 |
|
الخزانة
المصرية عجز وأعباء على
المواطن |
ركزت
حكومة الدكتور عاطف عبيد - خلال
الفترة الماضية - على إظهار
الإيجابيات الاقتصادية التي
تحققت في مصر مبرهنة على ذلك
بالتقارير الدولية التي تؤكد
الثقة في الاقتصاد المصري الذي
ينمو بمعدل حقيقي وصل إلى 5%
خلال عام 2000/ 2001، والمتوقع له
أن يستمر في تحقيق معدل نمو
مرتفع خلال العام القادم 2001/ 2002
ليصل إلى 5,5%. وتؤكد الحكومة
أنها نفذت استثمارات في العام
الماضي وصلت إلى 22.8% من الناتج
المحلي الإجمالي، وأن هذا
المعدل سيرتفع إلى 24% في العام
القادم، كما حققت مصر زيادة في
الصادرات السلعية غير
البترولية بمعدل 15,3%، وتمكنت
من خفض العجز في موارد الدولة
من النقد الأجنبي مقارنة
بالاستخدامات من 3% إلى 1.2%
كنسبة من الناتج المحلي
الإجمالي، كما تمكنت من إحكام
السيطرة على معدل التضخم ليصل
إلى 2.8%.
ورغم
هذه الإيجابيات الاقتصادية
فإن العديد من الأصوات تعالت
في الفترة الأخيرة، خاصة في
أوساط المعارضة؛ لتحذر من
كارثة اقتصادية في مصر، بل إن
البعض وصل إلى حد القول بأن مصر
على وشك الإفلاس، وجاءت هذه
التحذيرات من بعض الاقتصاديين
في صفوف المعارضة في ردهم على
بيان الحكومة بمجلس الشعب،
وكذلك في تعليقاتهم على مشروع
الموازنة العامة الجديدة لعام
2001/ 2002
وتركزت
مخاوف المعارضة وتحذيراتها في
الآتي:
-
ارتفاع الديون وأعبائها
السنوية؛ حيث سيبلغ الدين
المحلي 215 مليار جنيه في يونيو
2001 بنسبة 73% من الناتج المحلي
الإجمالي، ووصل الدين العام
الخارجي إلى 106 مليارات في نفس
التاريخ؛ ليشكل حجم الدين
العام 321 مليار جنيه بنسبة 103%
من الناتج المحلي الإجمالي،
وهو ما يعني أن الاقتصاد
المصري أصبح على وشك الإفلاس
من وجهة نظر المعارضة.
-
ضعف معدلات الاستثمار (22.8% من
الناتج المحلي)، ويتوقع أن تصل
إلى 24% وفقًا للبيانات
الحكومية، وهو ما يعني أن
الزيادة في معدلات الاستثمار
لم تتجاوز 1.2%، وهي نسبة ترى
المعارضة أنها ضئيلة جدًّا،
ولن يترتب عليها أي تحسن ملموس
في الأداء.
-
عدم دقة البيانات الحكومية
بخصوص معدل التضخم (2.8%)، وهو
رقم تشكك فيه المعارضة في ظل
انخفاض قيمة الجنيه في العام
الأخير بمعدل 15% .
-
ارتفاع معدلات البطالة وعدم
دقة البيانات الحكومية بشأنها
(8.2%)، في حين ترى المعارضة أن
الرقم أكبر من ذلك بكثير،
وربما يصل إلى 11%، وأن
الإجراءات الحكومية للعلاج
غير ناجحة، وتركيز الحكومة على
دور الصندوق الاجتماعي
للتنمية ومراكز التدريب لن يحل
المشكلة.
وأمام
هذه التحذيرات من المعارضة
تركز الحكومة على الإيجابيات
الاقتصادية، ولكنها - في الوقت
نفسه- تعترف بأنها واجهت ظواهر
سلبية في السنوات الأخيرة؛ حيث
تقر الحكومة في ملخص خطة
التنمية الاقتصادية
والاجتماعية لعام 2001/ 2002 بأن
الاقتصاد واجه عجزًا في ميزان
المدفوعات، وأن السلع تواجه
انخفاضًا في قدرتها التنافسية
محليًّا ودوليًّا؛ بسبب زيادة
التكلفة الإنتاجية وانخفاض
مستويات الجودة، فضلاً عن
مشكلة السيولة وتباطؤ النمو،
كما تعترف الحكومة بأن الفجوة
الاستثمارية زادت؛ بسبب ضعف
المدخرات المحلية؛ وقلة
الاستثمارات الأجنبية، وأن
زيادة عجز الموازنة العامة
للدولة أدى إلى زيادة الدَّين
العام المحلي، كما أن تراجع
سعر صرف الجنيه أدى إلى
استخدام جانب من الاحتياطي من
النقد الأجنبي لدعم العملة
المصرية أمام الدولار.
والملاحظ
أن الجهات الحكومية تُرجع هذه
الظواهر السلبية إلى بعض
الصدمات التي تعرض لها
الاقتصاد، مثل الأزمة
الآسيوية، وما نتج عنها من
زيادة الاستيراد من هذه الدول،
وحادث الأقصر وآثاره على تراجع
عوائد السياحة، وانخفاض
إيرادات قناة السويس،
وتحويلات المصريين العاملين
بالخارج، وما صاحب ذلك من
انخفاض في معدلات نمو الاقتصاد
العالمي.
إيرادات
قليلة ونفقات ضخمة!
تلك
هي البيئة التي أعدت فيها
الموازنة العامة لعام 2001/ 2002
وتقدمت بها الحكومة لمجلس
الشعب مؤخرًا، وفيها أرقام
ضخمة تحتاج إلى تفسير، وخاصة
أن الحكومة أعلنت أنها أكبر
ميزانية عامة منذ عهد
الفراعنة، وهو أمر طبيعي لأنه
إذا كان عدد السكان في تزايد
مستمر (65 مليون نسمة).. فمن
الطبيعي أن تزيد أرقام
الموازنة التي تخدمهم.
وتشير
أرقام مشروع الموازنة إلى أن
إجمالي النفقات العامة يصل إلى
حوالي 126.5 مليار جنيه بزيادة
قدرها 14 مليارًا عن العام
الماضي - ستنتهي في 30 يونيو
القادم 2001 - لكن الإيرادات
العامة في هذه الموازنة لا
تغطي كافة النفقات، حيث يتوقع
أن يصل العجز إلى حوالي 3,3% من
الناتج المحلي مقابل 3.4% في
الموازنة الحالية، أي أن العجز
سيصل إلى 20.7 مليار جنيه.
والجديد
في موازنة عام 2001/ 2002 - لأول مرة
في مصر – هو انخفاض الإيرادات
الجارية عن النفقات الجارية،
فالإيرادات الجارية في
الموازنة الجديدة تبلغ 94.8
مليارًا، مقابل نفقات جارية 98
مليارًا، وهو ما فسّره البعض
بأن الحكومة تشجع زيادة الدين
العام سواء الداخلي أم
الخارجي، ويؤكد ذلك أن رقم
مخصصات الدين في مشروع
الموازنة الجديدة يتضمن 33,950
مليار جنيه أعباء لخدمة الدين
العام من فوائد وأقساط مقابل
27,580 مليارًا حاليًا، ورغم ذلك
فإن الحكومة تؤكد أن الديون في
الحدود الآمنة، وأنها تتجه إلى
تقنينها وإدارتها بما يعمق
الاعتماد على الذات وإعادة
هيكلة الدين الحكومي، والبحث
عن وسائل التمويل الأقل تكلفة،
وفي هذا الإطار يأتي الاتجاه
نحو إصدار سندات طويلة الأجل
محلية ودولية، واستثمار حصيلة
هذه السندات أفضل استثمار
ممكن، وهذا يتنافى مع توجهات
مشروع الموازنة الجديدة
تمامًا، والسؤال المطروح هنا:
إذا كانت النفقات تفوق
الإيرادات في الموازنة
الجديدة وأن هناك عجزًا، فمن
أين ستأتي الحكومة بموارد
لتغطية هذا العجز؟
إيرادات
الموازنة غير مؤكدة
أمام
العجز المتوقع في الموازنة
الجديدة تبحث الحكومة توفير 20.7
مليار جنيه لسدّه، وتركز على
عدد من المصادر أغلبها غير
ثابتة أو مؤكدة، أهمها ما
يلي:
-
تطبيق المرحلة الثانية
والثالثة لضريبة المبيعات
والتي تقدر الحكومة حصيلتها
بملياريْ جنيه ، رغم اعتراض
بعض الجهات على تطبيق هذه
الضريبة في الوقت الراهن،
وخاصة في ظل الركود الذي تشهده
الأسواق.
-
استخدام جانب من حصيلة عملية
الخصخصة في إهلاك قدر من الدين
العام، وهي تقدر بـ 5 مليارات،
رغم أنها عملية غير مؤكدة
أيضًا في ظل بطء عملية البيع
وضعف استيعاب بورصة الأوراق
المالية لشركات جديدة.
-
زيادة حصيلة الضرائب العامة
بمقدار 631.6 مليون جنيه، وزيادة
حصيلة الرسوم الأخرى،
والجمارك بـ 775 مليونًا، وفي
هذا الصدد لجأت الحكومة إلى
فرض رسم بنسبة 5% على السيارات
الجديدة، وهي حصيلة غير ثابتة
أيضًا.
-
الاتجاه إلى الاقتراض الخارجي
وطرح سندات دولارية قيمتها
مليارا دولار، وافق عليها مجلس
الشورى في منتصف إبريل 2001.
ويبدو
مما سبق أن الحكومة تراهن على
بعض المصادر غير الثابتة
لتمويل مشروعات الموازنة، وهو
ما دفع البعض إلى التقليل من
قدرتها على توفير الأموال
اللازمة لسد العجز، وتمويل
مشروعات التعليم والإسكان
والصحة التي أعلنت عنها في
بيانها أمام مجلس الشعب، كما
يلاحظ أن الحكومة فضلت تمويل
العجز عن طريق فرض مزيد من
الضرائب، رغم ما يعانيه السوق
من ركود وهو ما يجعل هذا
الاتجاه خطرًا؛ لأن الوقت
والظروف الراهنة تقتضي خفض
الضرائب وليس زيادتها؛ ولذلك
يرى البعض أنه كان من الأفضل أن
تتبع الدولة سياسة إنفاق
تقشفية تحد من نفقاتها في
الموازنة في حدود الإيرادات.
التحرك
خارجيًّا لحل الأزمة
ولأن
الحكومة تدرك مدى صعوبة تدبير
هذه الإيرادات فقد بدأت التحرك
خارجيًّا لتدبير بعض الموارد،
ونجحت خلال الزيارة الأخيرة
لرئيس الوزراء لكل من السعودية
والكويت والإمارات في الحصول
على مساندة الصناديق العربية
لتمويل بعض مشروعات التعليم،
وإقراض الشباب، ومشروعات
الصرف الصحي، وتم الاتفاق على
أن يحضر إلى القاهرة (مايو 2001)
مجموعة من ممثلي هذه الصناديق
للبدء في تمويل وتنفيذ هذه
المشروعات بما يعادل 300 مليون
دولار سنويًّا لمدة 5 سنوات 25%
منها في صورة قروض ميسرة لمدة 40
سنة بفائدة 2%، والباقي منحة لا
ترد.
وفي
جانب آخر أعلن رئيس بعثة البنك
الدولي بالقاهرة مساندة البنك
للسياسات الحكومية الرامية
إلى إيجاد مصادر جديدة لتمويل
مشروعات الموازنة، من خلال
ثلاثة محاور:
الأول:
حجم القروض المقدمة من البنك
لمصر، وقد وافق البنك بالفعل
على إقراض مصر 1.5 مليار جنيه
سنويًّا.
الثاني:
مساعدة البنك لمصر للوصول إلى
الجهات المانحة ومؤسسات المال
العالمية.
الثالث:
زيادة بند الدعم المقدم للقطاع
الخاص من مؤسسة التمويل
الدولية، وتوسيع دور البنك
الدولي في ضمان أية مخاطر لرأس
المال الذي يساهم به هذا
القطاع.
المواطن
المصري وعجز الموازنة
تشير
المؤشرات والبيانات إلى أن
العجز في مشروع الموازنة
الجديدة سيصل إلى 20.7 مليار
جنيه.. بما يعني أن نصيب الفرد
منه يصل إلى 287 جنيهًا بمعدل 24
جنيهًا شهريًّا، وبافتراض أن
متوسط عدد أفراد الأسرة هو 5
أفراد فإن المبلغ الذي تتحمله
الأسرة 120 جنيهًا شهريًّا.
وتؤثر
هذه الأعباء على المواطن
والأسرة من خلال عدة قنوات.
أولها:
ضريبة المبيعات وتستهدف
الحكومة فرضها على 150 ألف تاجر،
لكنها ضريبة تفرض على
الاستهلاك النهائي وليس على
التاجر، وهذا سيؤدي إلى زيادة
أعباء المستهلك بمقدار زيادة
الأسعار.
الثانية:
الديون الداخلية أو الخارجية،
فنصيب الفرد سيرتفع منها، وفي
الغالب ستسدد من الضرائب؛
لغياب الموارد الحقيقة التي
تكفي لدفعها حاليًا، وإذ لم
تدفع الآن فسوف يتحمل أعباءها
الأجيال القادمة.
الثالثة:
زيادة الضرائب العامة وبعض
الرسوم مثل الرسوم على
السيارات والتي سيتحمل عبأها
المواطن عند الحصول على خدمة
عامة معينة أو عند شراء سيارة
جديدة.
وخلاصة
القول: إن الميزانية
الجديدة لعام 2001/2002 لم تأتِ
بجديد سوى زيادة النفقات
المصحوبة بإيرادات أقل، ورغم
الإيجابيات التي تصاحب زيادة
النفقات وخاصة تنشيط الأسواق
وإنعاش الاقتصاد، فإن هذه
الزيادة في الإيرادات سيتم
تغطيتها من موارد غير ثابتة
يغلب عليها زيادة الأعباء
الضريبية على المواطن، وزيادة
الاقتراض الداخلي والخارجي،
وهذا حكم غير نهائي على هذه
الموازنة الجديدة التي ما زالت
مجرد مشروع مطروح على مجلس
الشعب للمناقشة، ويكون الحكم
النهائي عليها بعد إقرارها في
صورتها النهائية.
اقرأ
أيضًا:
|