|
لا
يخفى على ذي عقل أو بصر أو بصيرة ما
آلت إليه حال المسلمين في الوقت
الحاضر، من انحطاط لم تصل إليه أمة من
الأمم، خاصة أن الأمة الإسلامية كانت
تحكم العالم شرقه وغربه، وتصدر
العلوم إلى كل أهل الأرض قاطبة، فصارت
مطمع الطامعين، وقشة في مهب الرياح
تذهب بها حيثما أرادت وتحل هي حيث
حلت، ولكن...
هل
وصل المسلمون إلى المكان الذي لا رجعة
منه ولا تراجع فيه؟ وما الأسباب التي
جعلت المسلمين يصلون إلى تلك الحال
بداية؟ ثم بعد ذلك ما الحل وما
العلاج؟ هذا ما تناوله عدد من خطباء
الجمعة (30 من شوال 1426هـ) في عدد من دول
العالم الإسلامي.
أمور
نتفق عليها
بداية
لا بد من الاعتراف بعدد من الأمور:
-
أن الكون يسير وفق ناموس وقوانين
ثابتة لا تحابي أحدا، وإن كان القرآن
الذي وضع معالم تلك القوانين وهذه
النواميس قد نزل على المسلمين.
-
أن المسلمين الآن ليسوا في مرحلة
تدبير المؤامرات، إنما هم الآن في حرب
ضروس لا ترحم من يهزم فيها.
-
أن الأعداء كثر ومتعددو التوجهات
والمشارب.
-
أن نؤمن أن ما وصلنا إليه الآن أساسه
الفرقة والتشرذم.
-
أن ما وصلت إليه الأمة له حلول.
أسباب
تراجع الأمة
وإذا
اتفقنا على هذه النقاط أو تلك الأمور،
نرى بعد ذلك الأسباب التي أدت بالأمة
إلى تلك الحال، وما أوصلتها إلى
هذه المرحلة من الذلة والمهانة:
أولا:
من المعلوم أن أي أمة أقامت حضارة، أو
شيدت مجدًا فلا بد أن عندها أسسا
ومبادئ كانت هي السبب في إقامة هذا
الحضارة وتشييد هذا المجد، وهذه
الأسس وتلك المبادئ هي بمثابة
القواعد التي يرتفع عليها البناء،
فإذا اختلت هذه القواعد فماذا نتوقع
لهذا البناء سوى الانهيار، وهو ما تم
مع الأمة الإسلامية تماما، فقد تخلت
الأمة عن دستورها ومنهجها التي صارت
عليه في بادئ الأمر، وهو شرع الله عز
وجل، بما يتبع ذلك من تخلف في كل
المجالات التي كان القرآن يأمرنا بها
أو يحضنا عليها، من طلب للعلم ومن
تواصلنا مع ربنا ومن طاعة قائدنا
ومؤسس دولتنا.
ومن
مظاهر ذلك وكما يقول الشيخ عيد محمد
شبايك في خطبته بمسجد الأشراف -
القاهرة - مصر، الفهم الخاطئ لهذا
المنهج والدستور، ومن الفهم الخاطئ
والذي ساد عند كثير من المسلمين في
هذا العصر، فهم أمر الله لنا بالتوكل
عليه، ففهمه كثير من الناس على أنه لا
داعي للعمل ما دام الله قد وعد بالرزق
والنصر، وما دمنا نحن نتوكل على الله
في هذين، فمما ساد بين الناس أن الله
قادر على أن يأخذ عدونا، وعلى هذا
الأساس يرون أننا لا نملك من أمرنا
شيئا، وأن الله لن يترك دينه، وغير
ذلك من العبارات والأقاويل.
ثانيًا:
مما لا جدال فيه ولا مراء، أن كل مؤسس
لنظام ناجح هو أولى بالاتباع من أتباع
هذا النظام، فطالما أن النظام أثبت
نجاحه بل وتفوقه على كل ما سبقه من
نظم، فذلك أكبر داع لاتباع صاحب هذا
النظام، ومؤسسه والمخطط له، وهو
رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولذا فقد
كان في التخلي عن طريقه ومنهجه، تخل
عن النجاح والازدهار الذي حققه هذا
النظام، ومن مظاهر ذلك ما يقع فيه
المسلمون الآن من التخلي الظاهر عن
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
والعمل بما تميليه الأهواء، فنجد،
وكما يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي
في خطبته للجمعة بمسجد عمر بن الخطاب
بالدوحة، نجد من يفتي بحرمة دخول
الانتخابات في ظل الاحتلال وينسى أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يفاوض غطفان وغيرها من القبائل ويرسل
إليهم الرسل، ويعمل بالخديعة كما حدث
مع نعيم بن مسعود، وغير ذلك الكثير
وكل ذلك وهو يجاهد المشركين لفك
حصارهم عنه.
ثالثا:
النقطتان السابقتان، لا بد أن
يتبعهما نقطة ثالثة، وهي أن يعمل
الأعداء على النيل من هذه الأمة أو
تلك الحضارة التي تخلت عن أسسها
وإبعادها عن هذا النهج الذي هو السبب
في تفوقهم عليهم بأكبر قدر ممكن
وبأقصى ما يملكون من إمكانات، وهو ما
يظهر للجميع فيما أطلقوا عليه الحرب
الباردة ضد المسلمين.
رابعا:
طالما أن العدو قد تمكن من الأمة
وتأكد من ضعفها ووهنها فلا بد ومن
الطبيعي أن يعمل على أن يزيلها وأهلها
من طريقه كلية، وهو ما يتم الآن مع
المسلمين في كل مكان، وها نحن نرى ما
يقع للمسلمين في كل مكان.
حلول
عملية
إن
مما تميز به المسلمون عن غيرهم من
الأمم، وكما يقول الشيح الشيخ صالح آل
طالب فيه خطبته بالحرم المكي، أن الله
زود الأمة بدين عصي على الفناء، وله
قدرة على بعث الروح الهامدة وتجديد
الأفهام البالية، وليس عليها إلا
العمل مع اليقين التام أن نصر الله
لهم آت لا محالة، ولكن نصر الله مشروط
بأنه لا يعطى إلا لمن ينصره {إِن
تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}، ونصر
الله يتمثل في:
-
أن ننفذ ما أمرنا الله به، وأن نسير
على نهجه وطريقه، وربنا يقول: {كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ}، ولذا فلا بد أن يكون
الانطلاق للعالمية من الناحية
الأخلاقية، فقائدنا يقول: "إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، حتى
ننقي أنفسنا مما بثه الأعداء فينا في
فترة الحروب الباردة.
-
أن يجتمع على السعي نحو الانتصار
الحكام والمحكومون، بأن يلتفوا جميعا
حول كتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم، فبذلك يمكن أن ينشأ تضامن
إسلامي ناجح، به ينتصر المسلمون.
-
أن نرتقي إلى مستوى الشمول الذي جاء
به القرآن الكريم وأرشدنا إليه، فلا
بد من تطوير الحالة السياسية كما نسعى
لتطوير الحالة الاقتصادية ومثلهما
تماما الحالة العلمية والتكنولوجية،
وغيرها من الجوانب التي نستطيع
بتكاملها أن ينشأ مجتمع مسلم كامل
الأركان.
-
ألا نيئس من روح الله؛ لأنه لا ييئس من
روح الله إلا القوم الكافرون.
-
أن نصبر على ذلك ولا نتعجل النصر،
واليقين في {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ
وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.
|