بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
أرسل لصديق

في الموقع أيضًا:

بين كلينتون وبوش: الاقتصاد في نفق مظلم!

2001/01/23

نبيل شبيب

برحيل كلينتون عن البيت الأبيض الأمريكي ينتهي عهد الديمقراطيين. وبقدوم بوش الابن يبدأ العهد الجمهوري، وفي إطار المؤشرات التي تؤكد حدوث تباطؤ أو ركود في الاقتصاد الأمريكي، وبداية عهد الرمادة فإن السؤال المطروح: ما هو موقع السياسية الاقتصادية بين العهدين؟ وما هي أوجه الشبه والاختلاف؟ وأيضًا ما موقع الفقراء ورجال الأعمال في كل منهما؟

اقرأ في الموضوع:

ملاحظات مبدئية

يحسن في البدء التنويه بملاحظات مبدئية:

1- السياسة الاقتصادية الخارجية مرتبطة بالاقتصاد الداخلي ارتباطًا وثيقًا، فلا ينفصل استقرار التوقعات من حكومة أمريكية جديدة على الصعيد الدولي عن التوقعات المرتبطة بسياستها الاقتصادية داخليًّا.

2- الرئيس الأمريكي لا يصنع السياسة الأمريكية ، بما في ذلك الاقتصادية ، بل هو – بمعنى مواصفاته كرئيس واقتناعاته- واحد من العناصر الرئيسية في صياغتها وإدارتها، وربما لم يكن العنصر الأهم من بينها.. فانتخاب رئيس جيد "يؤثّر" على القرار السياسي بما في ذلك الاقتصادي، ويعطيه إخراجًا جديدًا، ولكن لا يبدّله من حيث الجوهر والمضمون .

3- بنية الاقتصاد الأمريكي لا تقوم على المعطيات الذاتية فقط والتي لا يستهان بها، بل تعتمد اعتمادا رئيسيًّا لا يستهان به أيضا على المعطيات الدولية والتفاعل المتبادل معها، بدءا بالتأثر السلبي والخسارة المادية، ومرورًا بالعمل على تكييفها وفق الأغراض الأمريكية، وانتهاء بالاستغلال المحض والهيمنة.

4- المعايير التي يُقاس بها النجاح الاقتصادي في فترة زمنية ما ، في أي بلد رأسمالي غربي ، تدور حول محور رئيسي هو وضع الشركات والمصارف المالية، فذاك ما يصنع في نهاية المطاف الأرقام الرئيسية المستخدمة في تحديد نسب النمو الاقتصادي أو الناتج الاجتماعي العام، أي المقاييس المعتمدة في تقويم الوضع الاقتصادي ، بغض النظر عن مدى انعكاس ذلك سلبا أو إيجابا على ما يمكن وصفه بالاقتصاد المعيشي الفردي أو الأسري بالنسبة إلى عامّة السكان .

الوضع الاقتصادي داخليًّا

كان كلينتون من "الديمقراطيين" أو "اليسار الرأسمالي" في الأصل ، وفي ضوء هذا ، يمكن إلقاء نظرة تقويم عاجلة على حقيقة الازدهار الاقتصادي في العهد السابق، دون الإغراق في التفاصيل والمقارنات، وسنجد من المعالم الرئيسية لحصيلته:

1- ازدياد هـوّة الثراء والفقر، حتى سجّلت أرقامًا قياسية، كتلك التي عرفها عهد "رونالد ريجان" وشهدت آنذاك تطبيق أشدّ الأفكار والنظريات الرأسمالية تشدّدا، فالثابت أنّ ما يتردّد باستمرار عن نمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة تناهز خمسة في المائة سنويًّا خلال الأعوام الثمانية الماضية، يعني على أرض الواقع وبالأرقام:

2-ازدياد حجم ميزانيات الشركات الأمريكية الكبرى والمتوسطة والمصارف المالية وأرباحها، وارتفاع عدد أصحاب المليارات من الأفراد إلى أربعة أمثال ما كانوا عليه قبل ثماني سنوات.

