إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الدعوة قبل السياسة.. ولكن!*

د. رفيق حبيب ** - 23/01/2006

د. رفيق حبيب

منذ بداية النشاط السياسي المنظم لجماعة الإخوان المسلمين في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وسؤال "الدعوي والسياسي" يتكرر، ويفرض نفسه كلما تزايد النشاط السياسي للجماعة، والمقصود بالسؤال هو تحديد المجال الرئيسي لنشاط الجماعة، وإلى أي مدى يمكن التركيز على العمل السياسي، وهل يجوز أن يطغى العمل السياسي على العمل الدعوي؟!.

والسؤال على هذا النحو يبدو وكأنه يتحدث عن الكمِّ؛ أي كمّ السياسي وكمّ الدعوي في نشاط الجماعة، وكأنَّ الكمَّ سوف يحدد النشاط الرئيسي من الفرعي، ويحدد بالتالي حجم النشاط الفرعي ومدى أهميته في النهاية.

دعوية في الأساس

ومن الطبيعي القول بأنَّ جماعة الإخوان المسلمين جماعةٌ دعويةٌ في الأساس، وبالتالي هي دعويةُ المنشأ، وأقامها الإمام الشهيد حسن البنا لتكون جماعةً دعويةً، وبالتالي يصبح النشاط الدعوي هو الأساس الأول الذي قامت عليه الجماعة، ولا يجوز أن يتراجع نشاطها الدعوي بأي حالٍ من الأحوال؛ لأنَّ ذلك يعني تغيُّر طبيعة الجماعة؛ وهو ما يهدد استمرارها أساسًا، ولهذا أيضًا نقول: إن المتوقَّع هو أن يكون النشاط الدعوي هو الغالب كمًّا ومساحةً وجهدًا، ولكنَّ الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ لأننا مثلاً لم نتكلم عن النشاط الاجتماعي للجماعة، ولم نسأل مثلاً هل تغلَّب النشاط الاجتماعي للجماعة على نشاطها الدعوي؟!.

السياسي أكثر بروزًا

والواضح أنَّ سؤال النشاط السياسي نابع أساسًا من أن النشاط السياسي هو الأكثر بروزًا؛ مما يجعله النشاط الإعلامي الأساسي، وهو أيضًا النشاط الذي يجعل الجماعة تدفع ثمنًا غاليًا في سجون نظام الحكم.

وتلك الصورة تجعنا نرى أهمية تعريف نشاط الجماعة كما أُسست في عهد الإمام الشهيد، فهي جماعة دعوية تستخدم منهج التربية والإصلاح لتغير حال الأمة، فهي جماعةُ تغيير منذ بداية النشأة، وليست جماعة دعوة وعظية فقط -مع أهمية ذلك- ومنذ البداية اتخذت لنفسها منهج التربية، أي المنهج الإصلاحي لتغيير الأمة، ومنذ البداية أيضًا قامت جماعة الإخوان المسلمين لتغير النظام السياسي الذي خرج عن مرجعية الأمة بسقوط الخلافة الإسلامية كلحظةٍ رمزيةٍ، وهذا يعني أن الجماعة استَهْدفت منذ البداية إعادة تأسيس النظام السياسي على مرجعية الأمة الدينية والحضارية.

بهذا نفهم الهدفَ الرئيسي للجماعة بأنه إعادة إحياء دور الدين والمرجعية الحضارية بين الناس ثم في النظام الحاكم، في مواجهةِ حالة التغريب المنظَّمة التي تبناها الاستعمار، وبعد ذلك تبنَّتها الحكومات في مرحلة ما بعد الاستقلال.

بهذا نسأل: ما هو مكان العمل السياسي في منهج جماعة الإخوان المسلمين؟!

ونرى هنا أن نشاط الجماعة في المرحلة الأولى -أي مرحلة الإمام الشهيد- كان نشاطًا دعويًّا في الأساس؛ حيث دَعَت عامةَ المسلمين للفهم الشامل للإسلام، وكان دورها السياسي هنا متمثلاً في تحريك جماهير الناس؛ وهو ما أدَّى في النهاية للصدام مع الاستعمار والحكومة، فالجماعة شكَّلَت قوةً اجتماعيةً سياسيةً ذات أثر على مجمل الأوضاع.

فإذا قارنَّا ما حدث في المرحلة الأولى بما حدث في المرحلة الثالثة -وهي مرحلة النشاط السياسي العام منذ ثمانينيات القرن العشرين- سنجد أن الجماعة مارست العمل العام والعمل السياسي لتنشر فكرها بين الناس؛ وهو ما أدى في النهاية إلى الصدام مع النظام الحاكم، الذي وَجَد أن الجماعة تمثل منافسًا سياسيًّا قويًّا.

وهنا نؤكد أن الجماعة تنتهج التغيير كهدفٍ لها؛ ولهذا سيظل أثرها السياسي قويًّا، وسيكون عليها النضال، وعليها أن تتوقع الصدام مع النظم الحاكمة؛ فهذا الأمر لا يرتبط بنوع النشاط قدر ارتباطه بالهدف، وفي كل الأحوال سنجد أن مختلف الأنشطة التي تقوم بها الجماعة ترتبط بتحقيق الهدف الذي قامت عليه الجماعة، فالجماعة لم تكن في يوم من الأيام مجردَ جماعةٍ وعظيةٍ تنادي بفكرة، ولكنها كانت دائمًا تطبِّق هذه الفكرة على نفسها أولاً، ثم تنادي الناس لتطبيقها في حياتهم، ثم تنادي الحاكم لتطبيقها في النظام السياسي العام، بما في ذلك الدستور والقوانين وغيرها.

وكل هذه الجوانب مُورست من قبل الجماعة بما في ذلك الضغط على الحكام من أجل إحداث الإصلاح، وهنا يأتي دور العمل السياسي؛ فالهدف منه هو إحداث التغيير في المجال السياسي، أي تطبيق أهداف الجماعة وغاياتها العليا في المجال السياسي؛ وحتى يتحقق هذا يمكن للجماعة مثلاً أن تؤيد رئيسًا يتبنَّى فكرها، أو تؤيد حزبًا تتفق معه في الأهداف؛ وذلك لأنَّ الجماعة ليست حزبًا سياسيًّا بالمعنى الضيِّق؛ ولهذا فهي يمكن أن تساند الحكم دون أن تحكم بنفسها.

المناخ العام وتأثيراته

والمتغير الجديد الذي طرأ على عمل الجماعة تمثَّل في رغبة متدرِّجة للعمل العام، تواكبت هذه الرغبة مع حقيقة سياسية مهمة، فمعظم التيارات السياسية النشطة تمثل رؤى سياسيةً مستمَدةً من التجربة الغربية؛ أي أنها تمثل تياراتٍ نخبويةً تحاول إنشاء نظام سياسي على النموذج الغربي، وهو ما تحاول الجماعة منعه؛ لأنها ترى أهمية تأسيس النظام السياسي على المرجعية الحضارية والدينية للأمة، يضاف لهذا موقف الأنظمة الحاكمة التي اتضح أنها غير راغبة في تبني أية مشاريع للإصلاح، كما تأكد تحالفُها مع الدول الغربية.

في هذا المناخ السياسي لم يكن أمام الجماعة إلا الدعوة لفكرها، وترجمة هذا الفكر إلى مشروع للتغيير السياسي، وترجمته أيضًا إلى القواعد العامة لأسس النظام السياسي المنشود؛ وبهذا نفسر العمل السياسي للجماعة بأنه أصبح -بسبب الظروف المحيطة- ضرورةً؛ حتى يمكن للجماعة تحقيق برنامجها الإصلاحي للتغيير. والجديد في العمل السياسي أن الجماعة لا تدعو فقط لفكرتها بل تحاول تنفيذها كفصيلٍ سياسي، ويصبح حجم التركيز المناسب في مجال النشاط السياسي هو بقدر ضرورته كوسيلة تتكامل مع الوسائل الأخرى لتحقيق غايات الجماعة.

شارك في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:

اقرأ أيضا:


* نقلا عن موقع (إخوان أون لاين) بتصرف يسير.

** مفكر وباحث اجتماعي.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع