|

|
|
الشيخ حامد البيتاوي
|
الداعية
المسلم هو إنسان كغيره من الناس،
ويتعامل مع الحياة كما يتعامل معها
الآخرون، وحياته كحياتهم، يأكل ويشرب
وينام، لكنه ملزم بأمور تميزه عنهم،
فهو القدوة والقائد، لذلك يجب أن
يتحمل ما لا يتحمله غيره.
ولو
اخترنا الجانب الاقتصادي الذي يمر به
الإنسان لوجدنا أن هذا الجانب هو من
أهم دعائم المجتمع ومقوماته، والدعوة
أيضًا تسير على هذه الدعائم، فمن غير
المعقول أن تسير سيارة بدون وقود،
ولكن طبيعة هذا الوقود تختلف أيضًا.
ولو
أخذنا مدى تأثر الدعوة بشكل عام
بالضغوط الاقتصادية التي تحيط بها،
ومدى تأثر الداعية كشخص أيضًا بهذه
الظروف، لوجدنا أنه يجب التركيز على
عدد من القضايا الأساسية التي من
خلالها يمكن أن نتكلم عن هذا الأثر.
اختيار
الموضوع قد يتأثر
الداعية
حين يختار الموضوع الذي يريد أن يتحدث
فيه، يكون قد اطلع بشكل كلي على ما
يدور حوله، وحدد النقاط الأساسية
التي سيأخذها في الحسبان عند خطابه،
لذلك فإن تناوله للموضوع يكون بناء
على أسباب وتداعيات تملي عليه مناقشة
هذا الموضوع.
لكن
يبقى الشيء الذي يجب أن يعرفه الشخص:
ما مدى خضوع شخصية الداعية لبعض
الضغوط المحيطة في التأثير على موضوع
الخطاب أو حتى على الأسلوب الذي
يُقدَّم به الخطاب؟ وهل يمكن أن
يُطبَّق عليه المثل العربي القائل:
"أطعم الفم تستح العين"، هذا
المثل الذي يعبَّر به عن استخدام بعض
المغريات المادية مع شخص ما لإجباره
على السكوت أو القبول ببعض الأمور؟.
الأستاذ
غسان بدران -المحاضر في كلية الشريعة
بجامعة النجاح الوطنية- يرى أنه لا شك
في أن الضغوط الاقتصادية لها أثر على
الداعية، فهو جزء من المجتمع يتأثر
بما يتأثر به الآخرون، ويرى بدران أن
هذا الأثر يختلف من شخص إلى آخر.
كما
يعتبر بدران أن هناك عددًا من الدعاة
والخطباء قد يضطر إلى ترك عمله بسبب
الوضع الاقتصادي الذي يحيط به، ويقول:
"قد يتوقف الداعية عن دعوته
لانشغاله بتحصيل الرزق، ولكن الذي
يستمر في الدعوة قد يتأثر بها (الضغوط
الاقتصادية) أولاً وأخيرًا".
ويرى
بدران أن اختيار الموضوع يجب أن لا
يخضع لأهواء جهة أو شخصية معينة،
وإنما الظروف المحيطة وما تطلبه
المصلحة العامة هي التي تفرض على
الداعية اختيار هذا الموضوع.
أما
الشيخ حامد البيتاوي -رئيس رابطة
علماء فلسطين- وأحد الخطباء
المعروفين بفلسطين، فيرى أن هناك
عددًا من الجوانب يمكن أن تؤثر على
الداعية، منها جوانب اقتصادية وأمنية
وسياسية واجتماعية، حيث يعتبر أن
الداعية ليس بمعزل عن البشر، وإنما هو
منهم، ويتأثر بما يتأثرون به.
في
حين يرى الأستاذ زهير الدبعي -مدير
دائرة أوقاف مدينة نابلس في الضفة
الغربية- أن الداعية يجب أن يعمل في
حرية تامة، ويرى "أن الخطيب هو الذي
يختار الخطبة والمحاور التي يناقشها
وطريقة المعالجة التي يراها مناسبة".
ويضيف
الدبعي: "إن التدخل من جهة المديرية
يكون من خلال وقت الخطبة وعدم الإطالة
فيها، حيث إن هذا من المصلحة العامة
لكسر الملل الذي قد ينتج عن الإطالة،
ويكون أيضا في منع تجريح الأشخاص أو
الهيئات نتيجة هذه الخطبة أو تلك".
أسباب
خضوع البعض
يعتبر
الأستاذ غسان بدران أن أسباب خضوع بعض
الخطباء لمثل هذه الضغوط قد ترجع إلى
الوضع الاقتصادي الذي يمر به الداعية،
فعدم قدرته على توفير لقمة العيش،
وتدني الراتب الذي يتقاضاه، قد يجعله
يخضع لبعض المساعدات المادية التي
بدورها تؤثر على شخصيته وإمكانية
تناوله لبعض الموضوعات بالقوة
المطلوبة.
فيما
يرى البيتاوي أن الأسباب يمكن
تقسيمها إلى قسمين وتتثمل في:
1
- الحياة المحيطة: وتشمل كل
متطلباتها من ضروريات أساسية غير
متوفرة، فلذلك يبدأ الداعية التفكير
في طبيعة معيشته، وكيف يوفر هذه
الاحتياجات الخاصة به وبأسرته.
2
- طبيعة العمل: وهنا يوجد اختلاف
بين داعية يعمل في دائرة رسمية ويقع
تحت المساءلة، وداعية حر لا يخضع لمثل
هذه الضغوط. فالداعية الموظف يسير ضمن
قواعد وضوابط تختلف عن تلك الضوابط
التي تكون لدى الحر.
