|

|
|
غسان بدران
|
لطالما
كان المواطنون يشاهدونهم على المنابر
وفي المساجد وأماكن أخرى يلقون فيها
المواعظ والدروس الدينية، منتقدين
ممارسات السلطة تارة ومن يعملون
بالسياسة تارة أخرى. لكنهم اليوم
تربعوا على عروش السياسة، فمنهم
أعضاء في البرلمان وآخرون وزراء في
الحكومات.
فهل
السياسة محرمة على الدعاة؟ وهل العمل
بالسياسة سيؤثر على الخطاب الدعوي؟
وما الأدوار المنتظرة من الدعاة داخل
البرلمان؟ أسئلة بدأت تراود الكثيرين،
وبالتحديد بعد ما أنتجته الانتخابات
التشريعية الفلسطينية ودخول العديد
من الدعاة تحت قبة البرلمان.
لا
تناقض
غسان
بدران، أستاذ الشريعة في جامعة
النجاح الوطنية يقول لـ"إسلام أون
لاين.نت": "إن المسلم الواعي
الفاهم لدينه لا يرى تناقضا بين الدين
والسياسة، بل إن هذا الأمر (الفصل بين
الدين والسياسة) جاءنا من أوروبا بعد
ثورة الناس على الكنيسة وبالتالي على
الدين، وللأسف الشديد فان أبناء
المسلمين صاروا يرددون هذا الكلام
بقصد أو بغير قصد".
وأضاف
بدران: "كيف يمكننا أن نتصور مسلما
يطبق الإسلام في بيته ثم لا يطبقه في
المجتمع وبين الناس خاصة إذا أصبح في
موقع المسئولية، خاصة أن آيات القرآن
وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
شملت كل جوانب الحياة الإنسانية".
وتابع
بدران القول: "إن كل صاحب فكرة يريد
أن يطبق فكرته بين الناس. أليس
الشيوعي يريد أن يصل إلى تطبيق
الشيوعية ويعمل في كل المجالات خاصة
السياسية للوصول إلى هدفه؟ وكذلك
القومي والعلماني وكذلك حماة البيئة،
ألا يريدون الوصول إلى وضع يطبقون فيه
ما يؤمنون به؟، فكيف بالمسلم المكلف
أصلا من الله سبحانه بتطبيق شرعه، هل
من العدل أن يقال له: أنت من بين جميع
الناس لا يجوز لك أن تطبق أو تسعى إلى
تطبيق ما تؤمن به؟!".
صور
مختلفة
وأوضح
غسان بدران أن "الدعوة مضمونها
واحد، لكن صورها وأشكالها مختلفة،
فهناك داعية يدعو من خلال الخطابة
والدروس في المساجد، والبعض من خلال
الإذاعة والفضائيات، والبعض من خلال
التأليف، وكل مسلم في مكان عمله أو
سكنه يكون داعية، ليس شرطا أن يكون
باللسان، بل بالعمل أيضا".
واستدرك
بدران قائلا: "ألا تعتبر المرأة
المسلمة داعية بارتدائها للحجاب
وبسلوكها المؤدب حتى لو لم تتكلم
بكلمة واحدة؟ وكذلك المسلم الذي
يمارس العمل السياسي يكون داعية
بالتزامه مبادئ الإسلام وأخلاقه. ومن
خلال تحقيق مصالح المواطنين مسلمين
وغير مسلمين. أليس كل هذا دعوة لله
سبحانه؟ أليس هذا تطبيقا لمبادئ
الدين الحنيف؟ إذن الداعية في
البرلمان ليس خطيبا أو واعظا، بل هو
إنسان عملي نشيط مثابر ينطلق في عمله
من الإسلام".
وأوضح
بدران أن الداعية العامل في المجال
السياسي "يجب ألا يكون نظريا، ويجب
عليه دراسة الواقع والاستفادة من
التجارب، فهذا أمر مطلوب وضروري، لكن
بشرط ألا يخالف أمرا من أمور الدين،
ويمكن للداعية هنا أن يراعي التدرج
والبدء بالأهم فالأهم، وألا يحاول
فرض قناعاته على الناس".
ويشير
بدران إلى أن "الداعية الممارس
للسياسة ينطلق من كونه مسلما لا رقيبا
دينيا أو واعظا، وهو لهذا يعبر عن
آمال وآلام الشعب، ولا يرى تناقضا في
هذا، فالمطلوب من الداعية في المجالس
التشريعية والتنفيذية أن يحمل مشكلات
المواطنين ويحاول حلها، وأن يحقق
مصالح الناس المشروعة حتى لو لم يتكلم
بآية واحدة أو حديث واحد في المجلس،
فهو بهذا يحقق الإسلام بصورة عملية،
وهو المطلوب".
أما
عن القضايا التي ينبغي على الداعية أن
يهتم بها في العمل السياسي فيؤكد
بدران "أن كل قضية فيها جلب مصلحة
للوطن والمواطن عليه الاهتمام بها،
فعليه الاهتمام بالأمن والتعليم
والعمل والصحة والزراعة والتجارة
والعلاقة مع الدول الأخرى... إلخ، ولا
يجب أن يركز على الجانب السياسي فقط
كما يفعل بعض السياسيين".
لكل
مقام مقال
ويشير
بدران إلى أن "فوز الدعاة في
الانتخابات ليس مأزقا وليس مكسبا
شخصيا أو افتخارا، بل هو مجال فسيح
ورحب لخدمة الناس وبيان الصورة
المشرقة للمسلم عندما يكون مسئولا،
كما أظهرها عندما كان مواطنا عاديا".
وأوضح
بدران أن "النجاح السياسي للحركة
الإسلامية سيحدث قطعا تغييرا في
الخطاب وفي منهج العمل، فلكل مقام
مقال، فالإنسان وهو مقموع مضطهد
يتكلم بطريقة تختلف فيما إذا كان هو
في موضع المسئولية، ولا يعني هذا تغير
المبدأ والفكرة، بل الطريقة والأسلوب،
فمثلا المسئول يجب ألا يقول نطلب من
الدولة والمسئولين فعل كذا وكذا، فهو
في موقع مسئولية، عليه هو أن يفعل ذلك
ولا يطالب غيره".
وأشار
بدران إلى أنه "ليس كل الدعاة
أصبحوا أعضاء في البرلمان بل عدد
محدود منهم، وهذا بالتالي لا يترك
مكانهم فارغا فهؤلاء (الدعاة
السياسيون) يقومون بما هو مطلوب منهم،
وأما بقية الحركة الإسلامية فعليهم
القيام بواجباتهم ومسئولياتهم
بانسجام وتنسيق مع إخوانهم الذين
يعملون في العمل السياسي".
الإسلام
منهج حياة
من
جانبه قال محمود مصلح، عضو المجلس
التشريعي المنتخب عن حماس: "الإسلام
له علاقة وثيقة بالناس وبالسياسة،
فمن ناحية الفصل بينهما لا يجوز،
فالإسلام منهج للحياة، والمنهج يهتم
بحياة الناس وهمومهم ومشكلاتهم،
وبالتالي فلا بد أن يتدخل الإسلام في
كل تفاصيل الحياة للناس".
وأوضح
مصلح أن "الدعاة إلى لله ثقافتهم
ليست محصورة بحفظ الآيات والأحاديث،
بل الواعظ مطلوب منه أن يلم بجميع
جوانب الحياة، فهو مثقف وواع وحريص
على الناس ويتفاعل معهم ومع همومهم
بصورة سليمة، وهو مطالب بأن يفعل ذلك،
ليس لأنه بالبرلمان، بل لأنه مسلم".
ويدعم
مصلح حديثه بالقول: "أنا ليس تخصصي
بالدعوة، لكني أعمل بالدعوة، وليس
تخصصي بالسياسة، لكني أعمل بها، فما
المانع أن يكون الداعية يعمل في مجال
السياسة، فالإسلام يتصف بالشمولية
فقد جاء ليعالج كل نواحي الحياة".
غير
مقيدين رغم الثوابت
أما
عن الدعاة داخل البرلمان فيقول مصلح:
"يمكن للدعاة المشاركين بالعمل
السياسي ممارسة الدعوة خارج البرلمان
أو خارج المؤسسة السياسية، المهم هو
كيف يضبط وقته وجهده في هذه الجوانب".
