|
من
أبرز الأسئلة المطروحة في
الساحة الفليبينية هي: هل
ستستطيع الرئيسة "جلوريا"
النهوض بالنمر الفليبيني
اقتصاديًّا؟ جلوريا من جانبها
تعول على الرغبة في التغيير لدى
المجتمع وكثير من الأغنياء
والسياسيين، لكنه ليس بالأمر
الجديد؛ فقد جاءت أكوينو إلى
الحكم من قبل بالحماسة نفسها،
لكن الأوضاع الاقتصادية وحالة
الحرب في الجنوب لم تدع
الاقتصاد ككل يتحسن، وقد يبقى
الاقتصاد الفليبيني إلى جانب
الإندونيسي أسوأ اقتصاديات
جنوب شرق آسيا أداء.
وعندما
خرجت أكوينو من الحكم في 1992 بعد
كل الحماس الشعبي الذي زامن
مجيئها ألقت باللائمة على تركات
حكم ماركوس السابق لها، وما
سرقته عائلته من المليارات إلى
خارج البلاد، ولكن على من ستلقي
جلوريا باللائمة إذا فشلت مرة
أخرى؟ وهل سيقال: إن الملايين
التي يُتّهم إسترادا بتجميعها
بشكل غير قانوني هي التي دمرت
اقتصاد البلاد، مع أن الأرقام
لا تؤيد أبدًا مثل هذه المقولة!.
تراكمات
أزمات قديمة
وكانت
أكوينو قد تسلمت الحكم من
ماركوس والدولة عليها ديون
خارجية نتيجة التوسع في القروض،
تصل إلى 14 مليار دولار، ولكن
عندما تركت السلطة كانت الديون
25 مليارًا، وعندما جاء راموس
زاد عليها لتكون 30 مليارًا،
وهذه هي الديون الخارجية على
الدولة فقط!، أما الداخلية فقد
تراكمت وبنسبة 2000% وليس 100%! فكيف
يسمونهم بالإصلاحيين في نظر
البعض؟
هذا
ما تطرحه الحقائق من تساؤلات،
بالرغم من أن راموس حاول النهوض
بالنمر الفليبيني ليلحق
بالنمور الآسيوية الأخرى لكن
ذلك لم يتحقق، وبينما زاد حجم
الناتج المحلي الإجمالي في
تايلاند مثلاً - وهي ليست بأفضل
الدول الآسيوية - بنسبة 230%، فقد
نما حجم الناتج المحلي للفليبين
بالقيمة الثابتة للبيسو في كل
عام بنسبة 50% فقط مقابل نسبة نمو
سكانية قدرها 2%. ومن تراكمات
الحكومات السابقة نسبة البطالة
العالية، والعملة الضعيفة التي
مرت خلال فترات حكم إسترادا،
تسببت فضائحه وحربه في الجنوب،
في أن تجعلها من أسوأ العملات
العالمية أداء، كما أن السوق
المالية لم تعرف الاستقرار
الدائم منذ أكثر من عام.
أما
العجز في ميزانية الدولة فإنه
من المستبعد جدًّا أن تستطيع
جلوريا معالجته؛ حيث يشير
الخبراء إلى أن تلك مهمة تحتاج
ما بين 3 إلى 5 سنوات إن لم تستمر
لعقد آخر. واعتبر أحد الخبراء من
فريق جلوريا معالجة العجز في
الميزانية "أصعب تحد يواجهها"،
وهو يتراوح ما بين 150 إلى 180
مليار بيسو (4.9-5.9 مليارات دولار)
في عام 2000، وهو ضعف الرقم
المتوقع من قبل وقد يصل إلى 209
مليارات في العام الجاري.
وأحد
الأسباب المباشرة لهذا العجز
عدم تسديد الكثير من أصدقاء
الرئيس السابق الضرائب
المفروضة عليهم والفساد المالي
المتفشي والحرب في الجنوب،
فلوسيو تان مثلا وهو مقرب من
إسترادا، وهو تاجر خمور وسجائر
وطيران معروف، تطالبه الدولة بـ
530 مليون دولار (أو 25.3 مليار بيسو!).
أيضا قد انخفض نمو الناتج
المحلي الإجمالي في الربع
الأخير من العام 2000 إلى 3.6 %
مقارنة بـ4.9 في الفترة نفسها من
عام 1999 قبل بدء الأزمة السياسية
والعسكرية، وتتوقع الحكومة
نموه بنسبة 3.8 % في عام 2001 ككل
مقارنة بـ3.3% في عام 2000؛ مما يعني
تأخرها عن العديد من الدول
الآسيوية ومنه الصين وماليزيا
وسنغافورة وكوريا الجنوبية.
الحاجة
الماسة للأجانب
الرئيسة
جلوريا من جانبها ركّزت في
لقائها مع الصحفيين الأجانب على
الجانب السياسي، وضرورة
استعادة الثقة من قبل
المستثمرين والتجار في
الاقتصاد والبلد ككل مع
استلامها السلطة لإيمانها
بضرورة الإصلاح الاقتصادي
والشفافية، ولكن عندما سئلت
جلوريا عن توقعها في شأن قيمة
البيسو قالت: "كاقتصادية
دعوني أقول لكم: إنه ليس من
السهل أن أذكر لكم رقمًا".
وتعتقد
جلوريا أن "الأغنياء إذا
وثقوا في الحكومة سيدفعون لها
أكثر إذا شعروا بأخلاقيات عمل
من فيها وعدم انتهاكهم للقانون"
وكانت فضائح الرئيس منذ يناير2001
إيذانا ببدء افتقاد المستثمرين
للثقة في حكومة إسترادا، ومع
تحول الأمر إلى حديث الشارع
السياسي والجماهيري لم تعد
العملة المحلية محكومة بسعر
محدد وتدهورت وكأنها عومت منذ
شهر أكتوبر.
وبعد
سقوط إسترادا أعلن نادي مكاتي
التجاري الذي يضم مصنعين بارزين
تأييدهم لجلوريا. ومع أن كبار
التجار متهمون في دولة
كالفليبين بالفساد المالي
والمحسوبية والعلاقات الخاصة
بالمسؤولين، فإنهم بحاجة إلى
المستثمرين الأجانب لضخ ملايين
أخرى يعجزون عن توفيرها محليا
لبناء مشاريع البنية التحتية
والبنية المعلوماتية، وهذا ما
يجعل الواعين بتحديات الاقتصاد
المعولم يتعاونون مع الحكومة
"لإظهار" دولتهم بشكل "أنظف"
ماليا وإداريا؛ لأن الدولة
بحاجة إلى أموال إضافية يعجز عن
توفيرها المستثمرون
الفليبينيون.
وفي
النهاية لن تستطيع جلوريا زيادة
إنفاق الدولة كما لا تستطيع فرض
إصلاحات في القوانين
الاقتصادية، وهذا ما يجعل
نجاحها رهن الأموال الأجنبية
التي هربت من فساد إدارة
إسترادا، كما أن الفليبين لا
تمتلك ما اعتمدت عليه دول مثل
ماليزيا وسنغافورة وتايوان
وكوريا الجنوبية من نسبة عالية
في المدخرات الوطنية والفردية (
24% من الناتج المحلي للفليبين
مقابل 43% بالنسبة لماليزيا مثلا)،
وهذا ما يزيد اعتماد البلد على
الأموال الأجنبية لتوفير فرص
عمل، ولهذا فشخصية الرئيسة مهمة
من هذه الناحية، كما أنها
ستواجه منافسة الصين ودول آسيا
الأخرى في وقت انحدار الاقتصاد
الأمريكي.
وكانت
الاستثمارات الأجنبية قد
انخفضت من 566 مليون دولار في
الربع الأول لعام 1999 إلى 108
ملايين في الربع الأول لعام 2000،
وكانت الغرفة الأمريكية
للتجارة والصناعة في الفليبين
ولانتشار أعمالها تعقد
اجتماعات وندوات عدة مرات كل
أسبوع عن مشاريع الأموال
الأمريكية سابقا، ولكن منذ
بداية عام 1999 لم تعقد ندوة أو
ندوتين كل 3 أشهر، ولم يعد
التفكير بقروض أجنبية بوارد حيث
عمل صندوق النقد الدولي مع
الحكومة الفليبينية لمدة 35
عامًا، وتخرجت من تحت عباءة
برامجه في مارس 1998.
أحلام
اللحاق بالهند أو تايوان
ثم
إن التحدي الآخر ذا العلاقة هو
النهوض بأنشطة الاقتصاد الجديد
وتقنيات المعلومات للحاق
بالدول الآسيوية الأخرى التي
تقدمت عليها في ذلك، وتُولي
الشركات الأجنبية اهتماما بوضع
استثمارات في تقنيات المعلومات
في الفليبين بسبب معرفة الكثير
من الخريجين باللغة
الإنجليزية، وكانت حكومة
إسترادا قد أقرت قانون التجارة
الإلكترونية وأقرت بناء تسعة
حدائق إلكترونية، ولعل ما يجعل
الفليبين طموحة في الاقتصاد هو
أن منتجات تقنية المعلومات شكلت
60% من مجموع صادرات البلاد،
وكانت الفليبين قد صدرت في عام
1999 ما قيمته 30.7 مليار دولار من
الإلكترونيات والكهربائيات،
وهو ضعف الإنتاج من الصنف نفسه
في عام 1998.
