|
تمثل
البطالة أحد التحديات الكبرى
التي تواجه البلدان العربية
لآثارها الاجتماعية
والاقتصادية الخطيرة، ومنذ
سنوات والتحذيرات تخرج من هنا
وهناك، تدق ناقوس الخطر من
العواقب السلبية لهذه المشكلة
على الأمن القومي العربي، ومع
ذلك فإن معدلات البطالة تتزايد
يومًا بعد يوم.
وكان
أحدث الفعاليات لدراسة المشكلة
وطرح الحلول لها الدورة الثامنة
والعشرين لمؤتمر العمل العربي
الذي عقد بعمان خلال الفترة من
2-9 إبريل 2001، وخلالها تم مناقشة
ظروف البطالة في البلدان
العربية من خلال عدة محاور
أهمها: أوضاع العمالة في
الأراضي الفلسطينية، وسبل دعم
انتفاضة الأقصى، والإستراتيجية
العربية لتنمية القوى العاملة
والتشغيل، وأثر التكنولوجيا
الحديثة على العمالة.
ويأتي
عقد المؤتمر في توقيت حاسم في
أعقاب قرار القمة العربية التي
عقدت بعمان أخيرًا، بعقد أول
مؤتمر قمة اقتصادي عربي
بالقاهرة في نوفمبر المقبل،
وانعكاسات ذلك الإيجابية على
أوضاع العمالة في العالم العربي.
كما يعقد المؤتمر في ظروف
سياسية واقتصادية واجتماعية
معقدة؛ نظرًا لما يتعرض له
العالم العربي من تحديات
العولمة، وما تفرضه من واقع
جديد على مختلف أوجه الحياة
الإنسانية، ومنها مجال العمل
والعمالة.
12.5
مليون عاطل عربي!
الواقع
أن ظاهرة البطالة باتت تؤرق
أغلب البلدان العربية، وتوضح
إحصاءات منظمة العمل العربية
مدى خطورة هذه الظاهرة على
النحو التالي:
ا
- تصل نسبة البطالة حاليًا إلى 14%
من إجمالي القوى العاملة
العربية البالغة 90 مليونًا؛ مما
يعني وجود 12.5 مليون عاطل عن
العمل، معظمهم من الشباب،
ويتوقع ارتفاع هذا العدد بالنظر
إلى أن حجم القوى العاملة
العربية في ازدياد مطرد؛ فقد
ارتفع من 65 مليون نسمة عام 1993،
إلى 89 مليونًا في العام 1999،
ويتوقع أن يصل إلى 123 مليونًا في
العام 2010، فيما يقدر حجم
الداخلين الجدد في سوق العمل
العربية بنحو 3 ملايين عامل
سنويًا، وتقدر حجم الأموال
اللازمة لتوفير فرص عمل لهم 15
مليار دولار سنويًا.
ب
- غالبية العاطلين عن العمل من
الداخلين الجدد في سوق العمل،
أي من الشباب، ويمثل هؤلاء
تقريبًا ثلاثة أرباع العاطلين
عن العمل في دولة البحرين و84% في
الكويت، وما يزيد على الثلثين
في مصر والجزائر. أما معدلات
البطالة بين الشباب نسبة إلى
القوى العاملة الشابة فقد
تجاوزت 60% في مصر والأردن وسورية
وفلسطين و40% في تونس والمغرب
والجزائر.
فضلاً
عن ذلك، فقد برزت منذ سنوات
بطالة حملة الشهادات
التعليمية، واستفحلت في العديد
من الدول العربية؛ حيث تبلغ
معدلاتها الضعفين في الأردن،
وثلاثة أضعاف البطالة بين
الأميين في الجزائر، وخمسة
أضعاف في المغرب، وعشرة أضعاف
في مصر.
جـ
- تستحوذ دول اتحاد المغرب
العربي على الجانب الأكبر من
قوة العمل العربية بنسبة 37.8%؛
حيث يوجد بها حاليًا 33.5 مليون
عامل، من المتوقع زيادتها إلى 47
مليونًا عام 2010، ثم دول مصر
والأردن واليمن والعراق، وبها
25.2 مليونًا تصل إلى 35 مليونًا
عام 2010 بنسبة 27.7 %، ودول مجلس
التعاون الخليجي، وبها 8.3
ملايين تصل عام 2010 إلى 11.4
مليونًا بنسبة 9.3 % من قوة العمل،
فيما يتوزع الباقي، وهم 22.6
مليونًا، على بقية الدول
العربية، ومن المنتظر زيادتهم
إلى 30 مليونًا عام 2010.
وتتفاوت
معدلات البطالة من دولة عربية
لأخرى؛ ففي الدول ذات الكثافة
السكانية العالية، ترتفع حدة
الظاهرة؛ حيث تبلغ 20% في اليمن،
و21% في الجزائر، و17% في السودان،
و9% في مصر، و8% في سورية. وفي
المقابل تنخفض في دول الخليج
العربي ذات الكثافة السكانية
المنخفضة؛ ففي سلطنة عمان يوجد
نحو 330 ألف عاطل عن العمل، وفي
السعودية نحو 700 ألف، وفي الكويت
يصل العدد إلى 3 آلاف فقط.
أسباب
تفشي البطالة
هناك
قواسم مشتركة أدت إلى ارتفاع
نسبة البطالة في الدول العربية
أهمها: الأمية، وتدني المستوى
التعليمي، وتخلف برامج
التدريب، وعدم مواكبة السياسة
التعليمية والتدريبية لمتطلبات
سوق العمل المتجددة والمتغيرة..
وإلى جانب هذه القواسم المشتركة
يرجع الخبراء تفشي ظاهرة
البطالة في العالم العربي إلى
الأسباب التالية:
أولاً:
فشل برامج التنمية في العناية
بالجانب الاجتماعي بالقدر
المناسب، وتراجع الأداء
الاقتصادي، وتراجع قدرة
القوانين المحفزة على
الاستثمار في توليد فرص عمل
بالقدر الكافي، إضافة إلى تراجع
دور الدولة في إيجاد فرص عمل
بالحكومة، والمرافق العامة
وانسحابها تدريجيًا من ميدان
الإنتاج، والاستغناء عن خدمات
بعض العاملين في ظل برامج
الخصخصة والإصلاح الاقتصادي
التي تستجيب لمتطلبات صندوق
النقد الدولي في هذا الخصوص.
ثانيًا:
ارتفاع معدل نمو العمالة
العربية، مقابل انخفاض نمو
الناتج القومي؛ ففي الوقت الذي
يبلغ فيه نمو العمالة 2.5 في
المائة سنويًا، فإن نمو الناتج
القومي الإجمالي لا يسير
بالوتيرة نفسها، بل يصل في بعض
الدول العربية إلى الركود،
وأحيانًا يكون سالبًا؛ فالدول
العربية التي يتوافر فيها فائض
العمالة تعاني من الركود
الاقتصادي وعدم توافر أموال
الاستثمار، وازدياد البطالة
والديون؛ حيث يصل معدل النمو
السنوي لدخل الفرد العامل في
مصر إلى 2.1 %، وفي المغرب 3.5 %، وفي
الأردن 3.6 %، وفي سورية 5%.. وهذا
التراجع في مستوى معيشة العامل
العربي له آثاره السلبية على
إنتاجيته ودوره في الاقتصاد
الوطني.
ثالثًا:
استمرار تدفق العمالة الأجنبية
الوافدة، خاصة في دول الخليج
العربية النفطية؛ ففي أعقاب
الأزمة العراقية الكويتية 1990-1991،
هيمنت العمالة الآسيوية على سوق
العمالة في الخليج، وحلت محل
العمالة العربية إثر عودة 800 ألف
عامل يمني من السعودية وآلاف
الفلسطينيين من الكويت.
وكان
من بين الآثار السلبية لهذه
العمالة: تفشي البطالة بين
الشباب الخليجي في ظل تشبع
القطاع الحكومي والتباين في
الأجور وشروط العمل بين العامل
الوافد والوطني؛ مما أدى إلى
عدم النجاح الكامل لسياسات
توطين الوظائف.
ويعود
تدفق العمالة الأجنبية إلى دول
الخليج العربية إلى أسباب
عديدة، بعضها تنظيمي، والآخر
يتعلق بالعامل الآسيوي؛ مقارنة
بالعامل العربي، لكن أبرز هذه
الأسباب حرص القطاع الخاص على
استقدام العمالة الأجنبية؛
بسبب انخفاض أجورها وتحملها
ظروف العمل القاسية، كما أنها
أكثر طاعة وانضباطًا وذات
إنتاجية مرتفعة.
8.8
ملايين عامل أجنبي!
وتشير
الإحصاءات إلى أن عدد الأجانب
العاملين في الدول العربية
يتزايد باطراد؛ فقد بلغ نصف
مليون عامل عام 1975، ثم ارتفع إلى
2.5 مليون عام 1983 ثم 5.7 ملايين عام
1993، ووصل إلى 8.8 ملايين عام 2000.
ولا
شك أن لهذه العمالة، خاصة غير
المسلمة تأثيرات سلبية عديدة
على الأمن العربي على جميع
المستويات السياسية والأمنية
والاجتماعية والاقتصادية، لكن
الأثر الأكثر خطورة لها يتمثل
في ارتفاع معدلات تحويلاتها
السنوية؛ فقد بلغ حجم المبالغ
التي حولها العمال الأجانب من
خمس دول عربية 10 مليارات دولار
عام 1988، متفوقة بذلك على مجموع
تحويلات العاملين الأجانب في
الولايات المتحدة التي تعد أكبر
دولة مستوردة لقوة العمل
الأجنبية.
كما
قدرت التحويلات النقدية
الخارجية للعمالة الوافدة عام
1990 بنسبة 20% من الإيرادات
النفطية السنوية للدول
الخليجية، وتتضح خطورة هذه
التحويلات بالإشارة إلى مقدار
استنزافها لموارد دول الخليج
وزيادة هذا الاستنزاف؛ ففي عام
1997 وصل إجمالي تحويلات العمالة
الأجنبية بالسعودية إلى 62 مليار
ريال سعودي، (16.5 مليار دولار)،
تمثل 34% من إجمالي موارد الدولة
البالغة 48.3 مليار دولار، وكانت
تلك النسبة 27.2 في المائة عام 1992.
جهود
التصدي للظاهرة
تتباين
تجارب الدول العربية في علاج
ظاهرة البطالة حسب ظروف كل دولة
ومدى تفاقم الظاهرة بها من
عدمه؛ فالدول الخليجية- على
سبيل المثال- لجأت إلى توطين
العمالة الوطنية محل العمالة
الأجنبية تدريجيًا، محققة
نجاحًا ملموسًا في هذا الشأن.
أما
الدول التي تتفاقم فيها
الظاهرة؛ فقد انتهجت سياسة
متعددة الأبعاد لإيجاد حلول
للظاهرة من خلال تشجيع إنشاء
الصناعات الصغيرة والمتوسطة،
وحث الشباب للتوجه للعمل الخاص،
أو من خلال إنشاء المشروعات
القومية الكبرى القادرة على
استيعاب الأعداد المتزايدة من
الداخلين إلى سوق العمل سنويًا.
إن
مشكلة البطالة تعد بمثابة قنابل
موقوتة تهدد الاستقرار في
العالم العربي، وأيًا كانت
التجارب العربية للتصدي لها،
فإن المطلوب وضع إستراتيجية
عربية شاملة في هذا الشأن آخذة
في الاعتبار عدة أمور منها:
أولاً:
ضرورة الإسراع بإنشاء السوق
العربية المشتركة التي طال
انتظارها؛ لأن إنشاءها يساعد في
تشجيع تبادل الأيدي العاملة،
وانتقال رؤوس الأموال بين الدول
العربية، بما يؤدي إلى التقليل
من حدة الظاهرة.
ثانيًا:
تعريب العمالة العربية، وهي
مرحلة تالية للتوطين، ويتم ذلك
من خلال إحلال العمالة العربية
محل العمالة الأجنبية في الدول
العربية التي تعاني من نقص في
تخصصات ومهن معينة، مثل دول
الخليج العربية.
ثالثًا:
تحسين الأداء الاقتصادي
العربي، وتحسين مناخ الاستثمار
في الدول العربية، وإزالة
القيود التنظيمية والقانونية
التي تحول دون اجتذاب الأموال
العربية في الخارج، والتي
يقدرها بعض الخبراء بنحو 800
مليار دولار، ولا شك أن عودة هذه
الأموال للاستثمار في الدول
العربية سوف يساهم في كبح جماح
مشكلة البطالة، ويساعد على
توفير فرص عمل لا حصر لها للشباب
العربي.
اقرأ
أيضًا:
|