إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

فرنسا.. عندما "يتهمش" الدعاة

باريس - هادي يحمد- 24/11/2005

 جانب من آثار أعمال الشغب في فرنسا

كشفت أحداث ما عرف بـ "ثورة الضواحي" الفرنسية التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة عن حقيقة جلية بالنسبة لمسلمي فرنسا، وهو التأثير المحدود للجمعيات الإسلامية في الجيل الثاني والثالث من مثيري أعمال الشغب، هذا فضلاً عن الغياب التام للرموز الدينية والدعاة عن دائرة التأثير، وانقطاعهم بحسب البعض الآخر كلية عن الواقع.

لا شك أن الأزمة التي عاشتها ضواحي المدن الفرنسية لا علاقة لها بالإسلام، باعتبارها وكونها في جوهرها أزمة اجتماعية تتعلق بانتشار البطالة والعنصرية، بعيدًا عن أي انتماء ديني. غير أنه مما لا شك فيه أن غالبية مثيري أعمال الشغب كانوا ممن يُحسَبون على مسلمي فرنسا من مغاربة وأفارقة؛ ولذلك فإن الدعوات السياسية التي وُجِّهت للجمعيات والقيادات المسلمة لمطالبة شباب الجيل الثاني والثالث من مسلمي فرنسا بالهدوء كانت في جانب منها مبررة، غير أن الأمر اللافت للنظر أن مناشدات الدعاة والجمعيات الإسلامية للهدوء والاحتجاج السلمي لم تلقَ أي تأثير، بل ذهب شباب حي "أونلي سو بوا" -حيث انطلقت الشرارة الأولى لأعمال الشغب- إلى قذف "دليل أبو بكر" رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بالحجارة، في اليوم الثالث لاندلاع أعمال الشغب!!.

فتاوى وبيانات مهملة

أما الفتوى التي أصدرها "اتحاد المنظمات الإسلامية" في اليوم العاشر لأعمال الشغب والتي حرَّم فيها على الشباب المسلم المشاركة في حرق الممتلكات العامة والخاصة، فلم تلقَ أي رواج، وبقيت حبرًا على ورق، وتواصلت أعمال الشغب أسبوعًا آخر إلى حين قررت الحكومة -في قرار غير مسبوق منذ سنة 1955- استعمال قانون حظر التجول.

المجلس الفرنسي للأئمة عجز أيضًا بدوره عن توجيه الشباب، ولم يلقَ البيان الذي أصدره أي رواج، حتى خُيِّل للمراقبين أن مواقف الجمعيات المسلمة وأئمة المساجد ومسئولي الجالية كانت في حقيقتها موجهة إلى السلطة الفرنسية أكثر من كونها موجهة إلى الشباب المشارك في أعمال الشغب.

فما هو السبب الحقيقي لهذا التجاهل الكامل من شباب مسلمي فرنسا الذي شارك في أعمال الشغب للدعوات المتتالية للدعاة والشيوخ ومسئولي الجمعيات المسلمة.

لماذا فشل الدعاة؟

دليل أبو بكر، رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية

الشيخ أنيس قرقاح، مدير دار الفتوى التابعة لاتحاد المنظمات الإسلامية يفسر فشل الدعاة والجمعيات الإسلامية في وقف نزيف أعمال الشغب بمعطيين:

الأول: وهو أن جل الشباب الذين شاركوا في أعمال الشغب -وإن كانوا من أصول مغربية وأفريقية- هم من غير مرتادي المساجد وإن كانوا مسلمين، وبالتالي فإن التأثير فيهم أمر نسبي وغير مضمون.

الأمر الثاني: هو عمق الأزمة التي يعاني منها الشباب الغاضب، فهؤلاء الشباب الذين يعانون من أزمة عميقة -بحسب أنيس قرقاح-: "صموا آذانهم عن دعوات المسئولين السياسيين، كما صموا آذانهم عن المسئولين الدينيين".

ويذهب الشيخ أنيس قرقاح إلى الاعتراف بأن هناك تقصيرًا حقيقيًّا في عمل الجمعيات والدعاة، مشيرًا إلى أن الأزمة التي حدثت ربما تكون بوابة لفهم ما يريده هؤلاء الشباب والإحاطة بهم.

لا شك أن هناك معطيات واقعية أدت إلى انحسار العمل الدعوي في الضواحي: أولها الأجواء العامة التي تسود هذه الأحياء وفرنسا على وجه العموم، حيث تنظر السلطات الفرنسية بعين الريبة والخشية من الإرهاب لأي تيار أو داعية ديني يلقَى تأثيرًا في الجيل الثاني والثالث، فمسجد حي "ستان" الساخن على سبيل المثال في شمال باريس والذي كان يجمع أكثر من 300 شاب من شباب الجيل الثاني والثالث أصبح خاليًا تمامًا من المصلين بعد أن استقال إمامه "زهير رزق الله" الذي هددته السلطات الفرنسية بالترحيل من التراب الفرنسي بتهمة "السلفية"!!.

كما أن قانون الإرهاب الجديد الذي سنته فرنسا هذه السنة يضع أئمة كثيرين مثل حالة "رزق الله" على لائحة الطرد، وهو ما يحسر هامش تحرك الدعاة والأئمة في ضواحي المدن الفرنسية، وخاصة أمام تهديدات وزير الداخلية الفرنسي نيكول ساركوزي المتتالية بأنه سيقوم بترحيل جماعي للأئمة المتشددين.

هناك عائق آخر -بالنسبة للمراقبين- ساهم في تعميق الهوة بين شباب الجيل الثاني والثالث وبين الدعاة، وهو عائق اللغة والثقافة، وبالرغم من أن الشيخ "زهير بريك" رئيس المجلس الفرنسي ينفي وجود هذه المشكلة في التوجه إلى الجيل الثاني والثالث، فإن الكثير من هؤلاء الشباب يحملون ثقافة مغايرة لثقافة الدعاة الذين ولدوا وقدموا من البلاد العربية.

فقط طُرحت قضية اللغة بشكل جدي في برنامج تكوين الأئمة الذي أثير حوله النقاش السنة الماضية، فالعديد من الدعاة لا يحسنون التكلم بالفرنسية، ولا يحيطون بثقافة شباب تشبع بالثقافة الفرنسية.

دعاة أم رجال شرطة؟!

نيكولاي ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي

بعيدًا عن مشكلة اللغة، فإن مسألة القرب وتأطير شباب الجيل الثاني والثالث ما زالت بعيدة عن العديد من الدعاة، ففي خضم موجة أعمال العنف قليل هم الأئمة الذين نزلوا إلى الميدان، بل إن الشيخ "زهير بريك" يقول إن العمل ترك لما يسمى بـ"الإخوة الكبار"، يقصد الكبار من الجيل الثاني حتى يقوموا بإيصال رسالة الشيوخ إلى الشباب.

طبعًا السلطات الفرنسية لا ترى من المفيد أن يعوِّض "الإخوة الكبار" أو الأئمة دور قوات الأمن في جلب الهدوء إلى الضواحي، ففي حوار له لمجلة "لا كسبراس" بتاريخ 17-11-2005 يقول نيكول ساركوزي: "أنا لست مستعدًّا لأن أترك نظام الضواحي يديره الملتحون (في إشارة إلى الدعاة) عوضًا عن قوات الأمن"!!.

الأمر بالنسبة للمراقبين المسلمين لا يتعلق بتعويض رجال الشرطة بالدعاة لحفظ النظام، ولكن الأمر يتعلق بحقيقة مرة، وهي أن فراغًا هائلاً كشفته ثورة الضواحي، وهو أن أحياء كاملة ومدنًا كاملة تقدر نسبة ساكنيها بـ 10% من سكان فرنسا أغلبها من ذوي الديانة الإسلامية هي أحياء مهمشة، لا فقط اجتماعيًّا، ولكن يعانون من غياب شبه كلي من الدعاة والمرشدين الدينيين، وهو ما أفرز شبابًا من الجيل الثاني والثالث لا يحمل أية هوية، ولا يتقيد بأية توصيات، ويرفض أي مطالب أو دعاوى أو فتاوى من أئمة مسلمين أو من مسئولين سياسيين.

اقرأ أيضا:

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع