إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

هل يعتزل الداعية؟

رمضان فوزي بديني- 19/12/2005

من المتعارف عليه أن الرياضي يعتزل اللعب عند وصوله سنا معينة، يتوقف عندها أداؤه وعطاؤه؛ فيكون من الضرورة توديع الرياضة واعتزال اللعب. وكذلك هناك من أهل الفن من يعتزل، إما لأسباب شرعية أو لغيرها.

ولكن إذا كان من الضروري في وقت ما اعتزال اللاعبين، وإذا كان من المقبول اعتزال الفنان؛ فهل يقبل اعتزال الداعية؟ وما موقف الإسلام من اعتزال الداعية أو المسلم عامة للناس؟.

مواقف اعتزالية في الإسلام

لقد قص القرآن علينا قصص بعض الأنبياء والدعاة الذين لجئوا إلى الخلوة، واستعصموا بها عند جفاء قومهم إياهم وخلافهم معهم في العقيدة؛ من ذلك قصة نبي الله إبراهيم ولجوؤه إلى الاعتزال ومواجهته قومه قائلا: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبي شَقِيا}، وسيدنا موسى هدد قومه باعتزالهم إن لم يؤمنوا به ويتبعوه قائلا: {وَإِني عُذْتُ بِرَبي وَرَبكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ}، وأهل الكهف حينما أرادوا الحفاظ على دينهم والفرار بعقيدتهم من فتنة الكفر وتجبر الملك الظالم أخبر الله عنهم: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبكُم من رحْمَتِهِ وَيُهَيئْ لَكُم منْ أَمْرِكُم مرْفَقا}.

ونبي الله محمد صلى الله عليه وسلم اعتزل قريشا لما أمعنوا في إيذائه، فأمر أصحابه أولا بالهجرة إلى الحبشة، وبعد أن اشتد الإيذاء ويئس منهم هاجر إلى يثرب وترك مكة، حتى تلاحق به أصحابه بعد ذلك.

وقد وردت بعض الأحاديث النبوية التي تحث على الخلوة واعتزال الناس عند فسادهم، نذكر منها ما رواه أبو داود بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص‏ أنه ‏قال: "‏بينما نحن حول رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏إذ ذكر ‏الفتنة،‏ ‏فقال:‏ ‏"إذا رأيتم الناس قد ‏مَرَجت ‏عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا" وشبك بين أصابعه، قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: "الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة".

وتذكر كتب التاريخ أن الإمام السيوطي اعتزل الإفتاء والتدريس والحياة العامة، ولزم بيته وهو في الأربعين من عمره، إثر خصومات وحملات شرسة مع عدد من علماء عصره، منهم الشيخ أحمد بن محمد القسطلاني، والشيخ الشمس الجوجري، وبلغت خصومته مداها مع شمس الدين السخاوي الذي اتهم السيوطي بسرقة بعض مؤلفاته، واغتصاب الكتب القديمة التي لا عهد للناس بها ونسبتها إلى نفسه!!.

وقفات لا بد منها

أولا: الاعتزال في حياة الأنبياء لم يكن هروبا وانهزامية، ولكنه جاء بعد استنفاد كل السبل المتاحة في الدعوة، وبعد اليأس من الوصول لأية نتيجة مع المدعوين، مع مراعاة أن المعركة كانت بين عقيدتين متضادين؛ بين إيمان وكفر.

ثانيا: ربما يكون الاعتزال فرارا بالعقيدة وحفاظا عليها، إذا كان المؤمن في حالة استضعاف وأيقن هلاكه لو استمر في مخالطه الناس، وهذا ما حدث مع أصحاب الكهف الذين لجئوا إلى الكهف لينشر لهم ربهم من رحمته ويهيئ لهم من أمرهم مرفقا.

ثالثا: ربما يكون الاعتزال انتقالا بالدين والدعوة من تربة فاسدة غير قابلة للاستنبات إلى تربة أخرى وبيئة صالحة لبذر الدين فيها حتى يقوى ويشتد عوده، وبعدها يسهل تقبل البيئة الأولى له، وهذا ما حدث مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين عادوا إلى مكة بعد هجرتهم منها، ولكنهم كانوا أقوى عودا وأصلب جذعا؛ وهو ما جعل أهل مكة يتقبلون الدعوة التي حاربوها من قبل.

رابعا: يكون الاعتزال مندوبا عند اختلاط الأمر اختلاطا يصعب معه تمييز الحق من الباطل، واشتداد الفتن، ومروج العهود، وخفة الأمانة، كما أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور آنفا.

وقد علق على هذا الحديث الشيخ الخطابي صاحب كتاب "العزلة"، فقال: "قد نصح صلى الله عليه وسلم كثيرا، ولم يأل شفقة ونصحا، وكان جديرا أن يفعل ذلك، وبه وصفه الله تعالى في كتابه، قال سبحانه وتعالى {عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِين رَءوفٌ رَحيم}؛ وذلك أن قسم له كل واحد من أمر دينه ودنياه إلى قسمين اثنين:

فقال في الأول - وهو قسم أمر الدين – "خذ ما تعرف"؛ فكان هذا إشارة إلى معهود تعارفوه فيما بينهم، وكان الذي تعارفوه معهودا من حقوق الأئمة، ومتعلقا بهم من أمور الدين: إقامة الصلاة خلفهم، وأداء الزكاة إليهم، وجهاد الكفار معهم، إلى ما يشبه هذا من الأمور التي يليها الأمراء، فأمره بطاعتهم فيها، ثم قال: "ودع ما تنكر" وهو كل ما حدث بعده من الفتن، ونشب بين بعض أصحابه من الحروب والتنازع في الملك، يقول: إذا دعوك إلى شيء منها فدعهم واعتزلهم ولا تكن معهم.

ثم قسم صلى الله عليه وسلم له القسمة الثانية التي هي قسم أمر دنياه، فقال صلى الله عليه وسلم: "عليك بأمر الخاصة" وهو كل ما يخصه ويعنيه ويخص كل إنسان في ذاته من إعالة أهله، وسياسة ذويه، والقيام لهم، والسعي في مصالحهم، ونهاه عن التعرض لأمر العامة والتعاطي لسياستهم والترؤس عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم "دع عنك أمر العامة".

خامسا: على الداعية أن يوضح موقفه للناس، ويكون هناك نوع من الشفافية بينه وبين الجمهور؛ سدا للذرائع ودفعا للشبهات؛ فالإمام السيوطي لم يقف مكتوف الأيدي في الحملات التي استهدفته؛ بل دافع عن نفسه بحماسة بالغة، ويروَى أنه كان من عادته أن يدعم موقفه وقراره بوثيقة ذات طابع أدبي؛ فألف رسالة في الرد على السخاوي، اسمها "مقامة الكاوي في الرد على السخاوي"، وألف بمناسبة اعتزاله رسالة أسماها "المقامة اللؤلؤية"، ورسالة "التنفيس في الاعتذار عن ترك الإفتاء والتدريس".

بين العزلة والمخالطة

عقد الإمام أبو حامد الغزالي بابا في "إحياء علوم الدين" عن العزلة والمخالطة، ذكر فيه اختلاف الناس حولهما، وأيتهما أولى من الأخرى؟ وذكر ممن اختار العزلة من الأئمة الكرام: سفيان الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي، والفضيل، وبشر الحافي. وممن ذهبوا إلى استحباب المخالطة: سعيد بن المسيب، وشريح، والشعبي، وابن المبارك.

ولكل طائفة فيما ذهبت إليه حججها وأدلتها.

وقد تحدث - رحمه الله - عن فوائد العزلة، وذكر منها: الفراغ للعبادة، والاستئناس بمناجاة الله سبحانه، والتخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض لها الإنسان غالبا بالمخالطة، والخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين عن الخوض فيها، والخلاص من شر الناس، وأن ينقطع طمع الناس عنك وطمعك عنهم،‏ والخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى، ومقاساة أخلاقهم.

ثم ذكر - رحمه الله - بعض فوائد مخالطة الناس وأضرار العزلة؛ حيث قال: "اعلم:‏ أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير، ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة"، وذكر من هذه الفوائد: التعلم والتعليم، والنفع والانتفاع، والتأديب والتأدب، والاستئناس والإيناس، نيل الثواب وإنالته‏، التواضع، ثم علق على الأخير قائلا: "ولا يقدر على ذلك في الوحدة؛ فقد يكون الكبر سببا في اختياره العزلة، ويمنعه في المحافل التقصير في إكرامه وتقديمه، وربما ترفع عن مخالطتهم لارتفاع محله عند نفسه، أو نحو ذلك".‏

وبالمقارنة بين فوائد العزلة وفوائد المخالطة نلاحظ أن ثمرة فوائدها تعود على الفرد فقط؛ فالتفرغ للعبادة والمناجاة والبعد عن المعاصي وغير ذلك يعود الفرد ولا يتعداه إلى ما حوله، وأما فوائد المخالطة فيجنيها الفرد والمجتمع معا؛ فالعلم والتعلم، والنفع والانتفاع، والتأديب والتأدب كلها تتعدى حدود الفرد إلى المجتمع كله، والأصل أن المسلم الذي تعرف على ربه، عليه واجب التبليغ والدعوة والتأثير في المجتمع، حتى وإن كان ذلك على حساب مصلحته الخاصة؛ فالمصلحة العامة مقدمة على الخاصة.

