على
أية حال أنا أحد مَن تحفظوا على شعار
"الإسلام هو الحل"، وكنت أرى أن
الشعار الأنسب هو "صلاح الدنيا
بالدين" المسلم بإسلامه، والقبطي
بمسيحيته. فقط لنتفق على أن الدين هو
النبع الفياض بالأخلاق السديدة
والقيم الرشيدة والمجتمع الصالح
بالإنسان الصالح، ويتبع كل ذلك الحكم
الصالح.
وفى
كل الأحوال فالمسألة ليست بالشعارات
وحدها، إنما بتوفر الرجال الذين
يؤمنون بالله ويخافونه، ويؤمنون
بالناس ولا يخافونهم ولا يتملقونهم،
ويبذلون من أنفسهم أكثر ما يبذلون لها.
على
أنه من المهم بمكان أن تتم مقاربة هذه
النقطة الحساسة من داخل الإخوان
أنفسهم أولاً، وذلك بأن تصبح جماعة
الإخوان أقرب إلى كونها روحا عامة
وضميرا يقظا وعقلا رشيدا في وعي
المجتمع كله، وتكتفي بأن يتخرج فيها
رجالات عظام يمارسون العمل السياسي
من خلال حزب مدني يضم ليبراليين
وأقباطا ويساريين وكل المصريين الذين
يقدِّرون دور الدين في بناء الأمم..
شيء أشبه ما يكون بالجمعية الفابية(1)
وحزب العمال البريطاني، وتسير الأمور
هكذا، وتكون الجماعة -كما أراد لها
مؤسسها وكما يريد لها كل من يحبونها-
روحا عامة تسري في المجتمع.
ويقوم
رجالها وعلماؤها والمنتمون إليها
بتأليف رجال كما كان يصف الأستاذ
البنا دوره الذي اختاره لنفسه بديلاً
عن تأليف الكتب والمراجع.
وبذا
تكون الحركة نحو المجتمع في خط
والحركة نحو السياسة في خط، وأرجو أن
أكون أوضحت وأبنت هذه النقطة إيضاحا
ينتفي معه كل لبس.
في
أحد أيام يناير الماضي دعاني د. عبد
المنعم أبو الفتوح لحضور مسرحية "الملك
لير"، وكان المسرح القومي يعرضها
وقتها، وذهبنا معا، وفي الاستراحة
اقترح د.عبد المنعم أن نذهب إلى حجرة
الفنان يحيى الفخراني نسلم عليه
ونهنئه على أدائه، وكم كانت دهشة
الفنان يحيى الفخراني وفرحته بهذه
الزيارة، وهو غير متصور أن قياديا
إخوانيا بهذا الحجم يحضر عرضا مسرحيا.
وأنا
أتفق مع الفنان يحيى الفخراني في
دهشته، فالفجوة التي نشأت بين
الإخوان وبين قطاع عريض من الفنانين
والمثقفين بها الكثير من الأكاذيب
والافتراءات على موقف الإخوان من
مظاهر تطور الحضارة الإنسانية.
وأحسب
بلا غرور ولا تواضع أنني أحد أعلم
الناس بفكر مدرسة الإخوان التي دشنها
الأفغاني والكواكبي وعبده ورضا
وحملها حسن البنا إلى الدنيا والناس
باقتدار وحكمة، وأعاد شق طريق كاد
ينطمر، كما يقول المستشار البشري.
لذلك
أجدني شديد اللوم على الإخوان كونهم
قصروا بشدة في التواصل الصحيح مع
المثقفين والفنانين، وقد روى لي أحد
ثقات الإخوان الكبار أن الأستاذ
البنا ذهب يوما إلى الفنان أنور وجدي -وهو
يصور أحد الأفلام حين تصادف وجودهما
في مكان واحد- ليسلم عليه.
وأتصور
أن المشكلة تكمن في غياب عدد كبير من
القيادات الحالية للإخوان في
المعتقلات لفترة طويلة أثرت كثيرا
على الوصل الكامل الصحيح بين فكر
الإخوان وحال المجتمع. وغاب عنهم
التطور الطبيعي في الحياة الطبيعية،
وما يصاحبه من نضج واكتمال.
وقد
كان د. القرضاوي صائبا تماما حين دعا
الإخوان إلى انتخاب أحد جيل
السبعينيات مرشدا لكونهم أقدر على
فهم عصرهم وجيلهم (ولا أدري حقيقة
لماذا لم يتم العمل بنصيحة رجل بقيمة
وعلم وتاريخ القرضاوي!!). فالحياة
تتغير وتتجدد، بل إن الكون كله خاضع
لعملية تغيير دائم (يزيد في الخلق ما
يشاء إن الله على كل شيء قدير)، لذلك
فمن الطبيعي أن يواكب الناس هذا
التجدد وهذا التغيير.
والتجديد
لا يتطرق إلى صلب المضمون، ولكنه
تجديد في وسائل الحركة بهذا المضمون
ووسائل التعبير عن هذا المضمون، وإذا
كانت العبادات لا اجتهاد فيها مع
النص، فإن في المعاملات كل شيء مباح
إلا ما حُرِّم بنص.
أتصور
أن الدعوة إلى مؤتمر وطني لبحث وضع
جماعة الإخوان
في الوطن ستكون أمرا مهما جدا. على أن
يتم في ختامه الاتفاق النهائي على وضع
إجابات نهائية مكتوبة عن أسئلة أصبح
تكرارها ممجوجا إلى درجة الغثيان،
مثل: وضع المرأة، وفكرة الديمقراطية،
وضمانات تبادل السلطة، واستقرار
مفهوم المواطنة والدولة الوطنية،
والأقباط وكيفية دمجهم تماما في
المجتمع كأصحاب وطن وليسوا شركاء فيه.
ويحضر
هذا المؤتمر القيادات الحركية
والفكرية الفاعلة والتي تحظى برصيد
واحترام لدى الإخوان ولدى المجتمع.
ويتم الحسم القاطع والنهائي؛ لأنه
موضوع ما زال به بعض التشكك. ويُغلَق
هذا الملف تماما، ويُصرَف الجهد إلى
مشاكل الوطن الإستراتيجية، من
الإصلاح السياسي إلى التنمية إلى
التعليم إلى الصحة إلى الأمن القومي
والإقليمي.
أرجو
أن تكون كلماتي أسمعت كل ذي أذن،
وأوضحت لكل ذي رشد وأبانت لكل ذي ضمير.
فالسنوات القادمة خطيرة ويجب
الانصراف الكامل خلالها إلى
الأولويات القصوى لحفظ الوطن وصونه.