وتطمح
حكومة الفليبين لكونها البلد
المفضل للعديد من الشركات التي
تعتبرها البلد الكاثوليكي
الوحيد في المنطقة، إلى أن تكون
مركزا للشركات المتعدية
الجنسيات (وليس المتعددة
الجنسيات في الأغلب!) وخاصة
الأمريكية منها مع توفيرها لهم
عمالة ماهرة تعرف الإنجليزية
ورخيصة مقارنة بالخبرات نفسها
من أوروبا وأمريكا.
ففي
استبيان في عام 1999 لآراء شركات
في 47 دولة برزت الفليبين كأول
بلد آسيوي يتوفر فيه مديرون
أعمال مؤهلون وبكلفة أقل،
والثانية في توفر الفنيين،
والرابعة في توفر المهندسين ذوي
الخبرة. وترى الشركات
التايوانية أن عملها في
الفليبين سيوفر عليها 15-20% من
التكلفة باعتمادها على عمالة
تايوانية.
وتقف
الفليبين اليوم على مفترق طرق
في سياستها التعليمية
والتصنيعية، فهي إما أن تسير
على خطى تايوان لتصنع قطع
الهاردوير، أو أن تدخل في مجال
البرمجيات والمعلوماتية على
خطا الهند، والخياران ممكنان
إذا استطاعت الجامعات
الفليبينية تخريج المزيد من
الفنيين والمهندسين. وبالرغم من
أن إنتاج الفليبين من البرمجيات
هو عشر إنتاج الهند، فإن
المسؤولين واثقون من أنهم لو
ركزوا جهودهم فسوف يتخطونها في
غضون سنوات.
فساد
والأغلبية فقيرة
لكن
قضية النهوض بأنشطة الاقتصاد
الجديد لن تكون وحدها حلاً لما
تعاني منه الفليبين من مشاكل
اقتصادية؛ فالجانب الآخر من
الاقتصاد الفليبيني هو هموم
الفقراء الذين يحتاجون إلى
إصلاح الأنظمة الزراعية التي
تحكم دخلهم القليل، بالإضافة
إلى الموظفين والعمال الذين
يشكلون نسبة 60% من مجموع سكان
الشعب البالغ 76 مليون نسمة.
ويعيش
25 مليون نسمة من هذا الشعب بأقل
من دولار في اليوم الواحد،
ويعيش ثلث الملايين العشرة من
سكان مانيلا بدون منازل دائمة،
وتصل نسبة البطالة إلى 14% حاليا
من مجموع القوة العاملة أو 4.8
ملايين نسمة وهي نسبة عالية
جدًّا في منطقة آسيا. ولذلك
عندما سئلت جلوريا عن الفقر في
بلدها أقرت بأن "الوضع صعب
للغاية "لكنها تعول على
تقنيات المعلومات واقتصاد
الإنترنت كثيرا.
تحتاج
جلوريا إلى أن تتخذ خطوات حازمة
في مسألة الفساد الذي يشل أجهزة
الدولة ويغير من توجهاتها ومن
قراراتها في كل شيء، كما تفتقد
أجهزة الدولة وتعاملاتها
للشفافية، وقد أهمل السياسيون
المشاريع الاجتماعية والمدنية،
فتايلاند مثلا المجاورة لها
والأقل سكانا بعشرة ملايين تنفق
على التعليم سبعة أضعاف ما
تنفقه الفليبين عليه.
لذلك
فأوضاع التعليم سيئة والمدارس
في أوضاع غير متماشية مع القرن
الجديد. ومع ما يقوله السياسيون
في خطبهم الطموحة، فـ 40% من
الأطفال تركوا المدارس والبقية
يشتركون في الكتب السيئة
الطباعة أو أنهم بدون كتب
أحيانا، والمدرسون ليسوا
ماهرين في تدريسهم، والصفوف
مزدحمة وكبيرة؛ والنتيجة هي
ديمومة انقسام المجتمع مهنيا
واقتصاديا، وبقاء تركز السلطة
والمال بيد قلة قليلة جدا .
فهل
تستطيع جلوريا وهي من هذه
الأقلية النافذة سياسيا أن تتخذ
خطوات تضعف فيها من نفوذ وغنى
عائلتها وأصدقائها؟ ما قامت به
في البداية لا يمكن من خلاله
الحكم عليها بالنجاح المستقبلي
أو الفشل من إعلان برنامج أول 100
يوم في الحكم ومن ذلك 35 نقطة،
ومنها مقترح لتأسيس وكالة
مستقلة لمراقبة أملاك
المسؤولين، كما منعت التعامل
عبر أقربائها في صفقات الدولة
وتعيينات موظفيها .
اقرأ
أيضًا:
|