|
قد
يكون عام 1999 من الأعوام القليلة التي
تمكنت فيها الاقتصاديات العربية من
إحراز معدلات نمو جيدة في كافة
القطاعات الاقتصادية، وهو ما يشير
إليه التقرير الاقتصادي العربي
الموحد لعام 2000 رغم أن الأسواق
العربية جميعها مرت بحالات ركود
وكساد منذ عام 1998 لا تزال تداعياتها
السلبية متواجدة حتى الآن بسبب أزمة
انهيارات الاقتصاديات الآسيوية ..غير
أن التقرير الاقتصادي الموحد يشير
إلى أن الاقتصاديات العربية نجحت في
إحراز نمو جيد وهنا السؤال: كيف تمكنت
الاقتصاديات العربية من إنجاز ذلك ؟
وماهي التحديات المستقبلية التي
تواجهها ؟
النفط
يرفع معدل النمو
في
قراءة متعمقة للتقرير نجد أن الناتج
المحلى الإجمالي للدول العربية ككل
بالأسعار الجارية مقومًا بالدولار قد
ارتفع من 585,5 مليار دولار عام 1998 إلى
621,1 مليار دولار عام 1999 بمعدل نمو قدره
6,1 % مقارنة بمعدل نمو سالب بلغ 3,3 عام
1998، ويعزى التقرير التحسن في
الاقتصاديات العربية في هذا العام
إلى الارتفاع الملحوظ في الأسعار
العالمية للنفط، الأمر الذي نتج عنه
ارتفاع القيمة المضافة للصناعات
الإستخراجية بنحو 28,5 % وارتفاع
مساهمتها في الناتج المحلى الإجمالي
للدول العربية من 15,8% إلى نحو 18,8% كما
يعزى هذا التحسن في جزء منه كذلك إلى
النتائج الجيدة لسياسات التصحيح
الاقتصادي والإصلاح الهيكلي التي
واظبت الدول العربية على تطبيقها
خلال السنوات الماضية، وعلى وجه
الخصوص سياسات الاستقرار المالي
النقدي والإصلاحات الهيكلية التي
تستهدف إزالة التشوهات وتوسيع
القاعدة الإنتاجية وتنويع مصادر
الدخل وتحفيز القطاع الخاص للقيام
بدور أكبر من النشاط الاقتصادي.
لكن
الملاحظ أن التقرير أرجع التحسن في
الاقتصاديات العربية في جزء كبير منه
إلى ارتفاع أسعار النفط التي لم تشهد
طفرة كبيرة في العام الماضي (1999) كالتي
شهدتها العام الحالي (2000) على اعتبار
أن انهيارات أسعار النفط استمرت منذ
عام 1998 حتى الربع الأول على الأقل من
العام الماضي وتزامنت معها أزمة
الاقتصاديات الآسيوية والتي تركت
آثارًا سلبية على الاقتصاديات
العربية خصوصا الدول المصدرة للنفط
حيث تراجعت صادراتها النفطية إلى
آسيا كما تراجعت أسواقها التجارية
بشكل ملحوظ بسبب حالات الركود التي
سيطرت عليها طوال العامين الماضيين،
لكن يبدو أن زيادة العوائد النفطية
التي تحققت من زيادة الأسعار في النصف
الثاني من عام 1999 ساهمت في تحسن أداء
الاقتصاديات العربية وهو ما انعكس
بالتبعية على زيادة الاستهلاك
الحكومي والاستثماري على السواء، فقد
ارتفع الاستهلاك الحكومي بمعدل قدره
1,9 % كما سجل الإنفاق الاستثماري زيادة
بنسبة 2,9% فى حين انخفض معدل التضخم
بدرجة ملحوظة فى الغالبية العظمى من
الدول العربية خلال العام مقارنة
بعام 1998
فائض
بعد العجز في الموازنات
حسب
التقرير فإن الدول العربية واصلت
خلال العام المذكور جهودها التي
بدأتها منذ عدة سنوات؛ لتصويب
الاختلالات في أوضاعها المالية،
وتقليص العجوزات فى موازناتها
العامة، واستكمال الإصلاحات
الهيكلية في جانبي الإيرادات
والنفقات، وذلك بهدف خلق بيئة
اقتصادية أكثر استقرارا لتحقيق النمو
المستدام.
والحقيقة
أن غالبية الدول العربية بدأت منذ
أوائل التسعينيات خطوات الإصلاح
الاقتصادي بعدما دفع كل من صندوق
النقد والبنك الدوليين في اتجاه ذلك
لمساعدة الدول العربية على انتهاج
أسلوب الاقتصاد الحر كبديل للاقتصاد
الموجه أو المخطط الذي سارت عليه
الدول العربية عقودا طويلة، والحقيقة
أيضا أنه رغم معاناة السكان العرب من
الآثار السلبية لبعض إجراءات الإصلاح
الاقتصادي فإن معظم الاقتصاديات
العربية تمكنت من إحراز تقدم في مجال
الإصلاح المالي والنقدي، فقد واصلت
الدول العربية جهودها في إصلاح النظم
الضريبية وتوسيع قاعدتها وإيجاد
الحوافز المشجعة لزيادة مساهمة
القطاع الخاص ..لكن هل نجحت الدول
العربية في اجتذاب الرساميل
والاستثمارات الخاصة من الخارج ؟
رغم
جهود الإصلاح الاقتصادي في معظم
الدول العربية وإفساح المجال للقطاع
الخاص في مجالات التنمية فإن الدول
العربية لم تستطع أن توفر العناصر
اللازمة لاستبقاء رساميل واستثمارات
القطاع الخاص المحلى حيث تقدر
الاستثمارات العربية في الخارج بما
لايقل عن 800 مليار دولار – أكثر من
نصفها من دول الخليج - كما لم تنجح
الدول العربية في جذب الاستثمارات
الأجنبية المباشرة حيث لا تتجاوز حصة
الدول العربية نسبة 3% من إجمالي
الاستثمارات الأجنبية المباشرة في
العالم …لكن المؤمل أن تفسح
الإصلاحات الاقتصادية العربية
الطريق للقطاع الخاص العربي للمشاركة
بفاعلية في خطط التنمية وتحقيق
معدلات جيدة على الصعيد الاقتصادي
والمالي وهو ما أسفرت عنه جهود
الإصلاح في العام الماضي.
فقد
تمكنت الدول العربية من تحقيق نتائج
جيدة في موازناتها خلال العام حيث
انخفضت العجوزات المالية للميزانيات
المجمعة بأكثر من 13,8 % ليصل إلى قرابة
27,1 مليار دولار مقابل 31,5 مليار دولار
في عام 1998 كما انخفضت نسبة هذا العجز
إلى الناتج المحلى بأكثر من نقطة
مئوية مقارنة بمعدلها المحقق خلال
عام 1998 لتبلغ 5 %
ومن
المؤشرات الإيجابية أيضا ارتفاع
معدلات الادخار الحكومي حيث ارتفعت
الفوائض الجارية بالنسبة للدول
العربية ككل بحوالي 10% لتصل إلى 7.3
مليارات دولار خلال العام كما ساعدت
عودة النمو في الإيرادات النفطية
والارتفاعات التدريجية المتواصلة في
الإيرادات الأخرى على تعزيز
الإيرادات العامة حيث تشير البيانات
إلى ارتفاع إجمالي الإيرادات في
الدول العربية خلال العام بنحو 1,4 %
ليصل إلى 148,4 مليار دولار
23.8
مليار فائض في الميزان التجاري
من
الأمور الاقتصادية التي ظلت
الاقتصاديات العربية تعاني منها
سنوات طويلة العجوزات المزمنة في
موازين مدفوعاتها كنتيجة حتمية للعجز
في الموازين التجارية حيث يزيد حجم
الواردات عن الصادرات العربية وكذلك
الحال في وضعية الديون الخارجية التي
تواصل ارتفاعاتها غير أن التقرير
الاقتصادي العربي الموحد يشير إلى
تغير هذه الوضعية في العام المذكور
فقد تحسنت أوضاع موازين المدفوعات
العربية حيث تحول عجز الموازين
التجارية إلى فائض بينما تقلص العجز
في موازين الحسابات الخارجية الجارية
والموازين الكلية، الأمر الذي أسهم
في حدوث زيادة في حجم الاحتياطات
الخارجية الرسمية الإجمالية للدول
العربية
وأسفر
الميزان التجاري للدول العربية خلال
العام الماضي عن فائض في حدود 23,8
مليار دولار مقارنة بعجز في عام 1998 هو
الأول من نوعه خلال عقد التسعينيات،
ويرجع الفائض في الميزان التجاري إلى
التحسن في الموازين التجارية للدول
العربية المصدرة للنفط، وساهم في
تحقيق هذا الفائض تراجع معدل نمو
الواردات العربية، الأمر الذي عكس في
جانب منه ظهور أثر إجراءات ترشيد
الإنفاق الحكومي ...لكن تظل موازين
المدفوعات العربية ومعها الموازين
التجارية مرهونة بأسعار النفط
المتذبذبة على الدوام، وهذا هو
التحدي الرئيسي حيث لا تزال واردات
الدول العربية تفوق إلى حد كبير
صادراتها الأمر الذي يجعل موازينها
التجارية تعاني دومًا من عجوزات
مزمنة، وفى المرات القلائل التي تحقق
فائضًا فإن ذلك مرجعه إلى تحسن أسعار
النفط.
وعلى
صعيد المديونية الخارجية للدول
للعربية فقد سجلت - حسب التقرير -
تحسنا نسبيا خلال العام الماضي حيث
انخفضت قيمتها من 157 مليار دولار عام
1998 إلى 155,9 مليار دولار العام الماضي ,
كما انخفضت نسبة الدين إلى الناتج
المحلى الإجمالي بنحو 3 نقاط مئوية
لتصل إلى 58% مقارنة بنحو 61% عام 1998 …
واللافت أن الانخفاض في حجم الدين
يقدر بنحو مليار دولار فقط حيث لا
تزال المديونية الخارجية للدول
العربية كبيرة وإن كان هناك وعي حكومي
بدأ يظهر في السنوات الأخيرة بخطورة
المديونية لذا عملت معظم الحكومات
العربية على ترشيد اقتراضها وحصره في
أضيق نطاق ممكن
تراجع
نمو المصارف
لا
خلاف على أن السلطات النقدية في الدول
العربية واصلت خلال العام الماضي
الجهود التي بدأتها منذ سنوات في
اتباع سياسات نقدية تهدف إلى تحقيق
الاستقرار النقدي، واستقرار الأسعار
وسعر الصرف، وتنظيم مستويات السيولة
بما يتلاءم مع متطلبات حركة النشاط
الاقتصادي وتوفير التمويل اللازم
للأنشطة الإنتاجية والاستثمارية
لمختلف القطاعات في الاقتصاد وبخاصة
القطاع الخاص.
ونتيجة
لهذه السياسات وكما يقول التقرير: فإن
معدل السيولة المحلية في الدول
العربية ارتفع خلال العام الماضي
ليصل إلى 9% مقارنة بنحو 7,6 % عام 1998،
وتباينت معدلات نمو السيولة من دولة
إلى أخرى، ففي حين ارتفعت في دول مثل
الإمارات والأردن والسعودية وتونس
ومصر وقطر والمغرب وعمان والكويت
وليبيا انخفضت السيولة في دول عربية
أخرى مثل البحرين والجزائر والسودان
ولبنان وموريتانيا وجيبوتي
وعلى
العكس من ذلك لم يتمكن القطاع المصرفي
العربي من تحقيق معدلات نمو جيدة على
غرار ما تحقق في عام 1998 حيث أظهرت
البيانات المجمعة للبنوك التجارية
العربية العام الماضي أن معدلات
النمو في الموجودات والودائع
والإقراض والربحية كانت أدنى من
المعدلات المماثلة المحققة خلال
السنوات القليلة الماضية، ويرجع ذلك
إلى تراجع النشاط الاقتصادي خلال
العام السابق في عدد من الدول
العربية، وكذلك حاجة المصارف العربية
إلى تدعيم مخصصات الديون.
والحقيقة
أن تراجع نمو المصارف العربية يعود
إلى جملة من الأسباب لم يشر إليها
التقرير أبرزها تأثر المصارف العربية
الكبرى خصوصا المصارف الخليجية التي
عادة ما تأتي في المرتبة الأولى من
حيث المصارف الأكثر ربحية في الدول
العربية _ بالتداعيات السلبية لأزمة
الاقتصاديات الآسيوية وانهيارات
أسعار النفط عام 1998 حيث اعتادت هذه
المصارف على تقديم الائتمان المصرفي
للمؤسسات التجارية التي تتعامل مع
الأسواق الآسيوية ولما انهارت هذه
الأسواق متزامنة مع انهيارات أسعار
النفط لم تجد البنوك العربية خصوصا
الخليجية مجالا لتقديم الائتمان
المصرفي بسبب حالات الكساد والركود
التي اجتاحت الأسواق العربية، الأمر
الذي أثر على معدلات نمو المصارف
والبنوك العربية خلال العام الماضي
لكن رغم
تراجع معدلات نمو المصارف العربية
فإن البنوك واصلت جهودها لتطوير
وتوسيع أنشطتها خصوصا فيما يتعلق
بإدخال التقنية الحديثة وتقديم
الخدمات المصرفية عبر الإنترنت
والتوسع في تمويل المشاريع الكبيرة
مثل تمويل مشاريع الطاقة غير أن
التقدم المصرفي العربي لا يزال أقل من
الطموحات خاصة على صعيد الدمج
المصرفي، فقد شهد القطاع المصرفي
العام الماضي خمس حالات دمج فقط رغم
الدعوات الاقتصادية المستمرة للبنوك
العربية للدخول في عمليات اندماج حتى
تستطيع منافسة البنوك الأجنبية
العملاقة التي بدأت تدخل السوق
المصرفية العربية ومن المتوقع أن
تتصاعد وتتوسع حصتها في السوق محتمية
بنصوص اتفاقية "الجاتس "أو
الخدمات التي تفرضها عضوية منظمة
التجارة العالمية والتي تلزم الدول
الأعضاء إفساح المجال كاملا أمام
البنوك الأجنبية للعمل داخل السوق
المصرفية العربية دون أية قيود أو
تمييز بينها وبين المصارف الوطنية
العربية .. ولا شك أن هذا تحدٍ كبير
يواجه البنوك العربية في السنوات
القليلة المقبلة فهل تستوعب البنوك
والمصارف العربية حجم هذه التحديات
المقبلة ؟
تحديات
داخلية وخارجية
يؤكد
التقرير الاقتصادي العربي الموحد أن
تحديات عديدة تواجه الاقتصاديات
العربية وإن كان لم يحدد ماهية هذه
التحديات غير أنه يمكن الوقوف على
تحديات داخلية وخارجية مستقبلية سوف
تترك تأثيراتها على مجمل الاقتصاديات
العربية، ومن أبرز التحديات الداخلية:
- ضعف
الاقتصاديات العربية وهشاشتها
وارتباطها بالخارج
- ضعف
القطاعات الاقتصادية العربية
المنتجة، ومعاناتها من أزمات حقيقية
دون وجود -على ما يبدو- خطة لتفعيلها
على المستوى العربي رغم إمكانياتها
الهائلة.
- مجمل
البنوك العربية لم يتسن لها دخول
الأسواق العربية وبالتالي زيادة
رأسمالها؛ لتصبح ذات قدرات كبيرة
باستطاعتها معالجة الخلل في
الاقتصاديات العربية
- عدم
قيام المصارف التجارية العربية
الكبرى بالمساهمة الجادة في خطط
التنمية
- معاناة
القطاعات العربية المنتجة كالصناعة
والزراعة من مشاكل كبيرة من حيث
هيكليتها وضعف إنتاجها وعدم مقدرتها
على التطوير التقني والعلمي والبحثي
- ضعف
المبادلات التجارية العربية البينية
وتعاظمها مع الخارج، وارتفاع درجة
الارتباط التجاري والاقتصادي العربي
مع الخارج
- عدم
وجود جدية لإقامة تكتل اقتصادي عربي
قوي رغم أنه الطريق الوحيد لمواجهة
التحولات العالمية والتكتلات
الكبيرة.
أما
التحديات الخارجية التي تواجه
الاقتصاديات العربية والتي يتعين
عليها مواجهتها فتتركز في :
- الآثار
المتوقع حدوثها من بنود ونصوص منظمة
التجارة العالمية على القطاعات
الاقتصادية العربية خاصة الزراعة
والصناعة والصناعات النسيجية
والخدمات والاستثمار
- سيادة
مفهوم السوق على الاقتصاديات
العالمية أدى إلى بروز مشاكل وتغيرات
اقتصادية لمعظم الدول العربية حيث
تعاظمت البطالة والمديونية وزيادة
دور المؤسسات متعددة الجنسيات ودخول
الشركات والبنوك العملاقة الأسواق
العربية، وتراجع دور الدولة وتركزه
على النواحي الاجتماعية والتعليمية
وكل هذه
التحديات الداخلية والخارجية تستدعي
من الاقتصاديات العربية وضع خطط
تنموية محددة الأهداف والوسائل؛
لضمان تقدم مسار التنمية العربية
والقدرة على مواجهة التكتلات
الاقتصادية الكبيرة.
اقرأ
أيضا:
-
دولة
الرفاهة في الخليج: إنجازات اجتماعية..
وتحديات أكبر
-
الاستثمارات الأجنبية ترفض قرابين
العرب
-
الثروة النفطية : المواطن العربي بين
الوهم والحقيقة
|