وبالنسبة
لانعكاس فوز الحركة الإسلامية على
المنهج والخطاب، يقول مصلح: "خطابنا
واحد، ولنا ثوابت لن نتغير عنها، يمكن
أن يتغير خطابنا حسب المصلحة العامة،
فإذا اقتضت المصلحة العامة تغيير
الخطاب فسنغيره لمصلحة الجماعة
ومصلحة الشعب، أما خطابنا حول
الثوابت والإستراتيجيات فهو واضح ولن
نغيره أبدا، فهو معروف للجميع ولن
نتنازل عن ثوابتنا".
|

|
|
فريد أبو ضهير
|
تحويل
الخطاب للعمل
من
جانبه تساءل الدكتور فريد أبو ضهير،
أستاذ الصحافة والإعلام في جامعة
النجاح الوطنية بنابلس قائلا: "ما
الذي يمنع الداعية الإسلامي من العمل
السياسي؟ ألا يأخذ عمل الداعية طابعا
سياسيا بدرجة كبيرة عندما يتحدث عن
الفساد والإصلاح؟ أنا أرى أن الداعية
هو رجل سياسة بكل ما في الكلمة من معنى،
لأنه يؤثر بدرجة كبيرة على الرأي
العام، ويؤثر كذلك بشكل غير مباشر على
اتجاه السياسة في البلاد، وعلى صانعي
القرار".
وأضاف
أبو ضهير: "اليوم الداعية الإسلامي
الفلسطيني أصبح ممثلا في البرلمان،
مما يعني أن خطابه سيصل دائرة أوسع،
وكذلك سيكون عليه أن يعتمد خطابا
متوازنا واقعيا بحيث لا ينفصم عن
الأفكار التي كان يدعو لها من جهة،
وأن تكون قابلة للتطبيق من جهة ثانية،
وأن تتلاءم مع المناخ العام والظروف
المحيطة من جهة ثالثة".
وتابع
بالقول: "الداعية كان مطلعا على
تطورات الأوضاع السياسية، ولكنه
اليوم يتعايش مع هذه التطورات، ولذلك
فإنه يحتاج إلى دعوة من نوع آخر، دعوة
تقوم على المواءمة بين الأسلوب
الخطابي العاطفي وقابلية هذا الخطاب
للترجمة على أرض الواقع".
وأوضح
أبو ضهير أن "الداعية السياسي
بحاجة إلى أكثر من مجرد اطلاع على
الأوضاع السياسية، وبحاجة إلى تحليل
أكثر ورؤية أشمل للأحداث. بحاجة إلى
معلومات أكثر من أجل تشخيص الواقع،
وكذلك من أجل إدراك الصعوبات القائمة
على الأرض، والتي تخفض من سقف الخطاب
الدعوي وتجعله أكثر واقعية. وتخفيض
السقف لا يعني التنازل والتراجع
والتخلي عن المبادئ، ولكن يعني تقديم
رؤية شرعية عملية لمشكلات المسلمين".
السياسة
لأهل السياسة
أما
الدكتور رائد نعيرات، رئيس قسم
العلوم السياسية في جامعة النجاح
الوطنية فإنه يقول: "السياسة
بالأصل حكر على رجال السياسة فقط، إلا
أن المجلس التشريعي ليس كله سياسة"!!.
أما
عن دخول الدعاة للبرلمان وأدائهم
يقول نعيرات: "إنه ليس هناك أية
مشكلة في ذلك، فالأمر يعتمد على قدرة
الشخص ومؤهلاته، وعلى مقدار تكيفه مع
المستجدات".
ويشير
نعيرات إلى أن فوز الحركة الإسلامية
في فلسطين ودخولها البرلمان "سيؤثر
بشكل أكيد على منهجها وطبيعة خطابها،
فسيظهر فيه الاعتدال والواقعية، فقد
كانت حماس معارضة، والمعارضة ترفض كل
شيء، إلا أن حماس الآن سلطة، والسلطة
بحاجة إلى خطاب معتدل وجامع، وخطاب
واقعي في الوقت ذاته".
اقرأ
أيضا:
شارك
في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:
|