بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

إندونيسيا: نار الانفصال تحرق الاقتصاد

2001/4/24

صهيب جاسم - جاكرتا

إندونيسيا بين نار الانفصال ومنافع الغاز

تُعدّ إندونيسيا - العضو الشرق آسيوي الوحيد في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) - أكبر منتج للغاز في العالم، وفي ظل الأزمة ذات الوجوه المتعددة التي تعاني منها يبقى تصدير مصادر الطاقة من نفط وغاز مصدر هام يعينها على بقاء شيء من الهواء في رئة اقتصادها المحطم، والذي أصيبت 75% من أعماله التجارية بالإفلاس في عامي 97 و98، بل إن تصدير النفط والغاز بالنسبة لها حاليًا أصبح مسألة حياة أو موت بعد فشل حكومتها في استعادة ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين، وعودة قيمة الروبية الإندونيسية للتدهور من جديد بعد انتهاء فترة "اليوفوريا" السياسية التي استقبلت قدوم الرئيس "عبد الرحمن وحيد" عند وصوله للحكم في أكتوبر 1999.

ولدعم قيمة "الروبية" بعملة صعبة من ورادات التصدير يبقى تصدير الطاقة المصدر الأول لذلك، وعندما تنقطع أو تتوقف أي عملية إنتاجية وتصديرية تورد العملة الصعبة للدولة، وتنتشر الأنباء في الأسواق بأن الاحتياطي الأجنبي وصل إلى مستوى خطير؛ حيث يساهم إنتاج الغاز وحده بـ 17% من الوارد من غير الضرائب إلى ميزانية الدولة، أما الضرائب على إنتاج كبرى شركات استخراج الغاز من حقول إقليم واحد، فإنها تبلغ أحيانًا 100 مليون دولار في الشهر الواحد.

أراضٍ غنية.. وشعوب فقيرة

وأبرز الأمثلة التي توضح ذلك هو ما يحصل في إقليم "آتشيه" في أقصى شمال جزيرة "سومطرة" الإندونيسية؛ فالشركة الأمريكية "أيكسون موبيل" المعروفة أوقفت عملها في "آتشيه" منذ التاسع من مارس 2001 في حقول تبعد 1750 كم عن جاكرتا، ولا تزال أعمالها متوقفة وسط تأزم الوضع الأمني، وتزايد المواجهات، وحوادث القتل والقنص بين الشرطة والمدنيين في المنطقة التي تنادي فيها حركة تحرير "آتشيه" بالانفصال عن إندونيسيا.

وأحد الدوافع الهامة التي تدفعها لذلك الكفاح نحو الانفصال بآتشيه هو الحلم بأن تصبح كسلطنة "بروناي" مستفيدة من الغاز والنفط الموجودين في الإقليم، في الوقت الذي تشير فيه الإحصاءات إلى عدم استفادة الإقليم من ثرواته التي تتجه أغلب واردات بيعها إلى ميزانية حكومة جاكرتا المركزية، وتُعدّ قضية توزيع واردات النفط والغاز من أسخن ما يجتمع عليه السياسية والمال في إندونيسيا بين الساسة في جاكرتا والساسة والمعارضين في الأقاليم ذات الثروات النفطية والغازية، الذين لم يقتنعوا بما يرجع إليهم من مجموع ما يصدر من أقاليمهم الغنية أرضها والفقراء سكانها.

وعندما جاء وزير الطاقة والمعادن الإندونيسي لزيارة حقول الغاز مؤخرًا أطلقت النيران من جهة مجهولة على طائرته؛ مما جعل شركة "موبيل" تطالب بتكثيف الحضور العسكري حول الحقول، وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإندونيسية في يوم 16/4/2001 بأن الشركة ستعاود فتح أعمالها في نهاية شهر مايو 2001، لكن ذلك القرار لا ينعزل عن الواقع المضطرب يوميًّا بدون توقعات لما قد يحدث، كما أن العديد من التصريحات الإيجابية بهذا الشأن ظلت ميتة واقعيًّا.

وتُعدّ الحقول التي تعمل بها شركة موبيل الأمريكية المصدر الرئيسي لما تصدره شركة "أرون" الحكومية للغاز المسال إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية، وهذا ما يجعل اليابان مهتمة بتطوير ميناء ومنطقة "سابانغ" التجارية الحرة التابعة لآتشيه، آخرها: إسهامها بثلاثين مليار روبية لتحسين خدماته، وقد فشلت بذلك شركة أرون في تغطية آخر الشحنات الغازية إلى كوريا التي كان من المقرر أن تبلغ 56 ألف طن متري، وقد انخفض إنتاج شركة موبيل من حقول آتشيه بمعدل 350 مليون قدم مكعب يوميًّا قبل توقفه تمامًا، مقارنة بـ 1.6 مليار قدم مكعب في الأحوال الاعتيادية يوميًّا!. وقد أثر ذلك على إنتاج الغاز إلى اليابان التي تستورد 78 % من إنتاج إندونيسيا من الغاز؛ حيث انخفض الإنتاج الكلي للغاز الإندونيسي في الأسابيع الأخيرة بنسبة 60%، وتقدر خسارتها حتى منتصف شهر إبريل 2001 بـ 1.68 مليار دولار، وقد تحولت كبرى شركات الطاقة اليابانية "توهوكو" إلى المصدرين الماليزيين لاستيراد الغاز منهم بدلا عن الغاز الإندونيسي الذي تعتمد عليه في تشغيل 30 % محطات توليد الطاقة، كما فتحت أزمة الغاز الإندونيسية المجال أمام مصدرين آخرين من قطر وأستراليا للدخول بقوة في حلبة سوق الغاز الآسيوي والعالم بعد أن تأثرت أيضا ثقة شركة "كوريا - جاز" بالمصدر الإندونيسي الذي يكسب من كليهما 1.2 مليار دولار سنويا.

فقدان الثقة الأجنبية باستقرار إنتاج الغاز

يحدث هذا بعد أن كانت إندونيسيا أهم مصدر للغاز الذي تعتمد عليه الدول المستوردة له منذ عام 1977؛ حيث بلغ الإنتاج قمته منذ بداية عقد التسعينيات (30 مليون طن متري سنويا)، ولم تتدهور هذه الثقة بالإنتاج الإندونيسي إلا بعد أن تراكمت نتائج الأحداث الأمنية الدامية وظواهر الواقع السياسي السلبية على مدى السنوات الماضية؛ فبلغت مرحلة من غموض المستقبل، وافتقاد الحكومة لحل ينقذ الاقتصاد الوطني وإنتاج الغاز، وقبل هذا يرضي ويفيد سكان الأقاليم المنتجة للغاز وغيره.. وخسران قطاع الغاز الإندونيسي – خصوصا في بعض الأقاليم الدامية - لثقة المستوردين في سوق الطاقة العالمية باستقراره هو آخر ما يخسره الاقتصاد الإندونيسي؛ فمحطة ومصنع لاستخراج الغاز وإنتاجه وتصديره لا يمكن أن تؤسس بدون دعم شركة ذات رأسمال كبير وعقود مبرمة مسبقا لشراء المنتج على مدى 10 أو 20 عاما، وهي البنية التحتية التي قد تصل تكلفتها إلى 650 مليون دولار.

وهناك ثلاث شركات أخرى أوقفت أعمالها، وتبع ذلك تزايد في انتشار الجيش والشرطة الإندونيسية لقمع الحركة الانفصالية.. وباختصار فإن منهج الدولة المتقلب وغير الواضح، ووضعها الداخلي المتأزم في مناطق أخرى، ثم التزام الحركة الانفصالية بموقف غير متغير وعوامل أخرى سياسية وتاريخية، أفشلت مساعي السلام بين الآتشيين وحكومة "وحيد"، وأعادت أصوات الرصاص والقذائف إلى مسامع الأهالي في الإقليم؛ مما أثر على مصالح الحكومة والشركات الأجنبية من إنتاج الغاز في الوقت الذي تتدهور فيه أسعار النفط وتتزايد الدعوات إلى استقالة الرئيس وحيد، فقيادي في حركة تحرير آتشيه يقول: "إننا ملتزمون بالهدنة، لكننا لن نوقف العنف ما لم يوقف الجيش هجمات عنفه أولاً".

ولذلك لو بقيت شركة موبيل رافضة للعودة إلى الإنتاج للأسباب الأمنية فإن الحكومة الإندونيسية أعلنت أنها - في هذه الحالة - ستستلم الإنتاج متمثلة في شركة "أرون" - تمتلك 55 % من أسهمها - لتعاود التصدير وسط حراسة الجيش المشددة، وبالرغم من استمرار المناوشات والهجمات المتبادلة بين حركة تحرير آتشيه والحكومة في العقدين الماضيين فإن عمليات الإنتاج لم تتوقف في الغالب، كما حدث في الأسابيع الماضية بعد خطف مسؤول وتفجير حافلات الموظفين وحرق طائرة وتفجير ألغام بأجهزة التحكم عن بعد.. الأمر الذي أعطى دفعة لقرار الجيش بأن يعود لشن ما يعرف بـ"العمليات العسكرية " وبشكل أقل سخونة، مما كان قبل عام 1998، وذلك بحشد ما يزيد على 30 ألف جندي في الإقليم.

لكن الذي يخيف المراقبين هو أن فشل العمليات العسكرية في إضعاف التمرد الآتشيوي سيعقد المشكلة الآتشيوية، ويساعد على تدهور الوضع الاقتصادي بمزيد من انقطاع إنتاج الغاز من الإقليم، ويزيد من معاناة السكان الطويلة.

أزمات أخرى مماثلة

لإندونيسيا من احتياطي الغاز المكتشف ما يقدر بـ 72.3 مليار قدم مكعب، وغالبية هذا المخزون في حقول أرون في شمال "سومطرة" وفي حقول "باداك" في شرق "كالمنتان" وحقول أصغر حجما في سواحل جزيرة "جاوة"، وحقول أخرى في "إريان جايا" وحقل "ناتونا دي- ألفا" أكبر حقول الغاز في جنوب شرق آسيا، ومع ضخامة هذا المخزون وتصديره فإن البلاد – ولسوء الإدارة – لا تزال تعتمد على النفط في 50% من حاجاتها للطاقة محليا حتى الآن بسبب عدم وجود البنية التحتية الكافية من أنابيب وغيرها للتحول من النفط إلى الغاز بعد انخفاض معدل إنتاج النفط الإندونيسي في السنوات الأخيرة.

وفيما تبقى الحقول الأخرى التي يصدر أو سيصدر منها إلى ماليزيا وسنغافورة في مأمن - في الوقت الحالي - من الأزمات السياسية والانفصالية، فإن أزمة الغاز الآتشيوي ليست هي الوحيدة.. فالأوضاع تشير إلى أنها بداية تدحرج كرة الثلج في قطاع الغاز والنفط في مناطق أخرى؛ حيث إن الكثير من الحوادث المماثلة في البلاد أصبحت تثير تساؤلات المواطنين حول مدى سماح الحكومة لذلك بالحدوث، كما يتساءل الناس عن سر إهمال الحكومة وعدم اتخاذها قرارات حازمة ضد منتهكي قوانين التعدين واستخراج النفط والغاز، وليست هناك إحصائية تشير إلى حجم الخسائر الهائل الذي تكبده الاقتصاد خلال الأشهر والأسابيع الماضية بسبب تدهور قطاع النفط والغاز والمعادن بعد 4 سنوات من تدهور أسواق المال والقطاعات الصناعية الثقيلة والإستراتيجية منها على وجه الخصوص، فهناك 20 انتهاكا من حالات التوقف عن الإنتاج بسبب صراع عرقي أو انفصالي أو التعدين غير القانوني أو تهريب للثروات أو قطع المواطنين أو المعارضين لعملية الإنتاج أو مطالبة السكان لشركات الطاقة بالتعويض عن أضرار إنتاجها البيئية على مزارعهم أو بالتعويض عن أراضيهم التي خسروها، وتتوزع هذه الحالات على امتداد إندونيسيا، وتتنوع ما بين الغاز والنفط والذهب والفحم والفضة وغيرها، كما أن توقف إنتاج الغاز من حقول أرون ستؤثر على قطاعات إنتاجية أخرى، ومنها على سبيل المثال مصنعين لإنتاج الأسمدة والكيماويات، وأحدهما يعد أول مشروع صناعي مشترك بين دول رابطة دول جنوب شرق آسيا، ويقع في آتشيه أيضا.

وسيكون لمستقبل قضية الغاز والصراع في آتشيه أثر منعكس على تنفيذ خطة تطوير مصنع الغاز الطبيعي المسال في "تانغوه" بإقليم "إريان جايا" بقيمة 4 مليارات دولار أمريكي بمشاركة شركة "أتلانتيك ريتشفيلد" ليبدأ الإنتاج في عام 2004. ومرة أخرى يواجه المستثمرون في استخراج الغاز في ذلك الإقليم مخاطر تهدد عملهم من قبل الحركة الانفصالية لفصل إريان جايا عن إندونيسيا التي تنتظر بدورها ما ستئول إليه مطالب الانفصال في آتشيه، وفي الحالتين يتغير كل ما كان قد خطط له لإنتاج الغاز من كلا الإقليمين، وربما في أقاليم أخرى أيضا!

حتى لو لم تنفصل إريان جايا فإن بقاءها داخل الجسد الإندونيسي سيكون له ثمن، فحاكمها طالب في يوم 16/4/2001 -ضمن رده على مشروع للحكم الذاتي الخاص بالإقليم بتسليم الحكومة المحلية- بحق إدارة ثرواتها وأن تحجز 80% من عوائد ثرواتها- وعلى رأسها الغاز والذهب- للإقليم نفسه مقابل تحديد حظ الحكومة المركزية في جاكرتا بـ20% فقط !.

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع