إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الغزو الفكري.. بيد الأبناء بعد الأعداء

محمد أبو مليح محمد**- 18/03/2006

الشيخ عبد الرحمن السديس إمام المسجد الحرام

الغزو الفكري مصطلح حديث يعني: "الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى، أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة". وهو أخطر من الغزو العسكري؛ لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية، وسلوك المسارب الخفية في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة، ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس، تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منه أن تكرهه. ولا جدال في أن الأمة الإسلامية تتعرض منذ وقت بعيد لهذا النوع من الغزو وخاصة بعد فشل أعدائها في السيطرة عليها وإجبارها على الانقياد لهم.

ولعل البعض يظن أن هذا الأمر قد قتل بحثا وفات أوانه، ولكن لآخرين رأي آخر، فطالما أن الأمر قائم ولا زال يحدث فهو جدير بالبحث في أسبابه وأساليبه، ووسائل الوقاية منه، خاصة إذا كان هذا الأمر متجددا والقائم به يجدد في أسلوبه وطريقته. حيث يؤكد على ذلك الشيخ عبد الرحمن السديس في خطبته للجمعة 16 من صفر 1427هـ= 17-3 -2006م من المسجد الحرام؛ حيث يرى أن "من لوثات الفساد الذي ينذر بعظيم الخطر، ويتستر به الألداء في كيد وبطر، ذلكم الغزو الفكري الغام، والثقافي والأخلاقي السام".

الغزو الفكري.. الصورة القديمة المتجددة

كانت الأمة تتعرض للعديد من صور هذا الغزو، ومن أكثر من جهة وناحية، ومن الجهات الأساسية التي كانت الأمة تتعرض منها لهذا الغزو:

الغزو النصراني الصليبي: فمنذ أن انتصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين الغازين لبلاد المسلمين بالقوة والسلاح، فكر الصليبيون في البديل الأفضل، وتوصلوا بعد دراسات واجتماعات للغزو الفكري لناشئة المسلمين.

والغزو اليهودي: حيث لا يكتفون بحربنا بالسلاح إنما يحاربوننا في أفكارنا ومعتقداتنا؛ ومن ذلك أنهم ينشرون مبادئ ومذاهب ونحلاً باطلة: كالماسونية والقاديانية، والبهائية، والتيجانية، وغيرها، ويستعينون بالنصارى وغيرهم في تحقيق مآربهم وأغراضهم.

الغزو الشيوعي الإلحادي: والذي كان يركز على التقاط كل حاقد ومَوْتور من ضعفاء الإيمان، وجعلهم ركائز في بلادهم ينشرون الإلحاد، ويعدهم ويمنيهم بأعلى المناصب والمراتب، فإذا ما وقعوا تحت سيطرته أحكم أمره فيهم، وأدب بعضهم ببعض، وسفك دماء من عارض أو توقف.

استخدام أبناء الأمة

وعلى ما يبدو أن الجميع الآن قد توحدوا تحت راية الفريق الأخير، فأصبح الغزو الفكري بشكل أساسي قائمًا على أبناء الأمة الإسلامية أنفسهم؛ حيث يقوم هؤلاء بكل الأنواع السابقة، وذلك بعد أن زرعت القوى المعادية بينهم بذور الفساد، وأعدتهم إعدادا جيدا للقيام بما تريد أن تقوم هي به؛ حتى تقل التكلفة عليهم ويحمل المسلمون التكلفة كاملة.

فكما يقول الشيخ السديس مؤكدا على اختيار الغزاة لأبناء المسلمين، لا سيما "من الشباب والفتيات، فلوثوا أفكارهم، وشابوا عقائدهم، وسلخوهم عن قيمهم الاجتماعية، وأبعدوهم عن أصولهم الدينية والأخلاقية، وأسلموهم إلى عواصف الحيرة والتميع والذوبان والانهزامية"؛ وذلك تمهيدا منه لهم لحمل العبء كله، ونقل العدوى إلى أهليهم دون تكلفة كبيرة من الأعداء.

ويرى الشيخ السديس أن من أخطر وأصعب أنواع هذا الغزو الفكري ما كان على يد هذه الثلة من شباب المسلمين وأبنائهم؛ حيث الحرب من القريب أشد على النفس من حرب العدو أو البعيد، وهؤلاء " فئة ضل عن السداد فهمها، لا تفتأ تفهم الشريعة الغراء"، وهؤلاء يقومون وبشكل أساسي "بغمز الخيرة والصلاحاء، ورجال الحسبة الأخفياء، والجمعيات الخيرية القعساء، والمؤسسات الدعوية ذات السنا والثناء".

كذلك من صور هذا الفساد الناتج عن هذا الغزو الذي يأتي على يد هذه الفئة الضالة المضللة: نشر الأفكار التي تؤيد حِل دم المسلم، وذلك مع اختلاف التفاسير والتعليلات لذلك، مع أن الدين الإسلامي حرم دم المسلم وشدد على حرمته إلا بحقه، وهو ما ابتعد عنه هؤلاء كل البعد. بالإضافة إلى إشاعة الفساد في ديار المسلمين، ومساعدة العدو في القضاء عليها بتدمير مقدراتها الاقتصادية، عن طريق التفجيرات الآثمة والعمليات التخريبية.

ومن صور هذا الغزو والتي طفت على السطح مؤخرا: ظهور فئة من أبناء الأمة يؤيدون ما وجه إلى الأمة الإسلامية من إساءات سواء للقرآن الكريم أو النبي صلى الله عليه وسلم.

ومساعدة هذه الفئة العدو في نشر أفكاره، وخاصة ما يخص المرأة المسلمة، وعملهم ليل نهار على إبعادها عن دينها وحجابها، وعقدهم للندوات والمؤتمرات في هذا الصدد.

وذلك كله ناتج عن جهل من هؤلاء، وجهالة بأثر هذه الأفعال؛ حيث إنهم لا يدرون أنهم بذلك يشرخون الصفوف، ويقوضون بناء الأمة الإسلامية.

وسائل العدو في الغزو الفكري

يؤكد السديس على أن العدو لم يدخر جهدا ولا وسعا في العمل على غزو الأمة من تلك الناحية؛ حيث استخدموا في ذلك "أرقى الثقافات وأحدث المخترعات"، ومن أشد تلك الوسائل وأقواها "هذا الإعلام الذي يضخ عبابا من الفساد، وأطنانا من الانحراف في بعض قنواته الماجنة وشبكاته الآثمة"؛ وذلك عن طريق نشر كل ما يعادي الفضيلة، ويخالف قيمنا ومبادئنا وأخلاقنا، من صور وأغان وأفلام وغير ذلك مما تمتلئ به صفحات المجلات، وساعات القنوات، وخاصة منها الفضائيات.

ومن وسائل الغزو الفكري والتي تعد حديثة بعض الشيء: الغزو في الأفكار الاقتصادية؛ وذلك ببث التعاملات الربوية والمقوضة لاقتصاد الأمة، وخاصة ما يسمونه بالبورصة العالمية، وما تؤدي إليه من أزمات خانقة للدول.

ويشير الشيخ السديس إلى أن "الصهيونية العالمية رائدة الإرهاب الدولي بلا منازع، ولا سيما في الأرض المقدسة أرض فلسطين المباركة، وهم من قال الله فيهم وفي أسلافهم: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}"، وذلك بقيادتها لمحور الشر الدفين في العالم كله.

الغزو الفكري والغزو المسلح

كان أعداء الأمة الإسلامية قد اكتفوا ولفترة من الزمان بما يسمونه بالحرب الباردة أو الغزو الفكري، والتي كانوا يقتصرون فيها على حرب العقول، ولكن وبعد أن أعدوا فئة من أبناء الأمة الإسلامية للقيام بهذا الدور فقد تفرغوا لِهمٍّ آخر، وعادوا إلى ما كانوا قد بدءوه فور ظهور دعوة الإسلام، وهو الحرب المسلحة، وكأنهم أصبحوا مطمئنين إلى أن هناك من يحمي ظهورهم لا من الخارج وحسب بل ومن الداخل أيضا، ومن يدلهم على أقرب الطرق وأصحها لتدمير هذه الأمة، وفي أسرع وقت.

فقامت هذه القوى المعادية بغزو البلاد وإعمال القتل والتقتيل في العباد دون رقيب أو حسيب، بمعاونة من هم أدرى بشعاب البلدة؛ حيث إن أهل مكة أدرى بشعابها.

ثم يشدد الشيخ السديس على أنه لا نجاة للأمة وأبنائها إلا بالاعتصام بمصدري التشريع الإسلامي، واتباعهم لما جاء في القرآن والسنة.

اقرأ أيضا:


** كاتب وباحث.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع