إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

لماذا ينجح الاتجاه السياسي الإسلامي؟*

عبد الرحمن الحبيب** - 01/03/2006

إسماعيل هنية وخلفه شعار حماس

الانتخابات المصرية والفلسطينية التي أظهرت نتائج متقدمة للإسلاميين تعيد التساؤل حول قوة وقدرة تيارات الإسلام السياسي في العالم العربي. ففي أغلب الانتخابات التي تجري في البلدان العربية يلاحظ أنها تنتهي بانتصار التيارات الدينية المسيَّسة، شاملاً ذلك أطيافها المتنوعة من معتدلة وتقليدية ومتشددة وكذلك المتطرفة التي تشكل ظهيرًا داعمًا أو جناحًا سياسيًّا للمجموعات التي تمارس العنف والإرهاب.

وسواء كانت تلك انتخابات برلمانية أو بلدية أو نقابية وغيرها، فإن نجاح جماعات أو حركات الإسلام السياسي هو سمة مشتركة بين الدول العربية التي تسمح بعمل تلك الجماعات، فلماذا هذا النجاح؟.

عوامل نجاح الإسلاميين

هناك العديد من العوامل التي ساعدت هذه التيارات على التقدم، مثل الدعم الرسمي في السبعينيات والثمانينيات من أغلب الأنظمة العربية لتلك التيارات، حين كانت تتمثل في جمعيات خيرية ونشاطات دعوية دينية ومدارس تحفيظ قرآن ورحلات كشفية... إلخ، فلم تكن الأنظمة تتوقع أن تخرج منها قوى سياسية معارضة ناهيك عن وحوش إرهابية؛ بل كان ينظر لها من الجهات الرسمية والأهلية على أنها جمعيات دينية تطوعية بعيدة عن السياسة وألاعيبها. ومع هذا الدعم الرسمي والأهلي كان هناك دعم أمريكي هائل، حين كانت الإدارة الأمريكية تعتبر تلك الجماعات إحدى وسائل محاربة الاشتراكية ومجابهة تيارات اليسار عمومًا بما فيها من حركات التحرر القومية والوطنية.

أشرت لتلك العوامل ولن أتناولها، بل سأتطرق لما أراه أهم وأبسط العوامل، فمع "ترييف" المدن، أي الهجرة المكثفة والعشوائية من الأرياف والبوادي إلى المدن حصل خفوت الطابع المدني التنويري للمدن ليحل محله طابع تقليدي، ماضوي، عشائري، طائفي، هو أقرب لجماعات الإسلام السياسي من أية مجموعات أخرى عصرية.

وهنا تنامى العامل التاريخي المشترك أو المتداخل بين الخطاب التقليدي والخطاب الديني، فاستغلت بعض الجماعات الإسلامية الانسجام الذهني بين العوام والخطيب أو الفقيه، بين المجتمعات العربية ورجال الدين التقليديين؛ لتحوله إلى انسجام بين المجتمعات والدعاة المسيَّسين، فكلاهما يرجعان لنفس اللغة كطريقة تفكير وأسلوب تعبير، وكلاهما يتشابهان في بناء التصورات وأفق الخيالات، وكلاهما متناغم على موجة أفقية واحدة.

ثمة توافق عقلي ونفسي مرجعيته هو مرحلة ما قبل الحداثية، فرغم دخول مجتمعاتنا العربية (وكذلك الإسلامية الأخرى في الشرق الأوسط) في المظاهر الحديثة الثقافية من إنترنت وفضائيات وملاهٍ وترفيه، ورغم وجود المظاهر الحداثية المادية من اقتصاد رأسمالي وتعليم وصحة، وطرق سريعة ومعارض فارهة وناطحات سحاب... إلخ، فإن المجتمعات العربية لم تدخل مرحلة الحداثة أو التحديث بالمعنى الشامل (أي التنويري والعقلاني) الذي دخلت فيه جميع دول العالم المتقدمة وشبه المتقدمة في الغرب والشرق.

نتج عن ذلك أزمة هوية حادة لدينا بسبب التناقض بين المظاهر الحديثة والعقلية القديمة، وتناقض بين الداخل (المحلي) والخارج (الدولي)، فظهر بين ثنايا هذه الأزمة مجموعات الإسلام السياسي داعية إلى نبذ العصري الحديث ورفض الآخر والاكتفاء بالقديم قدر المستطاع؛ وهو ما يستدعي المواجهة مع الآخر الحديث في الداخل والخارج.

لا تزال مجتمعاتنا في مرحلة متأرجحة بين القرون الوسطى والعصر الحديث من ناحية العقلية ومنظومة القيم الفكرية والثقافية، وبالتالي فهي في مرحلة ارتياب أو عدم إدراك، وربما خصومة مع القيم المدنية الحديثة، مثل ما يتصل بالمفاهيم التالية: حقوق الإنسان (وبالذات حقوق المرأة والأقليات)، الحريات الخاصة والعامة (حرية السلوك الفردي، والتعبير والتفكير والدين والتعليم والتنظيم)، الديمقراطية، الوطنية، وبناء الدولة الحديثة، ومؤسسات المجتمع المدني، العلاقة مع الآخر، إدارة الاختلاف... إلخ، فتصادم هذه المجتمعات بين مظاهرها المادية الحديثة وبين العقلية "القروسطية"، أنتجت أزمات مع النفس والآخرين، قادتها حركات الإسلام السياسي إلى أزمات في التعامل مع الأنظمة السياسية، وصراع مع التيارات العصرية في الداخل، وأزمات أكثر حدة في التعامل مع الآخر في الخارج (الغرب).

وفي ظل هذا التأزم بين عقلية وسلوك الفرد العربي البسيط ذي التعليم المحدود، أو حتى الفرد المتعلم الماهر في تخصصه، لكنه ذو ثقافة محدودة واطلاع فقير يجعله لا يثق بالمناهج الفكرية الجديدة ولا التنظير الحديث من الفلسفة وعلوم الاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة، فيلجأ إلى ما اعتاد عليه تقليديًّا، من ثقافة شفهية باحثًا عن أجوبة سماعية مباشرة عبر المقابلة الشخصية أو الهاتف أو الإذاعة أو التلفزة من فقيه تقليدي كثيرًا ما يكون هو نفسه متواضع الثقافة والاطلاع أو التعليم أو كلها معًا.

هل هو تحول للكهنوتية؟!

وفي ظل سيطرة المظاهر الدنيوية الحديثة على الشكل المادي لحياة الفرد العامي وتعارضها أو عدم توافقها مع غلواء الهاجس الديني على عقليته وحالته النفسية ينشأ إحساس بالذنب، فيبالغ العوام في الرجوع للفقهاء في كل شاردة وواردة من أمور الحياة الاعتيادية دونما حاجة لذلك، وكثير منها ليست من تخصص الفقيه ولا المفتي. وبعض الفقهاء الدعاة يستمتع في التدخل بكل صغيرة وتفصيل دقيق من أمور الناس مكثرًا من التحريمات مع كل ما يحتمل عدم توافقه مع الدين، وذلك من أجل فك عقدة الذنب لديه ولدى السائل، ومتعارضًا بذلك مع القاعدة الفقهية التقليدية: "الأصل في المعاملات الإباحة". وهنا محاولة نكوصية لتحويل المجتمع إلى حالة من الكهنوتية وكأنه يعيش في دير رهبان وليس في مدن حديثة مليئة بكل من المظاهر والمتع المادية وأيضًا بالمظاهر والشعائر الدينية والروحية.

ينتج عن ذلك كله المبالغة أو الإفراط في الرجوع إلى الداعية في كل الأمور، أو قيامه بأدوار متنوعة ليست من أدواره ولا من تخصصه، بحيث يتحول إلى اختصاصي نفسي واجتماعي واستشاري جنسي، ومحلل اقتصادي ومنظِّر سياسي، ومرشد تربوي ورائد كشافة في المخيمات، وناقد أدبي، بل حتى إلى طبيب اختصاصي وعلمي في السلوك البيولوجي للبشر وعارف في علم الفلك... إلخ، فيدخل محللاً ومحرمًا في كل الأمور، ونحن نعرف أن المفكرين والكتاب المختصين والمحللين السياسيين وأشباههم هم أدرى بهذه الأمور من الفقيه، وكما جاء في الحديث الشريف: "أنتم أعلم بشئون دنياكم".

من الطبيعي إذن أن يجنح كثير من الدعاة إلى إقحام وجهة نظره في مسائل سياسية نسبية وغير ثابتة، معطيًا آراءه صفة دينية، طالما أن الظروف تتيح له ذلك. صحيح أن من حق الفقيه والداعية أن تكون له وجهة نظر خاصة في أمر من الأمور السياسية، لكن هل من حقه وضع وجهة نظره السياسية كإلزام ديني وتحريم وجهات نظر الآخرين أو تكفيرهم؟ هنا مكمن الخطورة حين يضع الداعية نفسه في موضع المحلل السياسي مصبغًا على تحليله صفة القداسة، وهو غالبًا ما ينحاز إلى إحدى فصائل الإسلام السياسي دون الفصائل الأخرى، أو ربما يكون هذا الداعية أو ذاك إحدى قيادات الفصائل الأولى، ومن هنا تميل غالبية العوام لتلك الفصائل، ومن هنا تنال الفصائل الإسلاموية نسبًا متفوقة في الانتخابات!!.

اقرأ أيضا:

شارك في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:


*نقلا عن موقع "شبكة الأحرار".

**كاتب وباحث سعودي.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع