة
متتالية.
غير
أن أحلام الموريتانيين ما لبثت
أن تحولت إلى كوابيس مع تعرض
البلاد في السبعينيات إلى موجات
من الجفاف والتصحر، ضربت هياكل
الاقتصاد الريفي "من زراعات
وثروة حيوانية"، ودفعت
بالسكان إلى هجرة اضطرارية إلى
مدن حديثة النشأة لم تستعد
لاستقبالهم، هذا فضلاً عن دخول
البلاد في حرب الصحراء ضد ثوار
"البوليزاريو" المدعومين
من الجزائر في وقت كانت البلاد
فيه أحوج ما تكون إلى حرب ضد
التخلف، هذا في الوقت الذي
ارتفعت فيه أسعار الطاقة لتوقف
إنتاج الطاقة في البلاد وانخفضت
فيه أسعار الحديد في الأسواق
الدولية لتقترب البلاد بذلك من
شلل اقتصادي.
نتائج
متواضعة لخطة التنمية
وكالعادة
تحرك العسكريون لاستلام السلطة
فأطاحوا بالرئيس الأول للبلاد
المختار ولد داداه، وأوقفوا حرب
الصحراء لتبدأ حرب غير معلنة
على السلطة فيما بينهم، وخلال
أربع سنوات تعاقب على السلطة
أربعة رؤساء من العسكر، وكان
لعدم الاستقرار السياسى هذا
أثره الكبير في تدمير الاقتصاد،
وانعكس ذلك بشكل مباشر على
المؤشرات الاقتصادية، وارتفعت
ديون البلاد لتصل إلى ضعف
إنتاجها المحلي الإجمالي، في
الوقت الذي فاقت فيه خدمة الدين
نسبة 25% من حجم الصادرات، ولم
تتجاوز نسبة التنفيذ في خطة
التنمية الاقتصادية
والاجتماعية الرابع التي أشرف
عليها العسكريون سوى 42% مما كان
مخططًا.
ولم
يستقر الوضع إلا في منتصف
الثمانينيات مع وصول الرئيس
الحالي "معاوية ولد سيد أحمد
الطائع" إلى السلطة في
البلاد؛ ليبدأ في تطبيق برامج
للإصلاح الاقتصادي على طريقة
صندوق النقد الدولي مستلهمًا
مَثَل "اللبراليين" في
الخصخصة والتحرير الاقتصادي،
فبدأ برنامجًا للتقويم
الاقتصادي والمالي (1985 – 1988)، ثم
أتبعه ببرنامج للدعم والدفع (1989
- 1991)، ووصل معدل التنفيذ في
البرنامجين إلى 62%، ومع أن
البرنامج الأول حقق معدل نمو
سنويًّا وصل إلى 3.6%، إلا أن
البرنامج الثاني لم يحقق معدل
النمو المستهدف منه بسبب
انعكاسات حرب الخليج الثانية
والأزمة السياسية مع الجارة
الجنوبية "السنغال"، ومع
ذلك تقرر الاستمرار في نهج
التحرير والخصخصة، حيث وضعت
الوثيقة الإطارية للسياسة
الاقتصادية الكلية التي اعتمد
عليها في تنفيذ برامج اقتصادية
قصيرة الأجل، وقد اشتركت جميع
هذه البرامج في أنها عملت على
خصخصة المؤسسات العمومية،
تحرير الأسعار، والتخلي عن دعم
السلع الأساسية، ورفع اليد عن
العملة الوطنية "الأوقية"،
والتخلي عن مجانية معظم الخدمات
الأساسية.
المؤشرات
الاقتصادية الموريتانية لعام
1999
|
عدد
السكان |
2.6
مليون نسمة |
|
النمو في عدد
السكان (%) |
2.7 |
|
سكان الحضر (% عدد
السكان) |
56.4 |
|
المساحة |
1 مليون |
|
إجمالي الدخل
القومي |
959.3 مليون دولار |
|
نسبة النمو في
الدخل القومي (%) |
4.3 |
|
إجمالي الناتج
القومي |
مليار دولار |
|
نصيب الفرد من
الناتج القومي |
380 دولارًا |
|
الصادرات (%الناتج
المحلي) |
38.5 |
|
الواردات (%الناتج
المحلي) |
48.9 |
|
معدل نمو
الاستثمار المحلي (% من
الدخل القومي) |
22.3 |
|
العجز في
الميزانية (%الناتج المحلي)* |
--- |
|
الاستثمار
الأجنبي المباشر* |
5 ملايين دولار |
|
حجم الدين* |
1.4 مليار دولار |
|
خدمة الدين* |
110.2 ملايين دولار |
|
المعونة بالنسبة
للفرد* |
67.7 دولارًا |
|
العملة المحلية |
الأوقية |
المصدر: البنك
الدولي
ملاحظة: علامة (*) تعني
أن البيانات لعام 1998
فجوة
بين الأجور والأسعار
ورغم
أن الإحصائيات الرسمية تؤكد على
أن البلاد تحقق منذ 10 سنوات معدل
نمو سنويًّا يفوق الـ 4% فإن
الأوضاع في الميدان تجعل
المراقب يحكم على هذه الأرقام
بالتفاؤل المفرط؛ إذ تناقصت
القدرة الشرائية للمواطن بشكل
كبير مع تزايد الفجوة بين
معدلات الزيادة في الأسعار
ومعدلات الزيادة في الأجور. ومع
الانخفاض المستمر في قيمة
العملة المحلية تآكلت الأرباح
والمدخرات، وازدادت الهوة بين
قلة تزداد غنى وكثرة تزداد
فقرًا وعوزًا في بلد انحسر دور
الدولة فيه من مقدم للخدمات إلى
"سمسار" مؤسسات عمومية،
وانشغلت فيه الدولة بتوفير
الظروف الملائمة لرجال الأعمال
والمستثمرين الأغنياء، عن
الهموم المعيشية اليومية
للفقراء.
ورغم
أن البلاد حصلت - نتيجة تطبيقها
الأمين لتوصيات صندوق النقد
الدولي - على ثقة الممولين
الدوليين، مما يسّر لها العديد
من القروض والمنح والتمويلات
فإنها لم تستطع إقامة قاعدة
صناعية تذكر، خصوصًا أن الدولة
تخلت عن دورها كقائد للنشاط
الاقتصادي أملاً في أن يحل
القطاع الخاص محلها، ولكن
القطاع الخاص الموريتاني الذي
لم يتبلور بعد، بل ويعاني من
الهشاشة والتبعية المباشرة
للخارج، فضلاً عن ضيق أفق معظم
رجال الأعمال وانعدام روح
المبادرة لديهم، مما جعل آمال
الدولة تذهب أدراج الرياح، حيث
كان جل تركيز رجال الأعمال على
القطاعات الخدمية والتجارية
ذات الربح السريع وغيرها من
القطاعات الطفيلية التي تأخذ
اكثر مما تعطى.
الفساد
والبطالة
نتج
عن سياسات التحرير اتساع نطاق
البطالة حتى بين حملة الشهادات
العالية في بلد لا تزيد حملة
المؤهلات الجامعية فيه على 2% من
مجموع سكانه.
شكل
انتشار الفساد والمحسوبة
عائقًا حقيقيًّا أمام جهود
الدولة وبرامجها لإعادة تأهيل
المرافق العمومية وتطوير
الأداء الاقتصادي للمؤسسات
الحكومية ذات المردودية
الاقتصادية، وقلّل من دور
القروض والمنح الخارجية لعملية
التنمية في الوقت الذي أثرى فيه
البعض بشكل فاحش من خلال
التلاعب بالصفقات العمومية،
والتهرب من دفع الديون المستحقة
عليهم للبنوك التي تملكها
الدولة.
ورغم
أن قطاع الصيد البحري كان أحد
القطاعات التي شكلت رافدًا
أساسيًّا لخزينة الدولة طوال
العقدين الآخرين، فإن هذا
المورد مهدد الآن بشكل كبير
خصوصًا في ظل اتفاقية الصيد مع
الاتحاد الأوروبي والتي تحصل
الدولة بموجبها على 14 مليار
أوقية سنويًّا (الدولار = 250
أوقية) في مقابل فتح المصائد
الموريتانية أمام ما يقارب 350
سفينة صيد أوروبية، وهو ما شكّل
استنزافًا شديدًا للموارد
البحرية الموريتانية، بسبب
التقنيات فائقة التقدم التي
تستخدمها الأساطيل الأوروبية،
الأمر الذي دفع الصيادين
الموريتانيين إلى المطالبة
بإعادة النظر في الاتفاقية
وتحديد حجم محدد من الأطنان
يسمح للأوروبيين باصطياده بدل
تحديد أعداد السفن فقط، حيث إن
سفينة أوروبية واحدة تستطيع
استنزاف مخزون البلاد بأكمله.
احتياطات
ضخمة من الحديد
ويصاب
المراقبون الاقتصاديون بالدهشة
أمام بلد كموريتانيا يمتلك
احتياطات من الحديد تفوق الـ 10
مليارات من الأطنان جيدة
النوعية في الوقت الذي يصدر
سنويًّا 12 مليون طن من خامات
الحديد كما يصدر كميات هامة من
الجبس والذهب، ويمتلك في الوقت
نفسه مصائد غنية تزيد مساحتها
على 195 ألف كم2 تصل طاقتها
الإنتاجية إلى 600 ألف طن
سنويًّا، ويجري في حدوده
الجنوبية نهر بطول 650 كم يوفر
أراضٍ قابلة للري تزيد على 240
ألف هكتار، وتعيش في ربوعه ثروة
حيوانية تصل إلى 9.8 مليون رأس من
الأغنام و1.1 مليون رأس من
الأبقار وحوالى مليون رأس من
الإبل (إحصائيات 1998)، ومع ذلك لا
يستطيع توفير الحد الأدنى من
متطلبات المعيشة المتوسطة لعدد
من السكان لا يتجاوز 2.5 مليون
نسمة.
المواطنون
الموريتانيون البسطاء لا تهمهم
كثيرًا تلك المقارنات النظرية
التي يجريها الاقتصاديون، فهم
مشغولون الآن بنتائج التنقيب عن
البترول والماس التي تجريها
مجموعات من الشركات العالمية
بقيادة شركتي هاردمان (تنقب عن
النفط)، ودايموند (تنقب عن الماس)،
خصوصًا أن الحفر في أول بئري نفط
موريتانيّين ربما يتم على
السواحل المقابلة للمدينة
نواكشوط قبل اكتمال هذه السنة،
كما أن مؤشرات اكتشاف الماس
تبدو قوية هي الأخرى. فهل سينجز
البترول والماس ما عجزت عنه
موارد البلاد الأخرى؟.
اقرأ
أيضًا:
|