3-وجود 31 مليون فقير وفق آخر التقارير السنوية الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية (9/2000م) منهم 12 مليون طفل، ووجود بطالة حقيقية بنسبة تزيد على عشرة في المائة ، أي ما يشمل الأرقام الرسمية للبطالة ويشمل بطالة مقنعة نشأت نتيجة العمل بأجور زهيدة دون مستوى رفع العامل وأسرته فوق خطّ الفقر، ولا تقتصر النتائج على "مجرّد الجوع" في المجتمع الأمريكي بل تتناول أيضا ضياع حقوق إنسانية أساسية أخرى، في قطاعات الصحة والتعليم والمأوى وسواها.

4- الازدهار الاقتصادي الأمريكي "عنصري"، على غرار "الازدهار الاقتصادي العالمي" في حقبة "الهيمنة الأمريكية" والقائم على أسس ونتائج عنصرية ممّا تضاعفت أشكاله التطبيقية ومظاهره المرئية منذ الحرب العالمية الثانية. ولا يمكن الفصل بين مسلسل حوادث "التمييز العنصري" الأشبه بحوادث انفجار اجتماعي، والتي شهدها عهد كلينتون كما كان في "لوس أنجلوس" وسواها، وبين مفعول هوّة الثراء والفقر في هذا الاتجاه، ففي المجتمع الأمريكي الذي بلغ متوسط الدخل الفردي فيه أكثر من 33 ألف دولار في العام، تنتشر حالات الفقر بين السود والملوّنين بمعدّل 21 في المائة وبين البيض بمعدل 7 في المائة، مع كل ما يترتب على ذلك في الميادين المعيشية المختلفة.

5- النمو الاقتصادي الأمريكي في عهد كلينتون، أي في الفترة التي شهدت ذروة جديدة في انسياح "العولمة المتأمركة" في أنحاء العالم، لا يعدو أن يكون "طفرة انتعاش" أقوى من سابقاتها، ممّا هو معروف عن دورات الازدهار والركود المتعاقبة في ظلّ الأنظمة الرأسمالية، وعلى قدر حجم الازدهار وتواصله لمدة سبع سنوات تقريبا - وهي الفترة الزمنية الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية- بات من المؤكّد أن فترة الركود التي بدأت من قبل أن يغادر كلينتون منصبه، ستكون شديدة وطويلة أيضا .. وهذا في تقدير معظم الخبراء ، الأمريكيين وسواهم، وكان من علامات الركود الأولى انخفاض نسبة النمو الاقتصادي في الربعين الثاني والثالث من عام 2000 م على التوالي من خمسة في المائة في المتوسط من قبل إلى حوالي اثنين في المائة، وهذا ما دفع "تشيني" نائب رئيس الدولة الجديد ، إلى الإعراب عن القلق الشديد من الركود المنتظر ، ثمّ تابعه "بوش" نفسه مؤكّدا أن نائبه أعرب عمّا يشعر به هو أيضا من القلق، وأصبح أقصى ما يمضي إليه أشدّ المتفائلين من الخبراء الأمريكيين، وغيرهم في الوقت الحاضر، هو أن يكون حلول الركود بطيئا ومحتملا لا أن يقع فجأة وبقوة .

ومن المعروف أنّه بعد عامين فقط من حملة انتخابية حافلة بالوعود لصالح الفقراء والعمال والفئات الأضعف اجتماعيًّا، توجّه الرئيس الأمريكي السابق كلينتون نحو الوسط كما يقال، وهو تعبير يصف أرضية اقتصادية لا تختلف كثيرًا عن التي يقف عليها الجمهوريون ، كما أنّ ما يصنعه دعاة "الطريق الثالث" كما يتحدّث كلينتون وبلير وشرودر وأمثالهم عن أنفسهم ، بعد أن ابتعدوا كثيرا عن "اليسار الرأسمالي" ، يتطابق اقتصاديًّا مع ما يصنعه "اليمين الرأسمالي"، ويتخذ هذا على الصعيد الداخلي شكلًا يجعل ارتفاع أرباح الشركات إلى أرقام قياسية، وارتفاع الفائض في الميزانية المالية بأرقام قياسية أيضًا، يقابله في "دورة الازدهار" عدم صرف شيء يستحق الذكر من تلك الأرباح أو الفوائض؛ لتحسين التأمينات الاجتماعية على وجه التخصيص، بل على النقيض من ذلك كانت الأرباح والفوائض من نتائج تقليص التأمينات والحدّ من نفقاتها باطّراد ، فلا يُستغرب أنّ أهم مشاريع كلينتون "المرشح" في حينه قد سقط بعد استلامه السلطة بفترة وجيزة، وهو مشروع إصلاح التأمينات الصحية في البلد الذي تعتبر هذه التأمينات فيه أسوأ منها في أي بلد رأسمالي غربي آخر .

الركود والعلاقات الخارجية

هل يتبدّل هذا النهج مع حلول "دورة الركود" ؟.. وهل ينتظر ذلك من التشكيلة الحكومية الجديدة بالذات ؟.. ثم ما الذي يترتب على ذلك في نطاق العلاقات التجارية والمالية الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية؟

يوصف الرئيس الأمريكي الجديد بالجهل على نطاق واسع في ميدان السياسة الدولية، إلى درجة عجزه عن إجابة سؤال صحفي عن أسماء زعماء أربع دول في العالم، فلم يعرف منهم إلا واحدا. ويبدو أن مستشاريه نصحوه بتعميم الكلام كيلا يقع في أخطاء جسيمة، فلم يصدر عنه من التصريحات ما يفيد شيئا عند محاولة الحسم في اتجاهاته السياسية عموما بما فيها الجانب الاقتصادي، وذاك ما لاحظه "جيمس ليندسي" من خبراء معهد بروكينجس في واشنطن ، فحذّر من "وزن كلام بوش بميزان الذهب" ، بينما يقول عنه "بيل مينَتاجْليو" مؤلّف كتاب "الولد الأول" إنه سيسعى للسير على خطى أبيه، ثم يضيف بشيء من الدبلوماسية في صياغة العبارة "لا يبدو عليه حب الاستطلاع الثقافي الكبير، إنّما لا أعني بذلك أنّ الرئيس يجب أن يكون بالضرورة من العلماء" .

ومن يتحدّث عن نجاحه في الوصول إلى أعلى منصب سياسي أمريكي لا يغفل عن البداية بطريق "الحظ السعيد" أو ربما نتيجة تدبير في الخفاء، عندما تقلب في شبابه في أكثر من مجال ثم اشترى ناديا للعبة "بيسبول" حقق ربحا كبيرا على غير انتظار، وقد كان هذا النادي بعد سنوات من وراء تمويل وصوله إلى منصب حاكم ولاية تكساس، كمقدّمة للخطوة السياسية التالية بينما عُرف على الصعيد الاقتصادي بعمله في شركة نفطية في الولاية نفسها، شأنه في ذلك شأن نائب الرئيس الحالي تشيني، الذي شغل منصب رئاسة إحدى الشركات النفطية في دالاس بين عامي 1995 و2000 م ، وإن كانت شهرته الأكبر، كوزير للدفاع وبالتالي عبر الحملات العسكرية الأمريكية في باناما وفي الخليج .

وتؤكّد هذه المعالم العامة وكذلك مواصفات التشكيلة الحكومية الجديدة أنّ انتقال السلطة من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري، لن يقترن باتباع سياسة اقتصادية جديدة.. فمصالح أصحاب المال والأعمال التي خدمها عهد كلينتون، هي عماد سياسة الجمهوريين أصلا ، وهذا ما يؤخذ من بعض تصريحات بوش قبل استلامه المنصب، كترحيبه بتخفيض "الفوائد الربوية الأساسية" من جانب المصرف المركزي لمواجهة معالم الركود الجديد، ومثل هذه الخطوة بات يمثل وسيلة ثابتة في الفكر الرأسمالي، المتشدد والوسط، القديم والجديد، وسيجري تطبيقها في فترة الركود القادمة مع قدوم بوش .

وفي مقدمة أسباب الركود تناقص القدرة الشرائية لدى المستهلكين داخليًّا، وكذلك لدى المستوردين خارجيًّا، فكما أنّ الأعباء المعيشية الفردية وتقليص الضمانات الاجتماعية وانخفاض الأجور ساهمت في اضطرار الفرد الأمريكي إلى التوفير بتقليص حجم مشترياته أو العجز عن شرائها .. كذلك فإن شدة الضغوط المالية والتجارية على المستورد من البلدان النامية، بعد تخفيض دخله بتخفيض أسعار المواد الخام والطاقة، وبعد إنهاك طاقته المالية عبر ارتفاع "تكاليف القروض الخارجية" ، يؤدّي إلى العجز عن استيراد المنتجات المعنية .. وهذا ما بدأ مفعوله يجتمع مع مفعول ضعف القوة الشرائية الداخلية؛ ليخرج بالاقتصاد الأمريكي من دورة الازدهار إلى دورة الركود.

وقد كانت فترة ازدهار الاقتصاد الأمريكي تعتمد من ناحية توجيهها سياسـيًّا على عناصر عديدة متكاملة، لعل من أهمها عنصرين: أولهما رفع الفائدة الربوية الأساسية، لامتصاص رءوس الأموال من البلدان الأخرى، وثانيهما رفع الحواجز الدولية في وجه تحرّك رؤوس الأموال الأمريكية استثمارًا، والمنتجات الأمريكية تصديرًا على الصعيد العالمي بغض النظر عن حقيقة موقعها في سوق المنافسة الدولية .

ومن المعروف أنّ فترة الازدهار في هذا المجال أيضا - كوضع الازدهار الاقتصادي داخليا- لا يستمرّ إلا فترة من الزمن تليها فترة ركود، وقد بدأت الآن على صعيد العلاقات التجارية والمالية الخارجية .. وكان من أبرز علاماتها ما ظهر على شكل أزمة تصريف السيارات الأمريكية . وتمتدّ هذه الظاهرة إلى سائر القطاعات الأخرى على صعيد التجارة الخارجية، وقد بدأ بالفعل رصد الاضطراب الشديد على الصعيد التجاري، كما يقول مثلا شتيفن كالاجير من معهد "سوشيتي جنرال"، كما بدأ رصد ارتفاع حجم المخزون من البضائع الكاسدة في الشركات الأمريكية، كما تشير -مثلا آخر- كارول ستون من معهد "نوميرو سيكوريتيس "، ولا تختلف تقديرات هؤلاء من الخبراء الأمريكيين عن تقديرات أقرانهم من غير الأمريكيين، مثل أولريخ باكمان من "دويتشه بنك" أكبر المصارف المالية الألمانية، وهو يعلن توقع هبوط نسبة النمو الاقتصادي الأمريكي هبوطا شديدا مع ما يرافقه ذلك من تعادل قيمة الدولار واليورو ، وربّما ارتفاع قيمة اليورو إلى أكثر من دولار واحد على الأرجح .

الاستمرارية الرأسمالية

ينبغي التأكيد هنا أنّ النمو الاقتصادي في عهد كلينتون بغض النظر عن سائر سلبياته وإيجابياته لم يكن ناجما عن أنّ كلينتون قد "حَكَمَ الولايات المتحدة الأمريكية" واقتصادها في هذا الاتجاه، بل هو من حصيلة أنّ "الرأسمالية" قد حكمت البلاد وحكمت رئيسَها أيضا كسواه في الاتجاه الذي تريد، وينبغي التأكيد تبعا لذلك أنّه إذا حكمت "الرأسمالية" -وبتعبير أوضح: القوى الرأسمالية المنفذة في الولايات المتحدة الأمريكية- الرئيسَ الأمريكي السابق وهو من الديمقراطيين وجعلته جمهوريًّا أو نصف جمهوري ، فلن تحوّل بطبيعة الحال الرئيس الجديد جورج بوش، الجمهوري أصلا، في اتجاه معاكس، وينحصر السؤال عن مستقبل السياسة الاقتصادية الأمريكية إذن في جانب الشكليات والتفاصيل، كالتساؤل: هل يوجد لدى بوش ومساعديه مواصفات تترك بصمات جديدة على المسيرة الاقتصادية الأمريكية داخليًّا، وبالتالي على صعيد العلاقات الخارجية التي تتأثّر بالعوامل الداخلية تأثّرا حاسما؟

إن الوسائل الرأسمالية التقليدية في مواجهة الركود على صعيد العلاقات الخارجية، والتي من المنتظر أن تستخدمها القوى الرأسمالية الأمريكية الآن، مع قدوم بوش –ولم تكن لتستخدم غيرها لو جاء آل جور- هذه الوسائل لا تختلف في جوهرها ومغزاها والمنطق الذي تقوم عليه، عن الوسائل المتبعة في مواجهة الركود الاقتصادي داخليًّا.

إلى وقت قريب كان يدعو اليسار الرأسمالي الذي ضمر وجوده في الغرب ضمورًا شديدًا، إلى دعم القوة الشرائية لدى المستهلك كنقطة انطلاق ليشتري المزيد من المنتجات فينعش الشركات المنتجة، وهذا ما يمثل أيضًا جوهر الدعوة المشابهة إلى مساعدات إنمائية تحسّن أوضاع البلدان الأخرى، فتزداد قدرتها على استيراد منتجات الدول الدائنة.

وبالمقابل فإنّ اليمين الرأسمالي وكذلك "اليسار سابقا" الذي بات يعرف بوصف الوسط أو الطريق الثالثة، يتبنّى نهجَ تخفيفِ الأعباء المالية عن أصحاب الشركات ورؤوس الأموال، بهدف تخفيف تكاليف الإنتاج ورفع منسوب تصريفه بالنسبة إلى الشركات، وبهدف تخفيف نفقات القروض وعلى وجه التحديد الفائدة الربوية عليها، وبالتالي تخفيض نفقات استثمارات جديدة. وفي هذا الاتجاه تتركز معظم التصريحات الصادرة عن بوش ومساعديه في الأسابيع الثلاثة التي سبقت استلامه السلطة، وبعد أن ازدادت معالم الركود الاقتصادي ظهورا للعيان.

وبالمقابل فمع تخفيض الفائدة الربوية يزداد الإقبال على العملات الأخرى على حساب العملة الأمريكية، وهو ما بدأت آثاره تظهر للعيان بصورة عاجلة نسبيًّا، كما يؤخذ من تبدّل قيمة صرف الدولار واليورو .

وكما أنّ التعامل مع دورات الازدهار والركود داخل نطاق المجتمع الرأسمالي يجري لحساب فريق محدود العدد على حساب آخر كبير العدد من السكان، في فترتي الركود والازدهار على السواء، كذلك فالتعامل الرأسمالي على مستوى العلاقات التجارية والاقتصادية يستخدم النهج نفسه، إنّ تقليص الضمانات الاجتماعية وتعديل ميزان الضرائب لصالح أصحاب المال والأعمال، داخل نطاق الدولة الرأسمالية، يقابله التضييق المتصاعد في شروط ما يسمى القروض الإنمائية مثلًا ، أو الضغوط على أسعار المواد الخام والطاقة، وغير ذلك ممّا جعل المسيرة الرأسمالية على الدوام مسيرة استغلالية عالميًّا، من عهد الاستعمار العسكري حتى الآن ، وهو ما بلغ ذروته في الحقبة الماضية على تنشيط "العولمة" في التسعينيات الميلادية، أي طوال عهد كلينتون، ومن المنتظر المزيد، وربّما بقوّة أشدّ وسرعة أكبر في عهد بوش، وبحيث يزداد الاعتماد داخل الحدود على الحواجز التجارية والجمركية والتحكم بعناصر المنافسة، على صعيد الواردات كيلا تنافس المنتجات المحلية وتزيد كسادها، وعلى صعيد الصادرات بصورة معاكسة، عبر التشدّد في المواقف في مسارح المفاوضات التجارية الدولية ثنائيا أو على مستوى جماعي .

خلفيات سياسية للقرار الاقتصادي

وعند البحث عن مؤشرات "التعديلات الشكلية" المنتظرة من الحكومة الأمريكية الجديدة، يمكن التنويه مثلا بأنّه على الصعيد الاقتصادي واستنادا إلى دوره في حرب الخليج استطاع تشيني في أثناء عمله في ميدان النفط بناء شبكة علاقات واسعة النطاق على الصعيد النفطي في الدول العربية الخليجية، وربّما تعلّق جهات عديدة على أنّ هذه العلاقات يمكن أن تخدم مستقبل العلاقات الأمريكية- العربية بعد أن بلغ الانحياز الأمريكي ذروته في عهد كلينتون، ولكن ربّما لم يعد يذكر كثيرون في المنطقة العربية والإسلامية ، أنّ تشيني كان -كوزير للدفاع في بلاده- أوّل من طرح عقب سقوط الشيوعية، في منتدى ميونيخ للشئون الأمنية عام 1991م ، شعار "الإسلام عدو بديل" وحاول أن يقنع به الأوروبيين لتبرير ضرورة استمرار وجود حلف شمال الأطلسي، فتردّدوا في البداية، ولكن مع مرور الزمن وتحت تأثير الهيمنة الأمريكية ، دخل "المقصود" بهذا الشعار في صياغة معظم خطوات الحلف التالية، في أثناء تعديل صياغة المهام، وفي أثناء تعديل هيكل القيادات والتشكيلات العسكرية، وحتى بناء قوّة التدخل السريع التابعة للحلف، وتشيني أيضا هو من تابع سياسة الضغوط الكبرى على باكستان للحيلولة دون صناعة سلاح نووي رادع بعد أن شرعت الهند في ذلك منذ عام 1976م ، وهو الذي سعى لتمرير سياسة الاحتكار النووية عموما مع ما ترتب على ذلك على صعيد المعادلة النووية العربية-الإسرائيلية.. وبصورة عامة، إنّ الخلفيات السياسية الراهنة للحكومة الجديدة، لا توفر الأرضية الضرورية لمجرد توفير الإرادة السياسية الضرورية من أجل علاقات "اقتصادية" متوازنة، ناهيك عمّا سبق التنويه إليه بصدد مراكز صناعة القرار الاقتصادي والمالي في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يسـتدعي أيضا الإشارة إلى ما يتردّد بشأن "تقلص النفوذ اليهودي" بمقارنة الجمهوريين مع الديمقراطيين، أو مقارنة بوش الأب مع كلينتون، وهو أمر قد يستدعي المتابعة الدقيقة، ولكن لا ينبغي أن يتجاوز من البداية رؤيةَ أن القوى اليهودية المتنفذة تعمل للتأثير على الحزبين معا، عن طريق غالبية العامة من الناخبين اليهود باعتبارهم من "الأقليات" وبالتالي الأقرب إلى تأييد حزب الديمقراطيين، وكذلك عن طريق الشركات والمصارف المالية، التي تعتبر في الجبهة الأخرى، فهي الأقرب إلى حزب الجمهوريين، وهذه لا تمارس تأثيرها عن طريق "أصوات الناخبين" بل عن طريق تأثير المال والنفوذ بصورة مباشرة ، فلا يستهان بموقع النفوذ اليهودي من الحكومة الأمريكية الجديدة ، بتأثير ميل 80 في المائة من أصوات الناخبين اليهود لصالح آل جور الخاسر .. وبالمقابل لا يعني هذا عدم العمل على مواجهة النفوذ اليهودي بالسبل المناسبة الممكنة.

المهمّ في هذا الموضع هو إبراز عامل الخلفيات السياسية المؤثرة على القرار الاقتصادي، وهذه الخلفيات تتكامل عمومًا ما بين الحكومة الأمريكية الجديدة، وبين الشركات والمصارف المالية بأوضاعها الراهنة والحجم الحقيقي للنفوذ اليهودي فيها دون تهويل من شأنه أو تهوين للقول بعدم استبعاد أن تصدر أحيانا قرارات اقتصادية تجاه المنطقة العربية والإسلامية، تنطلق ممّا تعتبره تلك القوى في مصلحتها "على المدى البعيد" وإن كانت لا تنسجم من الناحية المنطقية وعلى المدى القريب مع معادلة " المصالح تصنع القرار" والذي تعوّل عليه جهات عديدة في التعامل مع السياسات والمتغيرات السياسية والاقتصادية الأمريكية.

يضاف إلى ذلك ما تبدل من معطيات دولية في الأرضية التي يتحرّك اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية عليها عالميًّا، فمع ازدياد عنفوان ما يوصف بالعولمة المالية والاقتصادية، وبعد الأزمات المرافقة للانسياح الأول لظاهرة العولمة بعد سقوط الشيوعية ، كما ظهر في جنوب شرق آسيا والاتحاد الروسي وأمريكا الجنوبية، ضاعفت القوى الاقتصادية الرئيسية جهودها كيلا تهيمن عليها العولمة بوجهها الأمريكي في الدرجة الأولى، ويمكن تحديد المعالم الأظهر للعيان على هذا الصعيد في نقاط موجزة :

  1. مضاعفة قوة المسيرة الأوروبية على مختلف الأصعدة المالية والاقتصادية والسياسية والأمنية وكذلك التوسع الجغرافي.

  2. لا تزال اليابان تعاني من فترة الركود السابقة وما تركته أزمة جنوب شرق آسيا من آثار أطالت فترتها، ولكن من العسير وفق ما هو معروف عن تاريخ العلاقات التجارية اليابانية-الأمريكية وأثر العامل "الثقافي" الياباني عليها أن تشهد هذه العلاقات تبدّلا جذريًّا ، بل الأرجح أن تعود إلى ما كانت عليه في فترة الازدهار الاقتصادي الياباني في الثمانينات الميلادية، والتي يمكن وصفها بالتعاون "المهذب" دون ذوبان، والمنافسة "الهجومية" دون تردّد .

  3. يسعى كل من الاتحاد الروسي والصين الشعبية لدرجة من الاستقلال السياسي والأمني تكفي للحيلولة دون "تقليص" هذا الاستقلال عالميًّا عن طريق الارتباطات المالية والاقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجري التعبير عنه بالعمل على تعدد الأقطاب أحيانا، أو تشهد عليه وقائع أخرى كالعلاقات الروسية-الإيرانية.

  4. تجاوزت منطقة جنوب شرق آسيا ومنطقة أمريكا الجنوبية الفترة الحادة من الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة، والتي ساهمت مع أوضاع أوروبا واليابان اقتصاديًّا في دعم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الانفراد بزعامة العالم ماليًّا واقتصاديا، أو ما يمكن وصفه بالهيمنة المالية والاقتصادية التي تعتبر الأساس الأولي للهيمنة في ميادين أخرى.

إن واشنطن ترصد التبدل في المعطيات الدولية في اتجاه يحدّ من قدرتها على الهيمنة والنفوذ تحت عنوان "الزعامة" الانفرادية أو غير الانفرادية، ومن المنتظر أن تسعى للتعويض عمّا يمكن أن تخسره في بعض المواقع، مثل غرب أوروبا، عن طريق مواقع أخرى، مثل المنطقة العربية أو العلاقات مع البلدان النامية عموما، ويصعب هنا التنبؤ بالتفاصيل، إنّما يمكن رؤية مراكز الثقل في موازين ما يسمّى "المصالح الأمريكية"، وهو في واقعه ما يمكن تحصيله من ميزات مادية وغير مادية في العلاقات مع الآخرين، بغض النظر عن الجوانب الإنسانية ومقاييس القيم والمشروعية القانونية الدولية وما إلى ذلك. ويمكن في إطار ما سبق تحديد أهم المحاور الرئيسية المنتظرة – مبدئيا - لمساعي الحكومة الأمريكية الجديدة على الصعيد الاقتصادي والمالي العالمي في الفترة المقبلة:

1- ممارسة مختلف الوسائل الممكنة لتخفيض تكاليف الطاقة وعلى وجه التحديد النفط الخام المستورد .

2- مزيد من التشدّد في المفاوضات التجارية العالمية لانتزاع أكبر قدر من التنازلات من الأطراف الأخرى .

3- دعم نشر النشاطات الاستثمارية وفتح الأسواق الاستهلاكية في البلدان الأخرى أمام الشركات الأمريكية الحريصة على التعويض خارج الحدود، عن نقص عائداتها داخل الحدود والناجم عن انخفاض نسبة تصريف منتجاتها محليا .

4- ازدياد استغلال القروض الرسمية والخاصة كوسيلة ضغط على الدول المقترضة لتلبية احتياجات الشركات الأمريكية، بغض النظر عمّا تفرضه الأوضاع القائمة في البلدان المعنية وهل تحتمل أسواقها منتجات تلك الشركات أم لا تحتمل وهل تحتاج لاستثمارات أجنبية مشروطة أم لا تحتاج؟ .

5- ويتصل بالجانب الاقتصادي –كما أصبح ثابتا عبر عدة عقود ورسخ في الحقبة الراهنة من العولمة- مضاعفة المساعي الأمريكية لنشر الأفكار والتصورات الأمريكية ثقافيًّا واجتماعيًّا، باعتبارها الأرضية التي لا غنى عنها لتسويق المنتجات الاقتصادية المحضة، فضلا عن تقبل الهيمنة الأمريكية من خلالها وعلى الصعيدين السياسي والأمني .

اقرأ أيضًا:

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع