|
في
خطبته اليوم الجمعة 30 من ربيع الأول
1427هـ أكد فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي -رئيس
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين-
على مدى احتياج المسلمين إلى التقدم
العلمي، ومنه التقدم التقني، وفي هذا
الوقت فضلا عن كل الأوقات؛ لأنها بهذا
وحده تستطيع الأمة أن تتخلص من ربقة
الاستعمار والاستغلال التي تطوق بها
الأمم الأخرى رقبة المسلمين.
وقد
نوه فضيلته إلى أن الأمة الإسلامية
الآن تعيش واقعا يرثى له من التخلف،
وبالتالي التبعية في تلك المجالات
التي أصابها فيها التخلف على غيرها من
الأمم والشعوب، وهي أمة التقدم
والعلم، ودينها يأمر أبناءه بالتعلم
والعلم، ويجعل ذلك في شريعتها فرضا
على كل مسلم ومسلمة، وجعل جزاء ذلك
العلم الجنة التي يسعى لها المسلمون
بكل ما أوتوا من قوة وجهد.
ريادة
سابقة
ويشير
الشيخ القرضاوي إلى أن الأمة
الإسلامية لها من الماضي ما تعتز به
وما يمكنها أن تبني عليه وتعتمد؛ فهذه
الأمة "هي التي سادت العالم نحو
ثمانية قرون، وهي التي أنشأت حضارة
عالمية إنسانية ربانية أخلاقية جمعت
بين العلم والإيمان، جمعت بين
الإبداع المادي والسمو الروحي
والأخلاقي معا"، وهي كذلك "التي
عرفها العالم معلمة له عصورا طويلة"،
وهذا لا يستطيع دارس للتاريخ أن ينكره.
وفي
ذلك الوقت كانت الدول التي تتحكم في
المسلمين الآن في أسفل دركات التخلف؛
فقد كان الناس في الغرب يعتبرون
النظافة من الشيطان، في حين أن
القذارة كانت عندهم مقربة إلى الله،
حتى إنهم "كانوا يرون العلم من سَمِّ
الخياط" في الوقت الذي كان
المسلمون فيه يعلمون العالم شرقه
وغربه.
حضارتنا
عربية أم إسلامية؟
وينوه
القرضاوي إلى أن البعض ربما يقول إن
الحضارة التي يتمسح فيها المسلمون
الآن هي حضارة عربية وليست إسلامية،
فيؤكد على أن الحضارة التي نقصدها هي
إسلامية وعربية في الوقت نفسه، وهي
عربية لأن من أقاموها هم العرب، وهي
إسلامية بحكم الفلسفة التي قامت
عليها؛ ولأن الإسلام هو من دفع
بالعرب بعد إسلامهم للتعلم والمعرفة،
وهو من جعل التعبد بالتعلم، وهو الذي
وضع لها (أمة العرب) مناهج العلم
لترتقي بنفسها، بالإضافة إلى أن هذه
الحضارة إسلامية العناصر كذلك؛ حيث
شارك فها من ليسوا من العرب، أي اجتمع
في إقامة هذه الحضارة العديد من
العناصر من جنسيات وجهات مختلفة
ولكنهم اجتمعوا على الإسلام، وكذلك
هي إسلامية بحكم الرقعة التي انتشرت
فيها؛ حيث انتشرت في مناطق وبلدان
كلها كانت تحت الحكم الإسلامي.
فرى
كاذبة
ويذكر
الشيخ الفرى التي يفتريها البعض على
المسلمين في هذا الصدد؛ حيث يشيع
البعض أن الدين الإسلامي هو السبب في
هذا التخلف، وهي فرية كاذبة حيث إن
الدين الإسلامي أكثر الديانات حثا
على العلم وطلبا له.
كما
أن من الفرى التي يروج لها الأعداء
أننا دول نامية، وهي ليست صحيحة حيث
إننا دول متخلفة، وهم يقولون ذلك بهدف
إشعارنا بأننا نتقدم بالفعل، وهو ما
لا يحدث.
مظاهر
التراجع
ويورد
فضيلة الشيخ العديد من صور التخلف
التي سادت العالم الإسلامي في الوقت
الحاضر، ومنها التخلف في كل الصناعات
والعلوم، واعتمادنا على ما يمنون به
علينا، وذلك بعد أن يكون هذا الذي
يمنون علينا به قد صار "موضة"
قديمة عندهم، "فعندما كنا نركب
الدواب صنعوا هم السيارات، وعندما
أخذنا عنهم السيارات صنعوا الطائرات،
وعندما وصلت إلينا الطائرات كانوا قد
صنعوا هم الصواريخ، وهكذا، مع العلم
أننا في كل هذا نعتمد عليهم اعتمادا
كليا، فبإمكاننا أن نطلب أو نستورد
منهم أحدث موديلات السيارات ولكن لا
نستطيع أن نصنعها، فنحن في عالمنا
العربي لم نصنع سيارة حتى الآن، حتى
صارت أمة سورة الحديد لا تجيد صناعة
الحديد"، فالمسلمون لم يحسنوا
الصناعات الحربية ولا الصناعات
المدنية، فلم نطبق آية {وَأَنْزَلْنَا
الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ
اللهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ
بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ
عَزِيزٌ} والمقصود بقوله تعالى "فيه
بأس شديد" الصناعات الحربية، وقوله:
"ومنافع للناس" المقصود به
الصناعات المدنية.
من
عوامل التخلف.. العبودية والتفكك
ويشير
فضيلة الشيخ إلى العوامل الدافعة إلى
ما نحن فيه من تراجع وتخلف، حيث يرى أن
من أهم أسباب هذا التخلف الحضاري
والعلمي أننا "لم نصنع المناخ
المناسب لتقوم فيه هذه الصناعات
الحقيقة سواء الحربية أو المدنية،
وهذا هو مناخ الحرية؛ فمن غير حرية لا
يمكن أن يصنع العبيد شيئا، وما دامت
أمتنا تساق بالسياط، وما دامت أمتنا
يقاد الأحرار فيها للمعتقلات والسجون،
وما دام هناك الحاكم الذي يحكم الناس
بالعصا، وما دام القضاة يعتقلون
ويسجنون ويضربون، وما دام لا يوجد
هناك حرية صحافة ولا حرية تكوين أحزاب،
فستظل الأمة في دائرة التخلف، وستظل
على الهامش دائما".
العامل
الثاني والذي لا بد منه لصنع حضارة
علمية متقدمة نستطيع أن نجابه بها
العالم كله، هو أن يتحد المسلمون على
هذا الهدف وتلك الغاية، وهو ما فعله
الغربيون عندما أرادوا أن يقيموا
حضارتهم، وذلك بعد الحروب الضروس
التي دارت لعدة سنوات بينهم. كما أن
حضارة الأمة الإسلامية في السابق
قامت على أيدي أبناء المسلمين من كل
العالم الإسلامي، ولو اقتصرت على
دولة أو قطر بعينه لما استطاعت أن
تسود العالم، وهو ما كان.
ويرى
فضيلة الشيخ أن الواجب على المستوى
الفردي أن يساعد كل منا الآخر على أن
ينهض بنفسه، لا أن يقف في طريقه خوفا
من تقدمه عليه، وليعلم أن تقدمه إنما
هو في النهاية تقدم للمسلمين ككل، وهو
واحد منهم.
العقول
المهاجرة وتقدم المسلمين
ويتناول
الشيخ يوسف دور العلماء المسلمين
الذين يعيشون خارج الدول الإسلامية
في صنع تقدم المسلمين، ويرى أنه من
الواجب على الدول الإسلامية أن تسعى
للاستفادة من هذه العقول، وليس يعني
هذا أن تأتي هذه العقول إلينا -أي إلى
الدول العربية- لتحقق هذه الاستفادة،
كما حاول أحد رؤساء الدول العربية أن
يفعل من قبل؛ بل من الممكن أن نستفيد
من هؤلاء وهم في أماكنهم.
بالإضافة
إلى أن علينا أن نعمل على معرفة
العوامل التي تدفع أمثال هؤلاء
العلماء للمكوث في أرضنا، كذلك معرفة
الأسباب التي تدفع العقليات المسلمة
للخروج من بلادها والقضاء على هذه
الأسباب ومعالجتها، وتوفير الظروف
الملائمة للعلماء الناشئين
والمغمورين؛ وذلك لأن كثيرا من
العقول التي ننبهر بها ليست إلا
لأشخاص أتيحت لهم الفرصة أو وجدوا من
يوفر لهم فرصة للارتقاء والنهوض
بأنفسهم، ومن ثم الظهور، وفي الوقت
نفسه هناك آلاف من الذين لم يتح لهم
مثل هذه الظروف حتى يستطيعوا أن
يخرجوا ما لديهم من مواهب وعلم.
وبالقضاء
على عوامل التخلف، ولمِّ شمل علمائنا
المنفرط، وإظهار المغمور منهم نستطيع
أن ننهض بأمتنا على طريق التقدم.
اقرأ
أيضا:
**
كاتب وباحث.
|