|
كوالالمبور
– صهيب جاسم
تأسس
منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا
والمحيط الهادي ( أبيك ) عام 1989 كملتقى
للتشاور لتعزيز النمو الاقتصادي
والتكامل بين الدول التي تطل على
المحيط الهادي من جهته الغربية
والشرقية.
وكان
الأعضاء المؤسسون 12 عضوًا وعلى رأسهم
الولايات المتحدة الأمريكية التي
كانت منذ البداية الداعم الرئيسي
للمنتدى؛ لما تشكله من منافع تصب في
إستراتيجياتها في التعامل مع منطقة
شرق آسيا الشاسعة وكوسيلة جديدة
للتعامل مع الجهة الغربية لأراضيها
في فترة ما بعد الحرب الباردة خاصة
وأن روسيا والصين من أعضاء المنتدى،
ثم توسع المنتدى ليصبح ذا 21 عضوًا
فيها.
ويضم
منتدى أبيك خليطًا من الدول من
الناحية الثقافية ومستويات النمو
الاقتصادي والازدهار الاجتماعي
والأهداف الوطنية والدينية والأوضاع
السياسية. فمن الساحل الغربي الآسيوي
للمحيط الهادي يضم المنتدى 16 دولة:
اليابان وكوريا الجنوبية وروسيا
والصين وتايوان وهونغ كونغ والفليبين
وبروناي وسنغافورة وإندونيسيا
وماليزيا وتايلاند وفيتنام
وأستراليا ونيوزلندة وبابوا غينيا
الجديدة، ومن الساحل الشرقي الأمريكي
للمحيط يضم خمس دول: الولايات المتحدة
الأمريكية وكندا والمكسيك وبيرو
وتشيلي.
وتطورت
أهداف وآليات المنتدى بشكل سريع،
وأصبح على رأسها استكمال إجراءات
تحرير التجارة والاستثمار وتدفق
الأموال والخدمات بين دولها الصناعية
مع حلول عام 2010 ودولها النامية مع
حلول عام 2020 ، وجاء تأسيس المنتدى
استجابة لتزايد التبادل التجاري
والتواصل البشري بين الدول مما جعل
بعض الدول من خارج منطقة جنوب شرق
آسيا تحاول جعله كوسيلة لبناء شعور
بإقليمية جديدة ترتبط بالمحيط الهادي
ككل، مما يعني مزج دول الأمريكيتين مع
الدول الآسيوية وإضعاف الشعور
بالوحدة الإقليمية أو محاولات
بلورتها في منظمات أو كتل آسيوية لا
تريد نشوءها الولايات المتحدة
وأستراليا وكندا.
وكانت السنوات الأولى من عمر المنتدى
محدودة النشاط واقتصرت على تبادل
الأفكار والخبرات والتنسيق غير
الملزم في بعض المبادرات الفردية،
وتركز أبيك على الجانب التجاري وفتح
فرص جديدة لشعوب المنطقة، مع أن الهدف
الأخير لا يزال حلمًا ورديًّا.
وتختلف
أبيك عن المنظمات الدولية الأخرى
بتركيزها على دور القطاع الخاص أكثر
من دور الدول أحيانًا، ويجتمع كبار
رجال المال والأعمال سنويًّا في ظل ما
يعرف بـ "مجلس أبيك لاستشارات
التجارة والأعمال" الذي يقدم
مقترحاته ودراساته لرؤساء ووزراء دول
أبيك لتكون معينًا أساسيًّا على
اتخاذ القرارات؛ ولذلك يرى البعض
أبيك على أنها مجرد وسيلة لتمكين
إجراءات تحرير التجارة أو وسيلة
تستغلها الدول لتقوم بالاتفاق في
ظلها مع الدول الأخرى لتحرير قطاع
تجاري معين بين الدولتين.
التأسيس
برعاية أمريكية
وكما
كان الاجتماع التأسيسي الوزاري في
كانبيرا - وكيلة أمريكا الجديدة في
شرق آسيا وجنوب المحيط الهادي- كانت
أول قمة رئاسية لمنتدى أبيك في
الولايات المتحدة؛ حيث دعا الرئيس
الأمريكي بيل كلينتون لأول مرة لعقد
قمة رئاسية غير رسمية، فكانت ماليزيا
ضد هذه الفكرة بل كانت ضد فكرة
مؤسساتية منتدى أبيك وتقويته على
حساب الإقليمية الآسيوية التي تسعى
أمريكا وأستراليا وكندا إلى تذويبها
في إطار إقليمية أبيك الموسعة، ورفض
رئيس وزراء ماليزيا د."مهاتير محمد"
الحضور، وحينها كانت أزمة علاقات بين
بلاده واستراليا لفترة، والسبب في
رفضه أنه كان من الواضح جدًّا أن
كلينتون وباول كيتنغ الرئيس
الأسترالي قد دفعا بأبيك إلى الأمام
على حساب فكرة تأسيس كتلة اقتصادية
لشرق آسيا باسم "مؤتمر شرق آسيا
للتعاون الاقتصادي" يضم الدول
الآسيوية فقط المطلة على المحيط
الهادي بدون الدول الأخرى الهادية
وهي أستراليا ونيوزلندة وبابوا غينيا
الجديدة والجزر الصغيرة المتناثرة،
بل إن الأمريكان لم يجدوا بدًّا من
القول صراحة بأن مؤتمر شرق آسيا
المقترح "سيهدد أبيك".
وبالفعل
في عام 1993 دعا كلينتون زعماء الدول في
أبيك لحضور أول قمة لهم في بلاك
أيلاند بالقرب من سياتل، وتبنوا فكرة
عقد القمة سنويًّا، لكن بعض الدول
الآسيوية ظلت تركز على أن المعاهدات
ليست ملزمة كمعاهدات المنظمات
الدولية والإقليمية الأخرى، ومع أن
البيان الختامي لأول قمة ضم بعض
الوعود لتغطية الهدف الحقيقي مثل
العمل على تقليل الفارق في مستويات
النمو بين دول أبيك وهو هدف بعيد عن
التحقق! ، لكن الهدف المهم الذي جمعت
أمريكا الدول الأخرى من أجله هو
استغلاله ليكون صوتًا جديدًا في
الساحة الدولية.
وضم
البيان الرئاسي الأول دعم ما نتج عن
جولة أوروغواي الشهيرة، وقد ذكر
البيان الأول بصراحة هدف العمل على
تعزيز أهداف الغات وهو ما يشير إلى كل
النقاط والقضايا المثارة حول خطورتها
بالنسبة للدول النامية، ولذلك كان
التركيز على "التعاون الاقتصادي
والانفتاح بين الدول ومواجهة
التحديات المشتركة، في ظل العالم
المعولم وتقوية النظم التعليمية
والقانونية وفتح الأسواق للجميع
وتطوير تقنيات الاتصالات وإشاعتها
وحماية البيئة والاهتمام بهموم
التلوث بأشكاله..".
حائط
الصد الماليزي الآسيوي
وفي
كل الاجتماعات تقريبًا ظلت ماليزيا
وعدد من الدول النامية الآسيوية معها
أحيانًا تقف في مواجهة أمريكا أو من
يقف إلى جانبها في مشروع اتفاقية أو
قرار ترى أنه يضرها هي والدول
النامية، معتبرة الولايات المتحدة
وكما يحصل في منظمة التجارة الدولية
كبائع مندفع ومتطلع لبيع ما عنده دون
أية اعتبارات للطرف الآخر وبدون أية
عوائق تجارية، فمرة رفضت ماليزيا
إلزام الدول باتفاقيات المنتدى وكان
ذلك على وشك أن يقر رسميًّا، ومرة
رفضت أن تجبر الدول الآسيوية على
توقيع اتفاقية تكنولوجيا المعلومات
التي كانت لصالح الدول المنتجة لها
وهي أمريكا وكندا وربما اليابان
كذلك، ومرة رفضت إجبار الدول على
القبول بهدف تحرير التجارة بشكل كامل
بين دول المنتدى مع حلول عام 2020؛ لأن
دول آسيا لها هدف مشابه كما لدول
اتفاقية النافتا الأمريكية اتفاقية
مشابهة أخرى.
وكان
اجتماع القمة الثانية في بوغور
الإندونيسية بدعوة من الرئيس
الإندونيسي السابق سوهارتو عام 1994
التي شهدت عرض الولايات المتحدة
لعضلات فكرة التجارة الحرة بين
الدول، والمستغرب هو أنها حتى لو
اعتبرت تكتلاً جديدًا، فمن الصعب
القبول بتحرير التجارة بعد عام واحد
فقط من أول قمة عقدت بدون النظر في
مصالح الدول النامية، لكن سوهارتو
أراد الخروج بشيء يجلب مدح واشنطن حيث
كانت فرصة له لإثبات حضوره الدولي من
جديد، وبالفعل خرج الرؤساء باتفاقية
تضم جدولاً زمنيًّا لتحرير التجارة
وهو ما اعتبر انتصارًا جزئيًّا
لدبلوماسية المال والأعمال
الأمريكية، ولكن لم يكتمل انتصارها
بسبب تجمع عدد من الدول الآسيوية
واتفاقها على رفض إلزام واشنطن لهم
بتنفيذ ذلك في نفس الفترة واعتبار ذلك
متروكا لمبادرات الدول بشكل فردي،
لكن الذي توصل إليه إلى جانب ذلك هو
التعهد بالعمل على تنفيذ المزيد من
الخطوات الرامية إلى ذلك الهدف وفتح
المجال لمنتدى أبيك ليلعب دور الوسيط
في حل النزاعات التجارية
والاستثمارية بين الدول تكميلاً لدور
منظمة التجارة الدولية!.
قمة
أوساكا وتوسيع مجالات التعاون
ولم
تكن قمة أوساكا اليابانية عام 1995 مهمة
حيث كان نقطة الحوارات هي كيفية
إمكانية تحرير التجارة بعد 25 عامًا
فقط بين الدول الأعضاء غير أن مجالات
التعاون بين الدول بدأت في التوسع،
لكن اجتماع مانيلا في العام الذي يليه
(1996) كان أهم من سابقه حيث تم إقرار خطط
لتنفيذ الأهداف والبيانات الرئاسية
السابقة، وتركزت الخطط حول: توسيع فرص
الوصول إلى الأسواق، والخدمات، من
خلال أنظمة استثمارية منفتحة، وتقليل
تكاليف الأعمال التجارية، وتفعيل
وتقوية البنية التحتية، وتعزيز
التعاون التقني وخاصة في الاستكشافات
الجديدة، وتطوير الثروة البشرية وغير
ذلك، وتقوية أسس الأسواق المالية،
والعمل على تنفيذ خطط تنموية تدعم
الحفاظ على البيئة الطبيعية.
وجاءت
قمة فانكوفر الكندية عام 1997 بعد أشهر
من اندلاع الأزمة المالية الآسيوية ،
ولذلك شهدت القمة اهتمامًا خاصًّا
بالأزمة التي أدت إلى "فرملة"
مسيرة قطار التحررية التجارية لفترة
قصيرة، لكنها لم تخرج بما يفيد الدول
الآسيوية غير الإقرار بتسليم الدور
الريادي في حل الأزمة لصندوق النقد
الدولي! ، ولم تتناس القمة الاستمرار
في الضغط على الأعضاء من الدول
النامية لتفعيل جهود تحرير التجارة،
فقد أقرت اتفاقية "تحرير القطاعات
الطوعي المبكر" ، واتفاقية تعزيز
التعاون بين شركات القطاع العام في
الدول.
تعهدات
بلا تنفيذ!!
وفي
عام 1998 في كوالالمبور الماليزية عقدت
القمة الخامسة ولم تخرج أحاديث
الرؤساء عن تجديد تعهدات دولهم
ومحاولتهم إرجاع الثقة التجارية
والاستثمارية بقدرة دول آسيا
الباسفيكية على تخطي أزمتها المالية،
ومع أنهم وافقوا على السعي نحو اتباع
إستراتيجيات تنموية موحدة لإنهاء
الأزمة المالية وتقوية الأنظمة
المالية وشبكات الضمان الاجتماعي،
وتوسعت اهتمامات القمة لتشمل مناقشة
تدفق رؤوس الأموال والتقنيات وبناء
البنية التحتية الجديدة لعصر
المعلومات وتدريب القوى البشرية،
وتبني الرؤساء خطة عمل كوالالمبور
التي تُعنى بتنمية المهارات وتشجيع
القطاعات الخاصة والعامة على
المشاركة في ذلك للمساهمة في نمو
اقتصادي متوازن بين دول المنطقة
وتحسين المستويات المعيشية لشعوبها…
ـ لكن نسبة نجاح وتطبيق كل هذه
الأهداف والخطط والتعهدات الوردية
ظلت محل جدل وانتقاد المراقبين لحد
كبير.
وفي
القمة الأخيرة في أوكلاند
النيوزلندية في العام الماضي ( 1999)
استمرت مناقشات الفرص التجارية في
إطار اتفاقيات منظمة التجارة
الدولية، وكانت حينها قضية عام 2000
الكومبيوترية مركز الاهتمام، كما
اتضحت الصورة أكثر فيما يتعلق
بالتجارة الإلكترونية وأبعادها
الحقيقية، بل وقدم الموعد الأخير
لتحرير التجارة بين الدول في 9 قطاعات
إلى عام 2005، وهي التي تضم تجارة
واستثمارات تقدر قيمتها بـ 1.5 تريليون
دولار سنويًّا على الأقل، وهي:
.
|