|
ما
بين مؤيد ومتحفظ وقلق، جاءت ردود فعل
جمهور "إسلام أون لاين.نت" تجاه
ممارسة الدعاة للعمل السياسي؛ فقد
نشر الموقع مقالا بعنوان "لهذه
الأسباب.. لا سياسة في الدعوة!"،
ذكر فيه كاتبه أسبابا عشرة لرفضه
ممارسة الدعاة للعمل السياسي، وقد تم
طرح الموضوع للمناقشة عبر ساحة حوار
الموقع؛ لاستطلاع آراء الزوار، فجاءت
في معظمها مؤيدة لاشتراك الدعاة في
الحياة السياسية؛ بل إن بعضهم يرى
ضرورة ذلك لمجابهة الفساد الذي
استشرى في المجتمع وصبغ الحياة
السياسية بصورة عامة.
وفي
المقابل أبدى البعض تخوفه من ذلك؛
خوفا من انصهار الداعية في العمل
السياسي، وانشغاله عن جمهور دعوته،
وبعضهم يرى أن الدعوة عمل صعب وشاق،
ويحتاج لجهد ووقت كبيرين، والعمل
السياسي أيضا شاق ويحتاج لوقت وجهد
كبيرين، وليس بإمكان أحد أن يمارس
العملين معا.
الخوف
من السياسة
من
الأسباب التي ذكرها كاتب المقال
لرفضه ممارسة الداعية السياسة: "تخوف
الناس من السياسة وابتعادهم عنها"،
وقد رد عليه "عماد أبو بشير" الذي
يرى أنه يجب ألا نقر الناس على تخوفهم
من السياسة، بل لا بد من كسر هذا
الحاجز عن طريق إشراك بعض القيادات
الإسلامية في السياسة، ويرى أن فصل
العمل الدعوي عن السياسة أولى في
بدايته.
وأما
"أبو ندى" فيرد على هذه الحجة
نفسها بعدم موافقته لما ذهب إليه كاتب
المقال من نفور الناس من السياسة.
ولكن بافتراض أن هذا إن حدث بالفعل -حسب
أبو ندى- فقد حدث مثله مع الرسول صلى
الله عليه وسلم الذي كانت مكة كلها
تحبه قبل بعثته، ولكن بعد أن صدح
بالحق انقلب عليه الجميع حتى أقرب
الناس إليه، ولكنه في النهاية كسب
القلوب كلها، ويرى أن هذا طبيعة الحق
المر؛ يقبله من يقبله ويبغضه من يبغضه.
ثم علق قائلا: "يكفي أن يرى الجمهور
شيخهم يجهر بكلمة الحق ليقدروه
ويعظموه. أما المنزوي البعيد عن تيار
الحياة (وهو المصطلح الذي أحب أن
أطلقه على ما يسمونه السياسة) فهو
ساقط من عيون الناس لسكوته عن كلمة
الحق".
وأما
عن الإيجابية فهي على صور وأنواع -حسب
أبو بشير- والعمل السياسي أساسي فيه،
خاصة بعد أن تجذرت مفاهيم التضحية
والفداء في قلوب الكثير من الدعاة
وطلابهم، وبات الكثير يدرك أن
السياسة جزء من الإسلام وليست كله.
"الإسلامفوبيا"
والتشويه الإعلامي
وبالنسبة
للتشويه الإعلامي للعمل الإسلامي،
فيرى "أبو بشير" أنه باق ما بقي
الدعاة الصادقون الصالحون، وأن تغيير
النظرة لا يمكن إلا بالتأكيد على
قانونية العمل السياسي الإسلامي،
وانضباطه وحكمته من خلال الجماعات
الإسلامية الوسطية التي وصلت إلى
درجة من التأثير في المجتمعات
والأوساط العامة والدولية.
وعن
"الإسلامفوبيا" عند الحكام فيرى
أنها موجودة، ولا يمكن إزالتها من
عقولهم، وأرجع السبب في ذلك للدور
الغربي وللأهواء التي تتحكم بهم،
ويؤكد على أن الجماعات الإسلامية
حقيقة واقعية لا يلغي دورها اعتقالات
أو تهميش أو عدم اعتراف، ودلل على ذلك
بجماعة الإخوان المسلمين التي أثبتت
أنها واقع في المعادلة الاجتماعية
والدينية والسياسية المصرية
والعالمية من خلال مؤسستها وتنظيمها
وشموليتها.
ويرى
أن الكثير من الناس يفتقدون لنماذج
وقدوات سياسية تؤكد نجاح الإسلام
بإيجاد الكفاءات المختلفة، ويؤكد على
أن تأثير السياسي يفوق غيره في بعض
المواقف والمجالات. وأوضح أن
المشاركة في النقد البناء سياسيا هي
منهج السلف الصالح، واستشهد على ذلك
بابن تيمية والعز بن عبد السلام
وغيرهما من العلماء والدعاة الذين
برزوا في مواجهة السلاطين.
ومن
اللافت للنظر أن كاتب المقال المشار
إليه استشهد بموقف ابن تيمية والعز بن
عبد السلام استشهادا عكسيا بأنه لا
سياسة في الدعوة؛ إذ دلل بموقفهما هذا
على أن الداعية ناصح للحاكم، وليس
خصما سياسيا له.
ويؤكد
"أبو بشير" أن الداعية السياسي
صادق مع الله، صادق مع الناس؛ ولذا
فلن يرفضه الناس أبدا، ربما يسيء
بعضهم فهمه، ولكن بقرارة نفسه يعلم
أنه أكثر أمانة وشرفا وعفة وصلاحية من
غيره.
ويرى
أن القول بأن الداعية يشارك فقط
بالانتخاب وإبداء الرأي يعني أنه
ضعيف الفكر، ضعيف العزيمة، معدوم
الإيجابية، وهذا ما لا يليق بدعاتنا
الذين هم أمل الأمة وروّادها.
ولكنه
في الوقت نفسه يؤكد على أن الداعية
يمكنه أن يرفض بعض أدوار العمل
السياسي إذا رأى فيها تأثيرا سلبيا
على مكانته وصورته في المجتمع الذي
يعيش فيه.
داعية
سياسي أم سياسي داعية؟
وحول
ما جاء في حيثيات كاتب المقال من أن
الداعية يحوز إجماعا أكبر مما يحوزه
السياسي يؤكد "أبو يوسف محمد" ما
ذهب إليه الكاتب، ولكنه يؤكد قائلا
بأن "واجب إصلاح المجتمع، ورفض
الظلم، وإعادة الحقوق المغتصبة واجب
رئيس لكل مسلم، وأوجب لأهل الفكر
والعلم. وبهذا يجب -خصوصا الآن- نزول
الدعاة للوقوف في الصف الأول أمام
طواغيت وفراعنة الأمة الذين حذر
الرسول صلى الله عليه وسلم أمتنا
منهم، علينا إنزال الطغاة من عروشهم،
وواجب الدعاة أن يكون لهم قصب السبق
في هذا الفضل والجهاد".
وأما
"سمير عبد الحي" فقد استشهد بقول
المفكر اللبناني فرح أنطون حينما
سأله الإمام محمد عبده: "ماذا لو أن
رجلا متدينا وصل إلى قمة الهرم
السياسي، وعن طريق انتخابات حرة
نزيهة.. هل نحرم هذا الرجل من قطف ثمرة
ذلك؛ لأنه ينتمي إلى اعتقاد ديني،
يخترق مبدأ الدين لله والوطن للجميع".
فأجابه أنطون: "لا يجوز بحال من
الأحوال فعل ذلك؛ لأنه إن حدث فإنه لا
يسيء للرجل فحسب، وإنما يمثل فعلا
عابثا خطرا حيال النظام التشاركي (الديمقراطي)
الذي تواضع الناس عليه". ويتابع
أنطون معلنا: "في هذه الحال لا
يتعين على الرجل الذي وصل بجدارة إلى
سدة الحكم أن يتخلى عن معتقده الديني،
بقدر ما عليه أن يلتزم بقواعد ذلك
النظام وضوابطه العمومية؛ أي ألا يضع
ذاك في مقابل هذا وفي مواجهته".
وأما
"سها" فتفضل ألا تسيَّس الدعوة،
ولكن يفضل أن يكون الداعية سياسيا،
وذلك -برأيها- حتى يستطيع أن يفهم من
حوله أن ما يحدث إنما هو حرب على
الإسلام!!.
وبشيء
من التخصصية يريد "محمد أمين" أن
يحيا كل المسلمين للإسلام، ولكن كل في
مجاله؛ فهو يريد سياسيين متدينين
يمارسون السياسة على أسس إسلامية،
ولكنه يؤكد على أهمية أن يكونوا
محترفي سياسة لا هواة.
ويرى
"أبو أبرار" أنه لا يمكن انفصال
الدين عن السياسة؛ ذلك أن السياسة - في
وجهة نظره- هي دفتا الدين، وهي على حد
قوله: "الجزء الرئيس الذي يحمي
استمرار الدين، فإذا ما تم فصل
السياسة عن الدين فكأنك نزعت دفتي
كتاب، وجعلت صفحات محتويات هذا
الكتاب عرضة للتمزق لأقل العوارض
وطأة". ويؤكد أن الدين بمثابة الروح
والسياسة بمثابة الجسد، ولا انفصال
بينهما إذا أردنا الحياة الكريمة
التي ترضي رب العالمين.
وأما
"أبو ندى سليم" فقد هاجم كاتب
المقال، ووصف منطقه في أسبابه العشرة
التي ذكرها في حيثيات رفضه لممارسة
الداعية العمل السياسي بأنه منطق
مقلوب قد عفا عليه الزمن!! وبدأ في
تفنيد بعض الأسباب التي ساقها كاتب
المقال؛ فهو يرى أن فساد السياسة هو
أول سبب يهيب برجال الدعوة أن يخوضوا
الميدان لينقذوا الشعوب التائهة،
ويقول متسائلا: "ومَن غيرُ العلماء
يوجه هذا الحصان الشارد الذي يتحكم
بمصائر الناس ومقدراتهم ويقودهم إلى
حيث يعِنُّ له؟ أيكون الحل أن ينعزل
العلماء والمصلحون ويتركوا الميدان
لكل فاسد ومفسد؟ إن هذا والله لهو
العجز الذي عناه علي بن أبي طالب -رضي
الله عنه- حين قال: "قصم ظهري عجز
الأمين وجلد الفاجر"، والإسلام -على
حد تعبير أبو ندى- يخلو من الكهنوتية؛
فليس هناك رجال دين ورجال سياسة، ومن
حق كل إنسان أن ينصح لأمته، وأول من
ينصح هم العلماء.
وأما
عن قول كاتب المقال بأن "أعلام
الدعاة في معظم العصور الإسلامية
قدموا أنفسهم كناصحين للحكام وليسوا
خصوما لهم، وهو ما يعرف بمحاولة
الإصلاح من الداخل؛ أي من داخل أنظمة
الحكم نفسها".. فيرى "أبو ندى"
أن ضرب المثال بمن سبق ليس دقيقا؛ لأن
الأمراء في كافة عهود الدولة
الإسلامية كانوا يحكمون بالإسلام،
وإن صدرت منهم مخالفات عديدة. أما
تنحية الدين عن السياسة -بل عن الحياة
كلها- فلم يظهر إلا بعد سقوط الخلافة،
وظهور الأنظمة العلمانية؛ فالأمر
يختلف.
وينهي
كلامه محذرا كاتب المقال من مغبة قوله
هذا الذي قد يؤيد من حيث لا يدري كلام
العلمانيين الذين يريدون أن ينفردوا
بتسيير شئون الحياة بعد أن يحاصروا
الملتزمين في جدران مساجدهم.
جمهوره
أم البرلمان؟
ولكن
على الجانب الآخر يخامر البعض الخوف
من أن انشغال الداعية بالسياسة ربما
يؤدي إلى فقدانه جمهوره، وبالتالي
فقدانه وزنه على الساحة، وبذلك يكون
قد خسر وخسره جمهوره، كما يرى من أطلق
على نفسه "rawda17".
بل
إن "د.دعاء" حكت تجربة زميلها
الطبيب المشهور الذي كان معروفا
بأخلاقه الطيبة، وكان داعية ناجحا
بكل المعاني، وتصفه بأنه كان خطيبا
مفوها ترتج له منابر المساجد ويتدفق
إليه الشباب من كل حدب وصوب، وتغلق
الشوارع والمحلات المجاورة لمسجده،
والذي كانت دروسه المسجدية سببا في
هداية الكثيرين.
وفتح
هذا الطبيب عيادة بسيطة في أحد
الأحياء الفقيرة -حسب د.دعاء- وكان
الكشف فيها بجنيهين فقط للفقراء،
وكان حريصا عليها أكثر من حرصه على
عيادته في الحي الراقي في المدينة،
وتستطرد: "كان يساعد المحتاج،
ويتوسط لحل الخلافات العائلية.. أحبه
أهل المدينة من كبارها لصغارها".
ثم
تم ترشيح هذا الطبيب الداعية في
البرلمان، ووقف معه محبوه حتى فاز
بمقعد تحت قبة البرلمان.
وتصف
د.دعاء حال هذا الداعية بعد دخوله
البرلمان قائلة: "واختفى الداعية
الناجح عن آل مدينته.. يحتاج إليه
مرضاه فلا يجدونه.. يحتاج إليه أهله
فلا يجدونه.. أين الدكتور في صلوات
التراويح؟ أين خطبه؟ أين دروسه؟ أين...؟
أين...؟ أين هو؟ إنه هناك تحت قبة
البرلمان مشغول بدراسة القوانين
وتقديم الاستجوابات وطلبات الإحاطة.
نعم نجح كسياسي نجاحا باهرا.. ولكنه
مات كداعية مؤثر فُتحت له القلوب
والعقول".
ولكن
يرد عليها "سمير عبد الحي" بأن
الأمر ليس على إطلاقه، مستشهدا
بالدكتور هاشم الحسيني الطبيب
اللبناني الذي كان صاحب مستشفى
وعيادة، ودخل البرلمان ولكنه لم يترك
المستشفى ولا العيادة حتى توفاه الله.
بين
أحمال الدعوة وأثقال السياسة
وتأتي
تخوفات البعض من أن للدعوة أعباء
ثقيلة، وللسياسة أيضا أعباء ثقيلة،
وليس بإمكان أحد أن يمارس العملين معا
-كما يرى محمد أمين- الذي يميل إلى أن
يحيا كل المسلمين للإسلام ولكن كل في
مجاله.
وذهبت
إلى هذا الرأي "د.دعاء" التي تدعو
إلى أن يتفرغ الدعاة الملتزمون
لدعوتهم والتواجد داخل المجتمع،
ويتفرغ السياسيون الملتزمون أيضا
لأعباء العمل السياسي؛ فهي ترى أن
الدعوة لها رجالها والسياسة لها
رجالها.
ونختم
بما ذهب إليه "hossamk" من أننا
محتاجون لدعاة ولسنا محتاجين لنواب!!
لأن الداعي -في وجهة نظره- سوف يأخذ
بأيدينا وأيدي الناس إلى الجنة، ولكن
النائب سوف يبتعد عن أمور دينية
كثيرة، ويتنازل عن البعض الآخر، ونحن
في هذا الزمن نريد دينا قويا، وليس
مجلسا قويا.
شارك
في ساحة الحوار حول هذا الموضوع:
اقرأ
أيضا:
|