|
تنبع
أهمية شهر رمضان الكريم من استهداف
تنشيط حركة العبادة لدى المسلمين
ورفع إيمانياتهم. لكن الإطار الثقافي
الذي يحكم سلوكيات معظم المسلمين في
هذا الشهر يكتشف بروز سلوكيات أدت إلى
نتائج مغايرة خاصة على المستوى
الاقتصادي، وأصبح رمضان في فكر
الكثيرين وسلوكياتهم مرادفًا لضغوط
شديدة على الميزانية وحركة أكثر في
الأسواق، ولا شك أنه ترتب على ذلك
إعادة ترتيب الأولويات في ميزانيات
الدول، بل وموازينها التجارية وكذلك
خطط الشركات والمؤسسات الاقتصادية،
وبالتالي أصبح لرمضان تجلياته
الاقتصادية كما أن له تجلياته
الروحية.. وهذا ما نرصده في السطور
التالية.
السيطرة
على الميزانية
إذا
كانت الحكومات تستعد لرمضان وتتحمل
موازناتها أعباء كثيرة؛ استعدادًا
لهذا الشهر؛ فإن الفرد أيضًا يقوم
بعمل تعبئة عامة لميزانيته قبل بداية
الشهر وخلاله؛ حيث يستعد قبل بدايته
بشراء وتخزين بعض السلع التي يكثر
استخدامها في رمضان، وقد يقوم
بالادخار من ميزانيته في الشهور
السابقة على رمضان؛ ليزيد مخصصات
ميزانيته في هذا الشهر، ولكن رغم كل
هذه التعبئة والاستعداد فإن معظم
الأفراد يفقدون السيطرة على
ميزانيتهم؛ حيث ينطلق الأفراد في
إنفاقهم من أقوال مأثورة في مقدمتها
"رمضان كريم" وإنه شهر يزاد فيه
في رزق المؤمن، ويزيد اهتمام الفرد
بنوعية الغذاء الذي يتناوله.
توظيف
رمضان اقتصاديًّا
لا
شك أن رمضان ينعش غالبية الأسواق
ويحقق انتعاشاً أكبر لبعض السلع على
وجه الخصوص، وخاصة تلك السلع التي
يعتبر رمضان هو الموسم الأساسي في
استهلاكها أو إنتاجها، ففي رمضان
تنتعش مبيعات الألعاب الرمضانية
وخاصة فانوس رمضان الشهير، والذي
أصبح يمثل منتجاً هاماً في صادرات
الصين إلى الدول الإسلامية رغم أنه
ابتكار عربي أساسًا، لكنّ الصينيين
نجحوا في توظيف هذا الشهر اقتصاديًّا
لفتح أسواقٍ لهم لمثل هذا المنتج في
الدول الإسلامية، وتتجاوز صادرات
الصين من الفوانيس إلى الدول
الإسلامية 120 مليون دولار سنويًّا.
وتستورد مصر وحدها فوانيس بمبلغ
يتجاوز 3 ملايين دولار، أيضا تنتعش
أسواق التمور والفواكه المجففة مثل
التين والزبيب وقمر الدين، وكذلك
تنتعش تجارة الجوز واللوز والفستق
وعين الجمل والكاجو والآراصيا
والكركديه والمشمش المجفف، ومع مرور
السنوات وتعاقبها فقد ساعد شهر رمضان
على انتشار سلع معينة في العالم
الإسلامي، وإذا ذكرت سلعة معينة
ارتبط بها اسم دولة اشتهرت بها، ومن
هذه الأمثلة ما يلي:
إيران:
اشتهرت بصادراتها من أهم السلع
الرمضانية وخاصة الفستق الإيراني
واللوز والكاجو، وأصبحت معظم دول
العالم تستورد هذه السلع منها،
وأصبحت هذه السلع تمثل أهمية خاصة في
دخل إيران وفي ميزانها التجاري، بل إن
صادرات الفستق الإيراني أصبحت أهم
الصادرات الزراعية في السنوات
الأخيرة، وسببت الواردات من الفستق
الإيراني بعض المشاكل في الموازين
التجارية لبعض الدول الإسلامية
لارتفاع أسعاره؛ مما دفع بعضها إلى
زراعته في أراضيها مثل مصر؛ حيث قامت
في السنوات الأخيرة بزراعته في
الأراضي المستصلحة حديثاً ولكن
المستهلك المصري لا يقبل عليه مثلما
يقبل على النوع الإيراني بسبب جودته.
اليونان:
اشتهرت بمنتجاتها من التين المجفف،
وقامت مؤخراً بتسجيل علامة تجارية
لصادراتها من التين المجفف لحمايته
من التقليد من الشركات أو الدول
الأخرى، وتحرص الشركات المنتجة لهذه
السلعة على أن تعده في صورة عبوات
مختلفة الأحجام لإرضاء جميع الأذواق
في مختلف الدول الإسلامية، ولضمان
سهولة تداوله من البائع إلى المستهلك.
الصين:
تشتهر بالفانوس الرمضاني الناطق الذي
يثير إعجاب الكبار قبل الأطفال، وقد
نجحت الشركات الصينية في تطوير
الفانوس التقليدي الذي كان يصنع من
الزجاج والصاج وبداخله شمعه؛ ليصبح
فانوساً من البلاستيك ويعمل
بالبطارية وينطق بالأغاني المعروفة
في رمضان المتداولة بين الأطفال
والشباب في العالم العربي والإسلامي،
وفي الوقت نفسه يباع بثمن رخيص؛ مما
جعل الفانوس الصيني يسيطر على السوق
في العالم الإسلامي دون منافس، ويقضي
على صناعة الفوانيس التقليدية في
معظم الدول الإسلامية، في نفس الوقت
الذي يزيد فيه من مبيعات الصين من
البطاريات اللازمة لتشغيل هذه
الفوانيس، وتجربة الفانوس الصيني قد
ضربت أروع الأمثال في كيفية اختراق
الأسواق والنفاذ إليها عن طريق نقل
نبض الأسواق والمجتمع وأنماط
الاستهلاك في العالم الإسلامي إلى
المصانع وإلى رجال التمثيل التجاري
الصيني ومدى قدرتهم على دخول الأسواق
الإسلامية والعربية بطرق جديدة
ومبتكرة.
سوريا:
تشتهر في رمضان بلفائف قمر الدين
المصنوعة من المشمش الحموي (المنتج في
مدين حماه) ويقبل الأفراد في جميع
الدول الإسلامية على المنتجات
السورية من هذه السلعة ولا يفضلون
عليها بديلا، ويعرفونها من بعض
علاماتها التجارية المعروفة، وهذا ما
جعل بعض المنتجين في دول أخرى مثل مصر
يقومون بمحاولة تقليدها، وهو ما دفع
المنتجين السوريين إلى رفع دعاوى
قضائية ضد هؤلاء المنتجين.
السعودية:
تشتهر بصادراتها من التمر وخاصة
التمر المعد على الطريقة السعودية
والذي يقبل الأفراد عليه في رمضان،
ويوجد في المملكة العربية السعودية
حوالي 11.5 مليون نخلة. تنتج حوالي 5757
مليون طن من التمر سنويًّا بمعدل 50 ك
للنخلة الواحدة، كما تشتهر السعودية
بصادراتها من الحلوى وبعض المكسرات
المصنعة والمشروبات الرمضانية.
مصر:
يعتبر شهر رمضان في مصر مختلفا إلى حد
كبير عن غيرها من الدول العربية
والإسلامية؛ حيث تنشط حركة البيع
والشراء إلى حد كبير وتكاد معظم مدن
مصر وخاصة القاهرة لا تعرف النوم طوال
هذا الشهر، وتنشط السياحة وخاصة من
الدول العربية إلى مصر في رمضان؛
لزيارة الأحياء ذات الطابع الإسلامي
مثل حي الحسين، ويكون شهر رمضان
بمثابة موسم تجاري للمقاهي والمطاعم
والمحال التجارية في رمضان، وتشير
البيانات إلى أن مصر استوردت سلعًا
رمضانية مختلفة بحوالي 50 مليون دولار
منها 3 ملايين دولار واردات فوانيس من
الصين وحدها، كما تشير هذه الأرقام
إلى أن المصريين يلتهمون أكثر من 180
مليون رغيف يوميا في رمضان، وتشتهر
مصر في العالم الإسلامي في رمضان
بصادراتها من البلح المصري المعروف
والرخيص الثمن؛ حيث يوجد في مصر حوالي
8 ملايين نخلة، وتنتج النخلة في مصر
أعلى معدل إنتاج على مستوى العالم
العربي، وهو 53 كيلو جرامًا، كما تشتهر
مصر بصادراتها من الحلويات والعرق
سوس والكركديه الأسواني والعصائر
والمشروبات والفواكه الطازجة
والخضراوات، وفي رمضان تشتعل أسعار
بعض السلع مثل الطماطم التي تصل إلى
أسعار خيالية في هذا الشهر مقابل بضعة
قروش في شهور أخرى من السنة؛ وذلك لأن
طبق السلطة المصنوع من الطماطم يكون
طبقًا أساسيًّا على كل موائد الإفطار
في مصر.
إلى
جانب ذلك فقد خلقت مصر لنفسها سوقاً
من نوع آخر في رمضان، وهو في مجال
المصنفات السينمائية والتليفزيونية
مثل: الفوازير والمسلسلات والبرامج
الرمضانية؛ حيث تستعد مصر في هذا
المجال بعدد كبير من الإنتاج
الإعلامي، وتقبل على شرائه معظم
القنوات الفضائية العربية لإذاعته
خلال هذا الشهر، وتحقق مصر ملايين
الدولارات في هذا السوق الفريد من
نوعه في رمضان، والذي استطاعت مصر أن
توظف من خلاله رمضان اقتصاديًّا.
حرب
البلح الإسرائيلي ضد العرب
العالم
العربي لديه 80 مليون نخلة من إجمالي 100
مليون نخلة في العالم منها 22 مليون
نخلة في العراق و 8.8 مليون في الجزائر
11.5 مليون نخلة في السعودية، 13 مليون
نخلة في الإمارات، و8 ملايين نخلة في
مصر. إن العالم العربي ينتج حوالي 380
صنفاً من البلح، ويبلغ إجمالي إنتاج
العالم العربي من البلح حوالي 2.8
مليون طن يمثل حوالي 77% من الإنتاج
العالمي يصدر منها حوالي 300 ألف طن أي
حوالي 75% من إجمالي صادرات البلح في
العالم، ويصدر العالم العربي من
البلح إلى 85 دولة إسلامية وأوروبية لا
تنتجه، وفي السنوات الأخيرة بدأت
إسرائيل في شن حرب البلح ضد العالم
العربي؛ حيث قامت بنشر طاعون النخيل
وخاصة في دول الخليج العربي ومصر،
والمعروف باسم "السوسة الحمراء"
أو "إيدز النخيل" وهو مرض ليس له
علاج سوى حرق النخلة تماما حتى لا
تصيب غيرها، وفي هذا الصدد قدرت خسائر
السعودية وحدها 13.3 مليون ريال سعودي؛
حيث تم حرق ودفن 136 ألف نخلة مصابة،
ولجأت إسرائيل إلى هذه الحرب لزيادة
حصتها من صادرات البلح في الأسواق
العالمية وخاصة الإسلامية عل حساب
الدول العربية، في نفس الوقت قامت
بإنتاج أنواع عالية الجودة وزيادة
مدة إنتاجها لأطول مدة ممكنة طوال
العام، ونجحت مؤخراً في الحصول على
فرصة أفضل للتصدير إلى دول كثيرة
وخاصة بعد أن قامت باستغلال طائرات
النقل في نقل البلح والاشتراك في
العديد من المعارض الدولية، وقد بلغ
سعر طن البلح الإسرائيلي 2796 دولارًا
مقابل 2170 دولارًا للبلح الجزائري 537
دولارًا للبلح المصري، والسؤال الآن:
هل سيأتي اليوم الذي يغطي فيه البلح
الإسرائيلي الفاخر على البلح العربي؟
وفي هذه الحال هل يصح صوم العرب؟
الأمر يحتاج إلى فتوى سياسية
واقتصادية ودينية؟
اقرأ
أيضًا:
تزايد
الأسعار والاستهلاك في رمضان
هل
للإسراف مِقياس محدَّد شَرعًا؟

|