وفي
ذلك يرى الأستاذ بدران أن الداعية
الموظف يحاول دائمًا أن لا تُمَس
وظيفته، فإما أن يسكت تماما ولا يتكلم
حفاظا عليها، أو أن يتكلم في موضوعات
لا تثير أحدًا، لئلا يؤثر هذا الموضوع
على وظيفته.. أما الداعية الحر فهو لا
يضع مثل هذا في حسابه، فنراه يكون
أكثر جرأة في حديثه ودعوته.
الاعتماد
على جهات أخرى
أما
عن اعتماد الداعية على جهات أخرى في
التمويل، خاصة تلك التي تحاول تسيير
الأمور عبر الأموال التي تغدق بها على
العديد من الأشخاص، فيعتبر الأستاذ
غسان بدران أن هذا الأمر مرفوض ابتداء،
وذلك لأنه عندما يعتمد الداعية على
أمثال هؤلاء الأشخاص (المانحين) فإنه
يتكلم بما يعجبهم، وهذا يعني: إما
إهمال شيء من الدين، أو تحريفه
وتشويهه عند الناس، وهذه طامة كبرى.
كما
أن الناس إذا علموا أن الداعية يتلقى
دعمًا من جهة ما (لها مآرب) فإنهم لن
يلتفتوا إلى كلامه، ولا يتأثرون به،
وتكون النتيجة عكسية.
الداعية
وتحديات الواقع
ولا
شك أن الداعية يلقى الكثير من
المضايقات في طريق دعوته، والتي قد
تصل إلى حد القتل أو السجن، وقد
يضيَّق عليه في الرزق. وهنا يقول
الشيخ حامد البيتاوي: "فليوطن
العلماء والخطباء والدعاة أنفسهم على
الابتلاءات".
ويضيف:
"ليكن قدوتنا في ذلك الرسول الكريم
-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والدعاة
والتابعين، قال تعالى: (ولَقَدْ
كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ
فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا
وأُوذُوا). وقال تعالى: (يَا بُنَيَّ
أَقِمِ الصَّلاةَ وأْمُرْ
بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ
المُنكَرِ واصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
الأُمُورِ)".
ويتحدث
البيتاوي عن تجربته قائلا: "لقد
تعرضت للسجن من قبل الاحتلال،
وفُرضَت عليَّ الإقامة الجبرية عدة
مرات ولعدة سنوات، وأبعدت إلى مرج
الزهور بجنوب لبنان، كما سجنتني
السلطة الفلسطينية، لكن هذه
المضايقات لم توهن من عزيمتي، ولن
تثنيني عن الخطابة والتدريس والوعظ".
كيف
يستقل الداعية؟
أما
كيف يبتعد الداعية عن المؤثرات
ليكون مستقلا في دعوته، فتحدث
الأستاذ غسان بدران قائلا: "هناك
عدد من النقاط يمكن من خلالها تجنب
التأثير والضغط الخارجي على الداعية
وخطابه، وتتمثل في:
1
- ثقافة الداعية تجعله يحسن عرض
الأفكار، فبعض الخطباء يكثر من
التهجم على الحكومات وعلى الهيئات
وعلى الأشخاص، مما يثير ردود فعل يكون
لها أحيانا تأثير ضاغط عليه، بحيث
يهدد بالفصل من الوظيفة أو الإيذاء
الجسدي وما إلى ذلك. واعتبر هذا
الأسلوب غير صحيح، فالداعية ينبغي أن
يضع الكلام في قوالب دعوية تصل إلى
المتلقي، ولا يضعها في قالب التهجم
على أشخاص وحكومات، كما أنه يمكنه
الإشارة إلى أي موضوع يريده بغير
الطريقة المباشرة التي لا ترضي البعض.
2
- يمكن للداعية أن يتغلب على مشكلة
التهديدات المادية وضغوطها بأن يكون
له عمله المستقل الذي يعيش منه بعيدا
عن مجال الدعوة، بحيث لا يتحكم في
خطابه من يعطيه أجر عمله الدعوي.
ويتابع
بدران الحديث قائلا: "حكمة الداعية
هي التي تحميه من كل الضغوط التي يمكن
أن تمارس عليه. والذي أراه أن بعض
الدعاة هم الذين يتسببون في مثل هذه
الضغوط"!.
لسنا
"ما يطلبه المستمعون"
إن
كل من يقوم بعمل ما يترتب عليه العديد
من التبعات، سواء أكانت تلك التبعات
إيجابية أو سلبية، وكذلك الداعية،
وفي نهاية الأمر لا يوجد مبرر لأي
داعية كي يتكاسل في أداء أمانته،
وقدوتنا في ذلك الرسول صلى الله عليه
وسلم الذي قاطعته قريش وعزلته
وأصحابه في أحد شعاب مكة المكرمة، حتى
أكلوا أوراق الشجر وجلود الحيوانات
البالية، وما ردهم ذلك عن عقيدتهم
ودعوتهم.
ونختم
بقول الشيخ البيتاوي: "أنا -كداعية-
أقدم الطرح الإسلامي، ولست مقدما
لبرنامج ما يطلبه المستمعون في إذاعة
أو تلفزيون.. أنا لدي رسالة للدعوة إلى
الله، ومن يكرمه الله بذلك فلا بد أن
يتحمل أذى الآخرين".
اقرأ
أيضا:
|