وحتى الذين ذهبوا إلى أهمية العزلة ورجحوا فوائدها نجدهم يضبطونها بضوابط ويحصرونها في ظروف خاصة، كما يقول الخطابي صاحب كتاب "العزلة" : "ولسنا نريد - رحمك الله - بهذه العُزلة التي نختارها ‏مفارقة الناس في الجماعات والجُمعات، وترك حقوقهم في العبادات، ‏وإفشاء السلام، ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق ‏الواجبة لهم، ووضائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم؛ فإنها مستثناة ‏بشرائطها، جارية على سُبُلها، ما لم يَحُلْ دونها حائل شُغُلٍ، ولا يمنع عنها ‏مانع عُذر.

إنما نريد للعزلة ترك فُضول الصحبة، ونَبذ الزيادة منها، ‏وحَط العلاوة التي لا حاجة بك إليها. فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم، على ‏ما يدعو إليه شَعَفُ النفوس، وإِلْفُ العادات، وترك الاقتصاد فيها، ‏والاقتصار الذي تدعوه الحاجة إليه، كان جديرا ألا يحمَدَ غِبهُ، وأن ‏يستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان ‏جوعه، ويأخُذ منه فوق قدْر حاجته؛ فإن ذلك لا يُلْبِثُه أن يقع في أمراض ‏مُدْنِفَةٍ، وأسقام مُتْلِفَةِ...".

من جمهور "إسلام أون لاين" إلى القرني

الشيخ عائض القرني

بعدما تردد من أنباء عن اعتزال الشيخ عائض القرني الدعوة والحياة العامة أجرت شبكة "إسلام أون لاين.نت" استطلاعا، كان نص سؤاله: "هل توافق الشيخ عائض القرني في قرار اعتزاله الدعوة؟"، واستغرق الاستطلاع الفترة من 11-12-2005 حتى 13-12-2005، وكانت نسبة المشاركة فيه مرتفعة؛ حيث بلغ عدد المشاركين فيه 10600 مشارك في هذه الفترة الوجيزة، وجاءت نسبة الذين صوتوا برفضهم لاعتزال الشيخ 89.31%، والذين صوتوا بالموافقة 10.69%.

وبالنظر للنسبة السابقة نلاحظ أن هناك نسبة عريضة من أبناء الأمة يريدون استمرار الشيخ وبقاءه، مع مراعاة أن معظم مستخدمي الإنترنت هم من طبقة الشباب، وهذا يقتضي من الشيخ إعادة النظر في قراره؛ لأن مصلحة الأمة مقدمة على المصلحة الخاصة؛ فمصلحة الأمة تحتاج في هذا الزمان الذي استشرى فيه الفساد وتوغل.. إلى كل جهد مخلص يأخذ بيد الناس إلى طريق الله رب العالمين.

وجمهور الشيخ العريض ومريدوه الكُثر سيتأثرون أيما تأثر بقراره هذا؛ ففضلا عن حرمانهم من جهوده سيصاب البعض منهم باليأس والهزيمة النفسية، وربما يتربى البعض منهم على الهروب والانهزامية تجاه أية أزمة يمرون بها.

يضاف إلى ذلك أن الدعاة - بما فيهم فضيلة الشيخ - يدركون طبيعة طريق الدعوة، وما حُفت به من مكاره وصعوبات، وخير دليل على ذلك ما واجه الأنبياء والصحابة والدعاة في كل الأزمان، ولكنهم يثقون أنهم أجراء عند الله وأن أجرهم لا يضيع، وأنه على قدر الصبر على المشقة يكون الأجر.

وفي النهاية نسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة من جهود أبنائها المخلصين ما تسترد بها عزتها وهيبتها، وأن يثبت الدعاة إليه على طريق الحق واليقين.

اقرأ أيضا:

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع