|
يأتي مصطلح "اقتصاديات
المواجهة" لتوضيح الإجراءات
والتحوطات التي يجب اتخاذها من قِبَل
كل من يتوقع عدوانًا عسكريًّا أو يقع
تحت التهديد المستمر بالعدوان،
والشكل الآتي يوضح تدرج أنواع
المواجهة:
واقتصاديات
المواجهة تعالج جانبين من جوانب
المواجهة العسكرية وهما:
1-
الإعداد الاقتصادي للمبادرة بالضربة
الأولى.
2-
الإعداد الاقتصادي لتلقي العدوان
وتجاوز آثاره.
حيث
إنه في حالات الصراع الحادة والمزمنة
تُعَدُّ اقتصاديات المواجهة حاسمة في
دعم القدرة على حسم الصراع، كما هو
الحال في الصراع العربي –
الإسرائيلي، والذي يعتبر صراع وجود
لا صراع حدود؛ إذ تقوم دولة العدو
الصهيوني على فكرة التوسع، فليس لها
ترسيم حدود واضح تلتزم به كما أنها
تقوم أيضًا بممارسة فرض ما يُسمى
بالسلام عن طريق الحرب، والتهديد
بالعدوان والتلويح به، وتؤمن بحتمية
الصدام حتى في ظل التطبيع واتفاقات
السلام المزعومة، فما هي الإجراءات
والتحوطات الممكنة في هذا المجال؟
أولاً:
المخزون والطاقات التخزينية:
في
بلد ما أو منطقة ما حيث يتوقع حدوث
مواجهات مسلحة - سواء كانت محدودة أو
واسعة النطاق - يعتبر توفير المخزون
والطاقات التخزينية مهمًّا جدًّا في
دعم صمود البلد خاصة في بداية الصدام
المسلح؛ حيث يُعَدُّ توفر المخزون من
السلع التموينية الأساسية وإمدادات
الطاقة والوقود، والأدوية والعقاقير
الطبية، وقطع الغيار والمواد الخام
المختلفة أساسيًّا لتحقيق هذا الهدف؛
إذ إنه بعد نشوب الصدام المسلح يصعب
توريد احتياجات البلد من هذه المواد؛
حيث تصبح طرق الإمداد غير آمنة، وحتى
وإن كانت آمنة فإن توريدها يستغرق
وقتًا ليس في صالح قدرة البلد على
الصمود.
غير
أن قضية المخزون وتوريده تأتي في
المرتبة الثانية بعد توفر الطاقات
والسعات التخزينية المطلوبة
والملائمة لكل نوع من الناحية
الفنية، فإذا لم تتوفر السعات
التخزينية بالمستوى المطلوب فلا يمكن
توفير مستوى المخزون الملائم أيضًا،
وعليه فإن الأمر يتطلب:
1-
توفير السعات التخزينية الملائمة
كمًّا ونوعًا لكل نوع من السلع
والمواد.
2-
توفير المخزون العادي من السلع
والمواد المختلفة.
3-
توفير مخزون الطوارئ اللازم لمواجهة
الأزمة خلال الصدام المسلح.
ويتم
تحديد مستويات المخزون المطلوبة
والسعات التخزينية اللازمة لها بناء
على مستويات الاستهلاك الحالية
ومعدلات الاستهلاك المتوقعة خلال
نشوب الصراع. وبناء على ذلك يتم
المحافظة على مستوى الأمان من
المخزون بنوعيه العادي والطارئ.
ثانيًا:
أزمة التصنيع ونمط التنمية:
إن
أبرز تحدٍّ يواجه اقتصاديات بلدان
العالم الثالث بشكل عام - والبلدان
العربية والإسلامية بشكل خاص - هو
إحداث نقلة صناعية في الاقتصاد تكفي
لإحداث تحول نوعي في نمط التنمية بشكل
جوهري؛ إذ إن حجم المشاركة التي
تقدمها الصناعة في الناتج القومي
الإجمالي في هذه البلدان لا يلبي
المستوى المطلوب في هذا الجانب، فلقد
صارت الصناعة معيارًا للتقدم وليست
مجرد قطاع عادي من قطاعات الاقتصاد؛
إذ توصف الدول المتقدمة بأنها "الدول
الصناعية"، ومن ثَم فإن التصنيع
هدف أساسي من أهداف التنمية
واقتصاديات المواجهة أيضًا، والتي
تتطلب حدًّا من مستوى التصنيع يمكِّن
الدولة من:
1-
إصلاح وصيانة المعدات العسكرية
والمدنية الموجودة خلال فترة
المواجهة.
2-
تصنيع الذخائر المطلوبة عند نشوب
الحرب.
3-
تصنيع قطع الغيار اللازمة لاستمرار
دوران عجلة القطاعات الهامة في
الاقتصاد.
إن
توفر الحد الأدنى من التصنيع الذي
تتطلبه اقتصاديات المواجهة لا يمكن
أن يحدث في يوم وليلة، ولا يمكن أن
يبدأ التفكير فيه غداة نشوب الحرب.
ولكن في صراع طويل (كالصراع العربي -
الإسرائيلي الذي تجاوز نصف قرن)
يُفترض أن يكون الآن قد تم تجاوز هذه
المرحلة عبر تأسيس قاعدة صناعية
عريضة وليس عسكرية فقط، فالصناعة
العسكرية ما هي إلا بند من بنود
الصناعة ككل.
وهنا
لا يمكننا أن نغفل الإنجازات التي
حققتها بعض الدول العربية والإسلامية
في مجال التصنيع والتطوير العسكري
مثل إيران والعراق وباكستان، ولكن من
الأهمية بمكان أن نشير إلى أن تنمية
وتطوير التصنيع العسكري لا يجب أن يتم
بشكل مستقل ولا بمعزل عن إستراتيجية
شاملة للتصنيع بنوعيه المرئي
والعسكري، وإلا فإن التصنيع العسكري
سيكون على حساب الصناعات الأخرى
والاقتصاد ككل نظرًا للطبيعة المكلفة
لهذه الصناعة وما تشكله من عبء.
جدول
تطورات مساهمة التصنيع في الناتج
القومي الإجمالي لدول الطوق وبعض
الدول العربية والإسلامية خلال
ثمانية عشر عامًا في الفترة من 1980 إلى
1998م
ثالثًا:
ميزانيات الطوارئ والسياسة
الاقتصادية:
في
ظل التهديد بالعدوان والتلويح به
وتوقع نشوب الصدام المسلح؛ يسود جو من
عدم التفاؤل على مستوى الأفراد
والاقتصاد ككل، حيث تعيق التوقعات
السيئة نمو الاستثمار المحلي
والأجنبي، وتضعف من قيمة العملة
المحلية؛ نظرًا لازدياد الطلب على
الذهب والعملات الأجنبية في مثل هذه
الحالات، كما ينخفض إنفاق قطاع
الأعمال والقطاع العائلي بشكل عام،
مما يؤدي إلى حدوث انكماش اقتصادي
أيضًا بسبب التوقعات، وتزداد الأحوال
سوءًا إذا حدث الصدام المسلح بالفعل؛
حيث تتميز هذه الفترات بظواهر، مثل:
1-
هروب رأس المال للخارج بحثًا عن مناطق
أكثر أمنًا.
2-
ارتفاع مستوى التضخم بسبب نقص العرض
الناجم عن الدمار الذي يلحق بالقطاع
الإنتاجي واستدعاء القوات
الاحتياطية العاملة في الاقتصاد،
والاختناقات المختلفة التي يتعرض لها
القطاع، إضافة إلى ارتفاع الطلب بسبب
التشاؤم وتأثير التوقعات المستقبلية.
3-
تزايد الإنفاق العام بسبب ارتفاع
الإنفاق على المجهود الحربي، وتشكِّل
هذه الظواهر ظروفًا استثنائية غير
عادية تخلق وضعًا سلبيًّا تنتشر فيه
ظواهر مثل التهريب والمضاربة في
السوق السوداء، وظهور أصحاب المصالح
المستفيدين من هذا الوضع أو من يطلق
عليهم "أثرياء الحرب"، وتظهر
حالة فريدة في الاقتصاد تُسمَّى "التضخم
الركودي" والتي تعني عكس النتيجة
المنطقية التي تقول بأن ارتفاع
الأسعار في قطاع معين سوف ترفع حجم
الاستثمار في هذا القطاع؛ لأنه أصبح
أكثر ربحية، إلا أن ذلك لا يحدث في
حالة التضخم الركودي.
وعليه
فما لم يكن هناك استعداد مسبق لمثل
هذه الظروف؛ فإنها قد تؤدي إلى نتائج
وخيمة على صعيد السياسة الاقتصادية؛
فقد تضطر السلطات مثلاً إلى فرض ضرائب
جديدة أو رفع الضرائب الموجودة أصلاً
لمواجهة عجز الميزانية. وقد تلجأ
أيضًا إلى فرض الاستعمال القسري وغير
الطوعي للممتلكات الخاصة للمواطنين
ودون مقابل أو حتى مصادرتها في أسوأ
الحالات، ولئن كان هناك من يحتج
بالأوضاع الطارئة لتبرير مثل هذه
الإجراءات – والذي لن يعدم وسيلة
لتوفير الغطاء القانوني أو حتى
الشرعي لذلك – فإنه لا ينبغي الوصول
إلى مثل هذا الوضع خاصة في نزاع طويل
الأمد كالصراع العربي - الصهيوني؛ إذ
ينبغي فيه التحوط لمثل هذه الأمور
بصورة مبكرة؛ لأن مثل هذه الإجراءات
لا تدعم القدرة على الصمود في
المواجهة لا على المستوى الشعبي ولا
الرسمي.
وهكذا
فالسياسة الاقتصادية وميزانيات
الطوارئ تلعب دورًا هامًّا في
المواجهة وتلافي آثارها الاقتصادية.
وإن كان من الصعب في سطور قليلة كهذه
وضع وصفة متكاملة ملائمة لمثل هذه
الآثار - فهو أمر يتوقف على حجم ونوعية
الآثار المتوقعة وهيكلية وتركيبة
الاقتصاد المعني - إلا أنه وبشكل عام
ينبغي أن تصمم السياسة الاقتصادية في
هذا المجال، وتترجم إلى برامج عملية
كميزانيات الطوارئ التي تُعَدُّ
لمواجهة الأوضاع الاستثنائية
المختلفة، ومن بينها الصراع المسلح
على أن يراعي فيها الآتي:
1-
أن تُعَدَّ بشكل مبكر وتحوطي يؤهلها
لتأدية الغرض عند وجود الحاجة إليها.
2-
أن تراعي تجنب الاضطرار إلى إجراءات
قاسية ومفاجئة تزيد من معاناة
المواطن.
3-
تشجيع العمل التطوعي والشعبي لصالح
الدعم الاقتصادي للمواجهة (عمل يوم
مجانًا – التطوع براتب أسبوع لصالح
المواجهة…).
ونلاحظ
أنه من الواجب أن تكون ميزانيات
الطوارئ مستقلة عن الميزانية
الاعتيادية فلا يُعَد إلغاء بنود من
الميزانية الاعتيادية وتعديلها بشكل
تقشفي وعاجل إجراء تحوطيًّا؛ إذ
ينبغي أن تموَّل هذه الميزانية بشكل
لا يؤثر سلبًا على الاقتصاد عبر فرض
ضرائب خاصة مثل ضريبة الجهاد (تفرض
بعض الدول العربية مثل هذه الضريبة)
أو المواجهة مثلاً، وبنسب بسيطة
تُجْنى لتمويل ميزانية الطوارئ، هذا
بالإضافة إلى تجنيب جزء من إيرادات
الدولة من العملة الصعبة لصالح نفس
الغرض أيضًا، ويمكن استثمار هذه
الموارد في استثمارات كفؤة في فترات
اللاحرب بشكل يمكن تسييله بالسرعة
اللازمة لإنفاقها في الأوجه المخصصة
لها.
إن
العدو الصهيوني في مواجهته للبلدان
العربية وانتفاضة الأقصى يدرك جيدًا
مثل هذه التحوطات، وقد ظهرت استجابته
سريعًا مع الحدث عبر دعوة رئيس وزرائه
إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وحكومة
طوارئ لمواجهة انتفاضة الأقصى،
وبالتأكيد فإن العدو قد وضع أيضًا
الخطط والسياسات الاقتصادية الطارئة
موضع التطبيق لمواجهة خسائره
الاقتصادية من جرَّاء الانتفاضة، غير
أن الطبيعة غير العلنية لمثل هذه
الإجراءات والتي من بينها ميزانيات
الطوارئ لا توفر الكثير من المعلومات
عنها.
والمهم
في هذا الجانب هو أن العدو الصهيوني
قد تجاوز مرحلة التحوطات إلى مرحلة
أخرى هامة ومتقدمة وهي المرحلة التي
تميزت بفتح السفارات والمكاتب
التجارية بالبلدان العربية في ظل ما
يُسمى بالسلام، والتي لا تعني إلا
أمرًا واحدًا - إذا ما اقتنعنا بأن
العدو الصهيوني هو كائن عدواني توسعي
- وهو تمويل آلة وميزانية حربه من جيوب
خصومه وهم العرب، وبالتالي فإن هذه
المكاتب والممثلات لا تعني مغزى
سياسيًّا أو إعلاميًّا أو مظهرًا من
مظاهر السلام، بل هي أبعد من ذلك
وأعمق، ولئن كانت الانتفاضة قد
جمَّدت أحلام العدو الصهيوني في هذا
الجانب؛ فإنها لا تزال قائمة في
عقليته.
إن
التحوطات والإجراءات المذكورة آنفًا
بشأن اقتصاديات المواجهة ليست حكرًا
على من يريدون تحرير الأرض والمبادرة
بالحرب مع العدو ولا على من يحلمون
بالسلام معه، فلئن كان خيار المبادرة
بالحرب مع العدو غير وارد لدى الدول
العربية في المرحلة الحالية على
الأقل، فليس أقل من الاستعداد
لتلقِّي هذه المبادرة من العدو والتي
لا يفتأ يلوِّح بها، فذلك أضعف
الإيمان !!.
المصدر
البنك الدولي
غ
م – غير متوفر
اقرأ
أيضًا:
انتفاضة
الأقصى.. اقتصاد الذات طريق الخلاص
فلسطين:550
مليون دولار خسائر الصناعة
|