إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

القرضاوي: هذه أدوار العلماء

صبحي مجاهد ** 22/04/2006

د. يوسف القرضاوي

يتعهد القائمون على كل مجال من المجالات بعدد من المهام والواجبات تجاه أمتهم، وهذه المهام والواجبات تتطلب من أصحابها أن يؤدوها على أكمل وجه دون الركون إلى غيرهم، وإلا تعطل هذا العمل وضاع بين الناس.

وإذا كان الأمر هكذا بشكله العام، فإنه على الجانب الدعوي يعد أكثر أهمية وخصوصية، فللعلماء والدعاة مهام لا بد أن يقوموا بها في كل عصر، فهم ورثة الأنبياء، ومهمتهم مقتبسة من مهمة الأنبياء ودورهم في الحياة.

هذا ما أكده الدكتور يوسف القرضاوي خلال محاضرة له بعنوان "الدور المنشود لعلماء الأمة"، بمناسبة افتتاح الفرع الجديد لمقر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالقاهرة منتصف إبريل 2006.

أوضح القرضاوي في محاضرته أنه "من المفترض أن يكون العلماء قادة الأمة، لأنهم إن لم يكونوا في المقدمة، فإن ذلك يوجد خللا في الموازين، واستشهد القرضاوي بقول بعض السلف: "الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك"، مؤكدًا أن الأمة كي تكون في المقدمة لا بد أن تلتزم بكتاب الله وسنة نبيها، وهو أمر يتطلب العودة إلى العلماء، وإعطاءهم الدور والمكانة الحقيقية في الأمة.

المراحل التي مر بها العلماء

ولقد كانت هناك عدة مراحل مرت بها مكانة العلماء في الأمة، وهو ما حدده الشيخ يوسف القرضاوي بقوله:

"لقد كان العلماء هم الأمراء، وهو ما كان في عهد الخلفاء الراشدين، فكان الخليفة عالما، هكذا كان أسيادنا أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليهم، جميعهم كانوا علماء، وكانوا خلفاء، وبعد فترة لم يصبح الحاكم بهذه الدرجة، ولكن كان الحكام يقرِّبون العلماء إليهم ويجعلون لهم الكلمة حتى على أنفسهم، ثم جاءت فترة أخرى انفصل الأمراء عن العلماء، فصار الأمير في واد، والعالم في واد آخر، وقلما يستشير الحاكم العالم، ولكن ظل الناس يلتفون حول العلماء يلجئون إليهم حتى في أحلك العصور فسادا، ولذلك فإن الأمراء عندما انحرفوا لم تنحرف الأمة، وظل الناس حول علمائهم، أما إذا انحرف العلماء فذلك يعني فساد الأمة".

وطرح الشيخ القرضاوي إشكالية تتردد كثيرا اليوم وهي زوال حكم الإسلام بين الناس، وأوضح في هذا الصدد:

"إنه ليس من الصحيح كما يقول البعض أن الإسلام انتهى بقوته بعد الخلفاء الراشدين؛ لأنه ظل يحكم، وظل العلماء الأساس في الناحية الشعبية، فعندما جاء الاستعمار وجد العلماء هم قادة الأمة، وهو ما رأيناه في عهد الحملة الفرنسية التي لاقت مقاومة عنيفة انبعثت من الأزهر الشريف، ولذلك صب الفرنسيون غضبهم على الأزهر، وصوبوا مدافعهم إليه، وداسوا بأقدام خيولهم صحن الجامع الأزهر، وعندها اشتدت المقاومة وفر نابليون بونابرت، وقُتل كليبر على يد أحد طلاب الأزهر هو سليمان الحلبي، وهو ما يدل على أن الأزهريين والعلماء هم قادة الأمة، ونحن شهدنا ذلك بأنفسنا عندما قال الإمام المراغي مقولة هز بها عرش بريطانيا بقوله: [الحرب العالمية الثانية لا ناقة لنا فيها ولا جمل]".

ثم عاود الشيخ يوسف القرضاوي الحديث عن المراحل التي مر بها العلماء على مر تاريخ الأمة، وبيَّن المرحلة الثالثة من هذه المراحل حيث أشار إلى أنه "أتى بعد ذلك وقت من الأوقات ضعف فيه العلماء، وأصبحوا يخافون قول كلمة الحق، وهذا لم يكن قاصرا على مصر وحدها، بل رأيناه في دول أخرى، فضعف العلماء، وطغى الحكام، ولم يجدوا من يقول لهم قفوا عند حدكم، ومع ذلك ظل هنا علماء لم يخشوا شيئا، ويشاء الله أن يظل في الأمة أناس قادرون على قول كلمة الحق".

الأمة لا تجتمع على ضلالة

وتأكيدا على عدم إمكانية أن تجتمع الأمة الإسلامية على ضلالة، ألمح الشيخ يوسف القرضاوي إلى أن "من خصائص هذه الأمة أنها لا تجتمع إلا على الحق، حيث يقول تعالى: "وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ"، فهذه الأمة بها طائفة قائمة على الحق إلى يوم القيامة، ويسميها العلماء الطائفة المنصورة، حتى يأتي أمر الله، ولذلك إذا وُجد من يهين ويستكين ويحني رأسه للباطل، كان هناك من يقول: "لا"، فهناك دائما من يحمل كلمة الإسلام، ويحمي الحقيقة، وأولى الناس بذلك هم علماء الشريعة، لأن عليهم أن يحملوا الإسلام، لا أن يحملهم الإسلام، حيث يوجد من يحمل الإسلام فكرة صالحة في عقولهم وتوجهاتهم، وهناك أناس يحملهم الإسلام عبئا على ظهره".

متى يؤدي العالِم دوره ؟

وأجاب الدكتور يوسف القرضاوي على تساؤل هام حول متى يستطيع العالم أن يؤدي دوره في الأمة، فذكر أن "دور العلماء يُنتَظَر بعد أن يكونوا قد كوَّنوا أنفسهم؛ لأن مشكلة الأمة في الذين يدَّعون أنهم علماء وهم ليسوا علماء، والناس دائما لا تتضرر بالعالم الحقيقي، ولا بالجاهل الحقيقي، فالعالم كله خير واضح للناس، والجاهل معروف لهم، أما الذي يدعي العلم وليس بعالم فهو مضلل للناس".

وأكد القرضاوي على أن التكوين العلمي الصحيح لا يشترط التخرج في جامعة إسلامية، وقال: "إن هذه رخصة لا تكفي، ولذلك نقول دائما: إن التخرج يعطي للإنسان مفتاح العلم، وعليه بعد ذلك أن يسير فيه، كما أن الحكمة تتطلب طلب العلم من المهد إلى اللحد".

وووجه القرضاوي تحذيرا من اقتصار العالم على مذهب واحد، ويؤكد "أن العالم الذي يريد أن يكون قويا في علمه عليه أن يقرأ لكل المذاهب، ولا يتبع نهج المدارس التي تقوم على مذهب واحد، وتتعصب له، فتمنع دراسة الفقه المقارن والعقيدة، فيتخرج العالم منغلقا".

الأدوار المطلوبة من العلماء

ثم حدد الدكتور يوسف القرضاوي عددا من الأدوار التي لا بد أن يقوم بها العلماء تجاه أمتهم: أولها الدعوة والتبليغ، فكما أن الأنبياء مأمورون بالتبليغ، فالعلماء أيضا مأمورون بذلك، فالله تعالى يقول: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ"، فهذا خطاب للرسول ولكنه خطاب للأمة من بعده، فمن وافق الرسالة ندعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ومن خالف الرسالة ندعوهم بالمجادلة بالتي هي أحسن".

وشدد القرضاوي في هذا الصدد على أنه إن كانت هناك طريقتان للحوار إحداهما حسنة، والثانية أحسن من الأخرى وجب علينا اختيار الأحسن لأننا مأمورون بذلك، مستشهدًا بقوله تعالى: "وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ".

وأوضح فضيلته عند تفسيره لقوله عز وجل: "إلا الذين ظلموا منهم" أنه حين تمت دعوته لمؤتمرات يشارك فيها يهود إسرائيليون رفض المشاركة؛ لأنهم ظلموا، وقال: "لا حوار بيننا وبينهم حتى تحل قضية فلسطين".

واعتبر الشيخ القرضاوي أن المسلمين مقصرون في الدعوة العالمية، فلم يبلغوا رسالة الإسلام إلى العالم، مع أن الأمة ليست بحاجة إلى جيوش جرارة لفتح العالم، وإنما بحاجة إلى جيوش من الدعاة والإعلاميين القادريين على تبليغ الدعوة الإسلامية بصورة تدعو للالتفات والنظر في الإسلام، وإلا فلا إثم ولا لوم على من لم يعرفوا الإسلام.

وفي هذا السياق شدد القرضاوي على وجود آليات عصرية يمكن من خلالها توصيل الدعوة الإسلامية إلى ثلاثة مليارات نسمة في العالم لم يسمعوا عن الإسلام شيئا، ومن بين هذه الآليات والوسائل: الفضائيات، وشبكة الإنترنت.

وفي تحديد بقية أدوار العلماء تجاه الأمة الإسلامية أوضح الدكتور يوسف القرضاوي أن هناك واجبا آخر على العلماء، وهو التعليم الذي لا بد فيه من التربية المقصود بها تطهير النفس، حيث إن التعليم هو رمز الربانية، وقال: "على من يملك نصاب العلم أن يؤدي زكاة هذا العلم بتعليم الغير، مع الأخذ في الاعتبار أن التعليم الحقيقي لا بد أن يصحبه التيسير".

الإفتاء بالأيسر لا بالأحوط

كما بيَّن أن هناك مهمة أخرى للعلماء، وهي الإفتاء والتفقيه، قائلا: "لا تزال الأمة ترجع في جميع عصورها إلى علمائها لمعرفة دينهم، وذلك بالرغم من التشويهات التي نراها دائما من العلمانيين لتحطيم الرموز الإسلامية، والسبب في ذلك هو أن الأمة مؤمنة في فطرتها، والدين هو المؤثر الأول بها، ولذا كان على العلماء أن يبينوا للناس الصحيح من الفاسد، والحق من الباطل، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، ولذلك ينبغي على العالم أن يتقي الله عندما يفتي الناس".

"فالفتوى لا بد أن يشعر العالم المسلم أنها أمانة، ولا بد أن يؤتيها حقها من البحث والدراسة، ولا ينبغي عليه أن يشدد على الناس، بل إنه من الخطر أن يحاول العالم التشديد على الناس إذا رأى فيهم الميل للتشدد، فيرضي العوام، وفي ذلك خطورة أكبر من خطورة العالم الذي يحاول إرضاء الملوك؛ لأن من يرضي الناس قلَّ ما ينكشف، ولذلك على العلماء أن يفتوا الناس بالأيسر وليس بالأحوط، وخصوصا في هذا الزمن الذي رق فيه الدين".

وتحقيقا لهذا الدور الخطير جدد الشيخ القرضاوي دعوته بإحياء أنواع من الفقه مثل فقه المقاصد، حيث لا بد أن يفهم الناس النصوص الجزئية في ضوء المقاصد، وأيضا فقه المآلات، حيث لا ينظر الكثيرون في مآلات الأمور والنتائج المترتبة عليها، مع أن القرآن علمنا هذا النوع من الفقه في قصة سيدنا موسى والخضر، حيث كان الخضر يفسد السفينة لإنقاذها، فكان الفعل مستنكرا، لكن النتيجة بها نفع كبير.

وينهي الشيخ القرضاوي حديثه عن دور العلماء بالتأكيد على أن عالم الأمة مطالب بأن يكون حارسا لقضاياها، فلا يرى الأمة تداس أرضها ويُنتهك عرضها ويصمت، فالعالم مسئول عن قيادة الأمة، والوقوف للزود عنها والدفاع عن قضاياها المصيرية.

اقرأ أيضا:

استمع أيضا:


** صحفي مصري

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع