|
لا
تقتصر آثار الحمى القلاعية على
الجوانب الصحية فقط، بل
تجاوزتها؛ لتحول القضية إلى
قضية اقتصادية تمس نظام التجارة
العالمي الجديد في الصميم، وتهز
كيانات الدول في مقتل.. ولعل
الخسائر الفادحة التي منيت بها
الدول المصابة خير دليل على ذلك.
بين
الجنون والحمى ضاعت الثروة
دائمًا
ما تتعرض الثروة الحيوانية في
بعض الدول للإصابة ببعض الأمراض
التي تكبد هذه الدول خسائر
اقتصادية، ولكن في السنوات
الأخيرة ومنذ اكتشاف مرض جنون
البقر بدأت أمراض الحيوانات
تتفشى بشكل خطير؛ مما أثر
سلبيًا على التجارة في السلع
الزراعية، وقد يكون له آثار
طويلة على الاقتصاد العالمي.
جاء
مرض جنون البقرة نتيجة لجشع
الرأسمالية في بريطانيا وسعيها
وراء الربح السريع والوفير
بتحويل الأبقار من آكلة للأعشاب
إلى آكلة بروتينيات؛ حيث
استخدمت أنواع من الأعلاف تصنع
من مسحوق العظام والدماء
والمخلفات العضوية للحيوانات؛
رغبة في الربح السريع، فكانت
الكارثة وانتشر المرض.
وبدأت
بريطانيا في التخلص من أعداد
ضخمة من الأبقار الموجودة لديها
والتي جاوزت الملايين، وأصبح
التخلص منها مشكلة في حد ذاتها،
وتكلفت الموازنة العامة للدولة
مبالغ طائلة، كما أعلنت عن غلق
المصانع التي تنتج هذه النوعية
من الأعلاف؛ مما يعني إهدار
الاستثمارات التي جمدت فيها،
وأخذت معظم دول العالم في فرض
حظر على واردات اللحوم من
بريطانية؛ خوفًا من انتقال
المرض.
وقبل
أن تفوق دول الاتحاد الأوروبي
من أزمة جنون البقر، ظهر مرض
خطير في قطعان الماشية في
إنجلترا وهو مرض الحمى القلاعية
الذي أحدث رعبًا في العالم،
وجعل أكثر من 90 دولة تقوم بفرض
حظر على استيراد اللحوم من دول
أوروبا كاملة، وليس من إنجلترا
فقط؛ خوفًا من انتقال هذا المرض..
ومنذ
ظهور هذا المرض وهو في انتشار
داخل أوروبا وخارجها؛ حيث وصلت
الإصابة في بريطانيا وحدها إلى
320 حالة في 1200 مزرعة، حسب آخر
بيان متاح في 20 مارس 2001، واكتشفت
حالات في دول أوروبية أخرى، مثل
ألمانيا وفرنسا وغيرهما، وهو ما
جعل إنجلترا تقوم بالإعدام
الجماعي لجميع الحيوانات التي
توجد في المناطق التي اكتشف
فيها المرض، وقررت إعدام 200 ألف
رأس ماشية، وهو عدد قابل لزيادة
بدرجة أكبر ليصل إلى مليون رأس.
ولأن
المرض أصبح وبائيًا في دول
الاتحاد الأوروبي، وبدأ في
الظهور في دول أخرى خارج
أوروبا؛ فإن معظم دول العالم
بدأت في اتخاذ إجراءات وقائية؛
حيث قامت بعض الدول بإغلاق
حدودها مع دول أخرى، ومنعت دخول
أي سلع زراعية، وليست اللحوم
فقط، كما بدأت حملات مراقبة
للسلع الداخلية إلى أراضيها
ومراقبة للأفراد وتعقيم كل شيء
يدخل إلى أراضيها، ولكن الخطير
في هذا المرض من الناحية
الاقتصادية أنه أصبح مبررًا
قويًا لدي معظم دول العالم
للارتداد عن حرية التجارة
واتخاذ إجراءات تقيدية صارمة ضد
الواردات من بعض الدول.
الحمى
تكاليف وخسائر باهظة
لا
شك أن مرض الحمى القلاعية يشكل
ضربة اقتصادية قوية لقطاع
الزراعة في أوروبا على وجه
التحديد؛ حيث أصبح مؤكدًا أن
المزارعين في بريطانيا وحدها
سيتحملون 86 مليون دولار
أسبوعيا، حتى يتم القضاء على
هذا الوباء، كما أدت أمراض
الماشية إلى انخفاض الدخل
الزراعي في بريطانيا بنسبة 75%
خلال الخمس سنوات الأخيرة،
وانخفاضه بمعدل الربع خلال
العام الأخير فقط، وهو ما أدى
بدوره إلى هجرة العمل في القطاع
الزراعية بعد أن كان يستوعب 25%
من إجمالي العمالة في بريطانيا
منذ 10 سنوات، أما الآن فهو لا
يستوعب سوي 1% فقط.
لم
تعد الزراعة بشقيها الحيواني
والنباتي تشكل سوى 1.3% من الناتج
القومي في بريطانيا، وهو معدل
صغير جدا؛ حيث يقل عن نسبة
مساهمة قطاع صناعة الساندويتش
في الناتج القومي، على حد تعبير
البعض، وهو ما دفع الحكومة في
بريطانيا لتقديم دعم كبير
للمزارعين، ومطالبة الدول
الأعضاء في الاتحاد الأوروبي
بمساعدتها في دفع هذا الدعم،
وتحمل تكاليف التخلص من الماشية.
وفي
دول أوروبية أخرى مثل أيرلندا
تمثل ثروتها الحيوانية ضعف عدد
السكان، وتصدر 90% منها للأسواق
العالمية، ولكن بسبب انتشار هذا
المرض اضطرت إلى إغلاق أسواقها،
وأقدمت على إعدام 300 ألف رأس،
وإيقاف تصنيع الأعلاف التي تصل
قيمتها إلى 170 مليون دولار.. أما
فرنسا؛ فقد أعدمت 50 ألف رأس من
الخراف، بلغ الدعم الذي قدمته
بعض الحكومات الأوروبية مبالغ
غير متوقعة؛ حيث رصدت حكومة
توني بلير 168 مليون جنيه
إسترليني لتعويض المزارعين
لكسب ود اتحاد المزارعين الوطني
البريطاني الذي يؤدي دورًا
قويًا في الانتخابات
البريطانية التي اقترب موعدها،
إضافة إلى 2.87 مليون جنيه
إسترليني في صورة دعم مقدم من
الاتحاد الأوروبي إلى قطاع
الزراعة، هناك أيضًا صادقت
فرنسا على صرف 215 مليون يورو
لمساعدة المزارعين الفرنسيين
الذين يمثلون 65% من الأصوات
الانتخابية، وفي إيطاليا تم
تخصيص 38 مليون دولار لدعم
المزارعين في يناير 2001، وهذه
مجرد أمثلة في بعض دول الاتحاد
الأوروبي، ويضاف إليها تكاليف
مكافحة المرض من أمصال ولقاحات
وتطهير للمزارع، وتعقيم للسياح
والسيارات والحيوانات، ناهيك
عن خسائر الصناعات المرتبطة
بالسلع الزراعية من ألبان وجبن
ولحوم ومشروبات وجلود وغيرها.
ومنذ
اندلاع أمراض الحيوانات في
أوروبا زادت المشاكل بين الدول
الأعضاء بالاتحاد الأوروبي
للتخلص من الحيوانات المصابة؛
فقامت بعض الدول الأوروبية
بالاستيلاء على ميزانية منظمة (كاب)،
وهي منظمة السياسة الزراعية
المشتركة، وتعتبر أهم أعمدة
الوحدة الاقتصادية الأوروبية،
وتمثل ميزانيتها نصف ميزانية
الاتحاد الأوروبي، ومسئولة عن
دعم المزارعين بدول الاتحاد
الأوروبي ومساعدتهم في أوقات
الأزمات، وقد ضجت هذه المنظمة
بالشكوى من تصرفات الحكومات
الأوروبية منذ انتشار مرض جنون
البقر؛ حيث تسبب هذا المرض في
تغريم المنظمة 971 مليون يورو من
ميزانيتها، وبدأت التكاليف في
الارتفاع بطريقة جنونية بعد
انتشار المرض.
احتمالات
تراجع حرية التجارة العالمية
منذ
انتهاء الحرب العالمية الثانية
ودول العالم تسعى إلى تحقيق
حرية التجارة في السلع
والخدمات، وقد عوملت الصادرات
الزراعية معاملة خاصة طوال هذه
المدة بسبب ما يمثله قطاع
الزراعية في دول أوروبا من
أهمية، وبسبب صعوبة تعديل
الاتحاد الأوروبي لسياسته
الزراعية المشتركة، والتي
يعتبر الأوروبيون أنها ذات
أبعاد سياسية، يتطلب تعديلها
إجماع الدول الأعضاء بالاتحاد
الأوروبي، وخلال الجولات
المتتالية لتحرير التجارة نجحت
المفاوضات في التخفيف التدريجي
لبعض القيود الجمركية على حركة
تجارة السلع الزراعية؛ حيث تم
تثبيت هذه القيود الجمركية،
وبدأ العمل على تخفيضها، كما تم
الاتفاق على تخفيض الدعم المقدم
للصادرات الزراعية، خاصة من دول
الاتحاد الأوروبي؛ لأنه يدمر
المنافسة العالمية في هذا
المجال، كما ترى أطراف أخرى مثل
الولايات المتحدة الأمريكية،
وأدى ذلك إلى انتعاش التجارة
الدولية في السلع الزراعية حتى
وصل إلى 500 مليار دولار في عام
1999.
وتقول
منظمة الأمم المتحدة للأغذية
الزراعية أن تجارة اللحوم
الطازجة والمجمدة تضاعفت خلال
عشر سنوات لتصل إلى 20.8 مليون طن
عام 1999، والشاهد أن انتشار
أمراض الحمى القلاعية وجنون
البقر أدى إلى اتخاذ سلسلة من
قرارات تقييد التجارة في مختلف
أرجاء العالم، وهو ما يهدد
مستقبل قطاع الزراعة ويعرضه
لردة دولية في مجال تحرير
التجارة؛ فخلال الأيام القليلة
الماضية قررت الولايات المتحدة
الأمريكية حظر استيراد اللحوم
من الاتحاد الأوروبي (تقدر
قيمتها بـ 278 مليون دولار)،
وسبقتها إلى ذلك أكثر من 90 دولة،
وهو ما يصيب الاتحاد الأوروبي
بخسائر تصل إلى ملياري دولار
على أقل تقدير..
وامتد
هذا الحظر العالمي إلى العديد
من السلع الزراعية الأخرى خلاف
اللحوم؛ فأعلنت بعض دول شمال
أفريقيا ووسط أوروبا تقييد
وارداتها من الحبوب من الاتحاد
الأوروبي؛ مما أدى إلى تأثر
أسعار بعض الحبوب مثل القمح،
وأثار مخاوف المزارعين في
أوروبا من زيادة خسائرهم؛ لأن
تجارة الحبوب أكثر بكثير من
تجارة اللحوم، وبذلك فإن مرض
الحمى القلاعية قد يكون له
آثاره على مجمل القطاع الزراعي
في العالم، وإن كان ليس من
المؤكد ما إذا كان قطاع الزراعة
العالمي سيكون هو الخاسر الأول
والوحيد، بسبب لعبة قرارات حظر
الاستيراد التي تسود العالم
حاليا، والتي قد يكون لها عواقب
تمتد خارج أوروبا.
أيضًا
هناك صعوبة في تحديد المستفيد
الحقيقي من هذا الوضع، وذلك لأن
انتشار المرض يؤدي إلى تحول
تجارة السلع الزراعية لصالح دول
أخرى، وهناك أمثلة على ذلك في
الماضي؛ حيث أدى انتشار مرض
الحمى القلاعية في تايوان عام
1997 إلى قيامها بذبح 14 مليون رأس
ماشية، وتم تدمير صادراتها التي
كانت تبلغ 1.6 مليار دولار سنويًا
من اللحوم، وفي النهاية تم
تحوّل مسار التجارة؛ حيث حلت
الولايات المتحدة والدانمارك
محل تايوان في تصدير اللحوم إلى
اليابان.
ولكن
في الظروف الراهنة قد يكون
انتشار الحمى القلاعية في
أوروبا فرصة مؤقتة للمصدرين من
الدول الخالية من هذا المرض،
وهو ما يعني تحقيق مكاسب لهم،
إلا أن هذه المكاسب ستزول بسبب
ما أحدثه هذا المرض من امتناع
الملايين في العالم عن تناول
اللحوم بصفة عامة، وما يترتب
على ذلك من خسائر لشركات
الصناعات الغذائية ومصدري
الحبوب والأعلاف؛ أي أن آثار
هذا المرض سوف تؤثر على الجميع.
الدول
العربية واحتمالات التأثر
الدول
العربية ليست بمعزل عن المرض
وآثاره الاقتصادية؛ فمن ناحية،
معروف أن الشرق الأوسط وأفريقيا
الموطن الأصلي لهذا المرض؛ أي
أن احتمالات وجود بؤر- ولو
محدودة- للمرض شبه مؤكدة، كما
أنها مستورد كبير للحوم
والمنتجات الزراعية من أوروبا
بصفة خاصة؛ أي أن تأثرها
الاقتصادي بهذا المرض لا فكاك
منه.
وعلى
صعيد انتشار المرض في المنطقة،
وحتى كتابة هذه السطور؛ فقد
تأكد وجود إصابات بهذا المرض في
السعودية، أكبر سوق لحوم في
المنطقة؛ حيث تستورد بما يعادل
10 مليارات دولار سنويًا، وظهر
المرض في أبقار مستوردة من
أستراليا، ضمن قطيع يضم 1500 رأس،
كما تم اكتشاف المرض في أماكن
أخرى من السعودية، وهو ما أدى
إلى تراجع مبيعات اللحوم في
السعودية بنسبة 30%، ويتوقع أن
يزيد تراجعها ليصل إلى 50%، وكذلك
تراجعت الأسعار بمعدل 25%، وهو ما
سيحمل تجار اللحوم السعوديين
خسائر كبيرة، كما تم الإعلان عن
وجود المرض في كل من فلسطين
وإسرائيل، وهو ما يشكك فيه
البعض- خاصة إسرائيل- الذي يرى
أن السلطة الفلسطينية تحاول
توظيف هذا الموضوع لأغراض
سياسية، ورغم عرقلة إسرائيل
للحملات الفلسطينية لتطويق
المرض فإنها في النهاية اضطرت
إلى تسليم الفلسطينيين 220 ألف
مصل لتطعيم المواشي ضد هذا
المرض، وترتيبًا على ذلك اتخذت
الأردن قرارًا بمنع دخول أي
مواشٍ من الأراضي الفلسطينية
إلى أراضيها، وفي الإمارات تم
الإعلان عن إعدام 151 بقرة وأكثر
من 50 عترة في محاولة لاحتواء
المرض، وفيما عدا ذلك فإن بقية
الدول العربية تؤكد أنها خالية
تمامًا من المرض.
وعلى
كل حال؛ فإن ظهور المرض في بعض
الدول العربية مثل السعودية
وفلسطين والإمارات يعني أن
المرض قد وصل المنطقة بالفعل
وأصبح مجاورًا لمعظم الدول
العربية الأخرى، وهذا يعني
احتمالات اتخاذ إجراءات لتقييد
حركة السلع الغذائية، وفي
مقدمتها السلع الحيوانية بين
الدول العربية، وهو ما بادرت به
الأردن عقب اكتشاف الإصابة في
فلسطين، وإزاء هذا الخطر الداهم
يجب على الدول العربية أن تتخذ
موقفًا جماعيًا لاحتواء المرض
والحد من انتشاره في المنطقة؛
لأنه في حالة حدوث ذلك لا قدر
الله فستكون عواقبه وخيمة..
لذلك
يجب أن يثار هذا الموضوع في قمة
عمان؛ لاتخاذ قرار بالتحرك
العربي الجماعي، وتقديم الدعم
المالي والفني والخبرة في مجال
مكافحة هذا المرض لتجنب آثاره
الاقتصادية، كما يجب اتخاذ قرار
عربي جماعي بإلزام المصارف
العربية والبنوك ومؤسسات تمويل
الواردات وبرنامج تمويل
التجارة العربية بالتوقف
الفوري عن تمويل الاستيراد
الخاص من اللحوم ومنتجات
الألبان والسلع الزراعية من
الدول التي ينتشر بها هذا
المرض، والتحول للاستيراد من
الدول العربية ذات الفائض في
الثروة الحيوانية؛ حتى لا يضاف
مرض الحمى القلاعية إلى أسباب
تعثر تحرير التجارة العربية.
اقرأ
أيضًا:
حمى
العالم بالحمى القلاعية
|