إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

"التدين الجديد" .. مناورة حضارية

د. صلاح عبد المتعال**- 08/01/2006

التدين الجديد .. الشباب دعاته وجمهوره

نستطيع أن نعرف "التدين" بأنه نمط سلوكي وأسلوب حياة، بغرض التمسك والالتزام بأفكار المعتقد الديني وتعاليمه تجاه الخالق والمجتمع؛ إذ يتميز بالإرادة لتعديل السلوك استجابة لمضمون العقيدة الدينية. وينطبق ذلك على معظم الأديان والمعتقدات منذ استجاب الإنسان عبر التاريخ لنداء الفطرة الدينية.

ويمكن أن يُنعَت "التدين الجديد" بأنه عملية اجتماعية يؤدي انتشارها وعموميتها إلى اتخاذ شكل الظاهرة بشروط نشأتها وتطورها، فضلا عن العمومية، مثل القهر والإلزام والتأثير المتبادل مع الظواهر الاجتماعية الأخرى: السياسية، والاقتصادية، والتربوية، والأسرية، والمناخ الثقافي السائد.

وهي مثل غيرها من العمليات والظواهر الأخرى، تسري عليها سنن وقوانين التغير الاجتماعي، وتتأثر بالأبعاد المكانية والزمنية والثقافية، وحركة المجتمع في تقدمه أو تخلفه.

وتخضع عملية التفسير للتدين الجديد أو "المستحدث" إلى نفس القواعد المنهجية في عملية الاستقصاء والبحث بمستوياته المختلفة، بدءا من الأسلوب الانطباعي Common sense methodology. إلى المنهج التجريبي المباشر أو غير المباشر، أي المنهج المقارن، أو التاريخي التوثيقي. كما تخضع أيضا عملية تفسير ظاهرة التدين المستحدث إلى مبدأ التعدد في التفسير، بسبب تعدد الخلفيات الفكرية والأيديولوجية للمفسرين.

لذلك اختلفت التفسيرات من قبل المفكرين اللبراليين والاشتراكيين أو اليساريين، والإسلاميين بمختلف أطيافهم المذهبية.

نظرة على التاريخ

وقد ارتبط ظهور "التدين المستحدث" وتطوره أو "المتدينين الجدد" وكذلك الدعاة، بالمرحلة التاريخية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، خاصة العربية منها، وذلك من حيث إنهم جزء لا يتجزأ من مراحل الدعوة الإسلامية، منذ سقوط الخلافة العثمانية والفترة السابقة لها المهيئة لذلك السقوط، حيث حاول الدعاة استنهاض الأمة بعد بياتها الحضاري الذي تسبب في تخلفها، ثم استقطب نحوها الغزاة والمستعمرين.

فبعد بزوغ الحركة الوهابية التي أُجهضَت عسكريا ولكنها استمرت ثقافيا، ظهر دعاة الإصلاح مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، ثم حسن البنا الذي يُعتبر من الدعاة الجدد في زمنه، وتمحورت دعوته بإعلاء شأن فريضة الجهاد التي جمدتها دعوى فصل الدين عن السياسة، التي تبناها الفكر الغربي المسيحي، ومن تبعه من رواد الفكر العربي المعاصر، خاصة في مصر والشام.

لقد كانت تلك انعطافة تاريخية للتيار الإسلامي الجديد الذي دفع به حسن البنا وجماعته، مما أثر بشدة في الأحداث التاريخية التي صاحبت حركة "الإخوان المسلمين" التي نزلت بها نوازل المحن والاضطهاد من قبل عملاء المستعمر الغربي وأضرابهم من الحكام العلمانيين.

وأفرزت هذه النوازل بالحركة الإسلامية الأم العديد من "الجماعات" الإسلامية التي أعلنت رفضها وتمردها على الأوضاع السياسية والاجتماعية، وطال تمردها الحركة الأم ذاتها لاختلاف هذه الجماعات معها حول منهج التغيير، حيث رأى هؤلاء أن أمر التحرر من قبضة الحكام المُكَفرين لا يحتمله الزمن الذي يجب اختصاره بمختلف أساليب القوة التي ألبت عليهم الأهل والأصدقاء، فضلا عن الحكام الذين اتخذوا من إرهاب هذه الجماعات غير المشروع مبررا لفرض الطوق والحصار على رغبة شعوبهم نحو التطور والتقدم، أو على الأقل تجاوز التخلف.

ثم تظهر بالضرورة من بين ثنايا المناخ السياسي للاستبداد - حتى لو اتشح بثوب الديمقراطية المزعومة - طلائع من الدعاة الجدد، فضلوا الابتعاد عن الصدام السياسي وتغيير لغة وأسلوب الخطاب الديني بشكل يتوافق مع مهادنة الدولة والبعد عن الصدام معها، كذلك هجر الأسلوب التقليدي في الوعظ والإرشاد وانتقاء محاور في العقيدة والسيرة النبوية التي تدور حول أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل البيت، مما كان يدغدغ مشاعر المحبة والذوبان في محبة الرسول واستنبات دوافع الالتزام بسنته وتعاليم القرآن الكريم.

نوعية الخطاب وتأثيراته

كان يغلب على الخطاب الديني لهؤلاء الدعاة الجدد السمت الوجداني أكثر من مقارعة الحجج الفكرية للأفكار العلمانية المضادة، مما جعل الانتعاش القلبي للمستمعين والمشاهدين يحلق بهم في آفاق الجمال والمتعة القلبية التي من شأنها أن تنسيهم هموم الدنيا وأعباء الحياة، وقد تُشكل لهم طاقة وقوة دافعة لتعديل ضروب سلوكهم وتصرفاتهم غير الملتزمة إلى أخرى ملتزمة، كان أبرزها التزام الفتيات بالحجاب وإقبال الشباب على إطلاق اللحى، ثم حرص البعض على صلاة الجماعة وصلوات القيام في رمضان وختم القرآن في العشر الأواخر منه.

وقد أخذت مساحة العبادات حيزا أكبر مما شغلته مساحة الالتزام الدقيق في المعاملات والتصرفات التحررية في مظاهر المناسبات الاجتماعية الوافدة من ثقافة الغرب، فلا مانع من الابتهاج بالرقص الجماعي في مناسبة زفاف أو عيد ميلاد وأمور أخرى مسكوت عنها في اجتهادات الفقه المعاصر.

الأمر الآخر هو الجمهور المخاطب الذي تنوع في باكورة نشاط الدعاة الجدد بين أبناء الشرائح العليا من الطبقة المتوسطة وبين بعض أبناء النخب من الطبقة الأعلى، ثُم اتسعت الدائرة بعد الانتشار الإعلامي لبعض الدعاة الجدد الموهوبين لتشمل الكثير من شباب طبقة البسطاء من الناس الذين تمكنوا من مشاهدة الفضائيات، خاصة بعد انتشار استخدام الوصلات السلكية في القرى والأحياء الشعبية.

قد يكون انتشار تأثير الدعاة الجدد بين أبناء الطبقة الوسطى من وسائل تدعيم بنية هذه الطبقة، ومحاولة غير مقصودة - أو مقصودة - لرد الاعتبار لهذه الطبقة بعد أن أخذت في التآكل وغياب دورها في النهضة الفكرية والسياسية والاقتصادية، مما أدى إلى حدوث فراغ اجتماعي بين طبقة الأثرياء وطبقة البسطاء في الوظائف الاجتماعية فضلا عن البنية الاجتماعية.

وبالرغم من الذكاء السياسي الذي اتسمت بها ظاهرة المتدينين والدعاة الجدد، وعدم احتكاكها بالسلطة والميل إلى مهادنتها، فإن واقعها يحمل مضمونا سياسيا مستترا ستظهر آثاره في الزمن الآجل، مما يقلق النظم السياسية خاصة في مصر ويدفعهم للإعلان عن هواجسهم المريضة التي توشي بعدم ثقتهم بأنفسهم، واعتبارهم التدين المستحدث - رغم اعتداله - هو محاولة لاختراق العقول النيرة من الشباب المتعلم وصبغها بالسمت الإسلامي الذي سيُظهر هويته بالضرورة بعد أن يتبوأ هؤلاء الشباب مراكز اجتماعية مرموقة من شأنها أن تؤثر في صنع القرار الذي قد يكون ضد التيار المحافظ الذي يحرص النظام الحاكم على جريانه للحفاظ على مصالح قممه وحراسه.

مناورة حضارية!

إن التدين الجديد منهج مستحدث للتغيير الاجتماعي، ومناورة حضارية للوصول إلى أسلمة المجتمع، وقد يمثل خلفية مساندة للحركات الإسلامية المعاصرة دون الظهور في الصورة أو محاسبته سياسيا، مثل الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية التي تضع المشاركة السياسية في الحسبان.

وهذا المنهج الدعوي يضع نصب عينيه دعوة جميع أطراف البنية الطبقية، والصعود إلى قمة الهرم السياسي، من خلال شبابه، والنزول إلى قاع القاعدة الهرمية بين بسطاء الناس، ومرورا بطبيعة الحال بأبناء الطبقة الوسطى، وهذا المنهج سينعش بالضرورة اتجاهات الشباب نحو التغيير.

وبالرغم من عدم التنسيق بين مجهودات هؤلاء الدعاة، فإن أغلبهم يسير على مسارات متوازية مع حركة "الإخوان المسلمين" في مصر ونظيراتها في العالم العربي، رغم اختلاف البعض مع توجهاتها أو منهجها في العمل.

التطور واستشراف المآلات

وإذا رصدنا عملية وظاهرة التدين الجديد، نجد أنها تطورت عند عمرو خالد من السرد القصصي المشوق لسير الأنبياء وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته وأهل بيته وصحابته، إلى الاقتراب من فرص المشاركة في عملية التنمية وصناعة الحياة، وهذا هو الهدف الحضاري المشترك بين المنهج الذي أصبح يدعو إليه وبين حركة الاستنارة الحديثة التي ينادي بها منهج الحركة الإسلامية الأم لتحقيق الغاية من رسالة الإنسان لاستخلافه على عمران العالم والتقرب إلى الله تعالى وهداية الناس لعبادته.

ولكن التدين الجديد الذي أخذ ينتشر على رقعة اجتماعية واسعة يمكن أن يتعثر إذا عمل بمفرده ولم يأخذ في اعتباره جهود العمل الإسلامي المستنير في شتى جوانب الحياة. وقد ينحرف عن طريقه إذا تحول عند بعض الدعاة الآخرين إلى مجرد مشروعات تجارية أو استثمارية بسبب ثورة الاتصال ووسائلها الإلكترونية المتاحة.

اقرأ أيضا:


**خبير اجتماعي مصري، ومستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع