إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الإسلاميون والبرلمان بين الرفض والاجتهاد *

ممدوح إسماعيل **- 07/11/2005

في خلال أيام تبدأ الانتخابات البرلمانية في مصر، وقد أعلنت جماعة "الإخوان المسلمون" دخولها الانتخابات بمائة وخمسين مرشحًا، وهو عدد كبير بالنسبة لمرشحيها في الانتخابات السابقة، حيث كان عدد المرشحين الإخوان حوالي مائة.

وقد كشف عدد من الإسلاميين المستقلين عن رغبته في الترشيح، وهو تطور للإسلاميين من غير الإخوان، فمنذ سنوات بينما كانت كل التوجهات السياسية والفكرية تفعِّل تواجدها السياسي والفكري عبر آليات المجتمع المدني ومؤسساته؛ بقي الإسلاميون – من غير الإخوان - لهم موقف آخر من مؤسسات المجتمع، خاصة موقفهم من المؤسسة التشريعية، حيث رفعوا باختلاف تجمعاتهم وتنظيماتهم لواء الرفض التام لدخول البرلمان المخول له سلطة التشريع الوضعي المخالف والمناقض للقاعدة الإسلامية التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، القاعدة التي ترفض كل حكم غير حكم الله، وترفض المشاركة في كل حكم غير حكم الله. وحيث إن البرلمان المنتخب من أهم أركان الديمقراطية النيابية، وتجسيدًا لمبدأ السيادة للشعب المرفوض في الفكر الإسلامي ونبذته الجماعات الإسلامية لقيامه على أساس أن البشر هم حكام أنفسهم يتخذون من المناهج ما يراه مجموعهم أو غالبهم، غير صادرين في ذلك إلا عن مصالحهم التي تتحدد بدورها وفقًا لما يرى المجموع أو ترى الغالبية، وهذا يصطدم برؤية الإسلاميين للسيادة في الإسلام، حيث إن السيادة لا تكون إلا لله رب العالمين صاحب الحاكمية العليا والمشيئة المطلقة، قال عز وجل: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: 2].

وفى ذلك يقول المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودي: "إن تصور الإسلام عن الحاكمية واضح لا تشوبه شائبة، فهو ينص على أن الله وحده خالق الكون وحاكمه الأعلى، وأن السلطة العليا المطلقة له وحده، أما الإنسان فهو خليفة هذا الحاكم أو نائبه، والنظام السياسي لا بد أن يكون تابعًا للحاكم الأعلى، ومهمة الخليفة هي تطبيق قانون الحاكم الأعلى في كل شيء، وإدارة النظام السياسي طبقًا لأحكامه".  ا.هـ كتاب (الحكومة الإسلامية).

ولا يفوت الإسلاميين المؤيدين لكلام المودودي أن ينتقدوا الحكم الثيوقراطي القائم على التفويض الإلهي، ويذكروا أنه نوع من الدجل استخدمه الملوك في أوربا، وأنه غير موجود في نظام الحكم الإسلامي، حيث إن الحكومة الإسلامية محكومة بشرع سماوي واضح لا غموض فيه، ومسئولة أيضًا أمام ربها وأمام الأمة التي لها حق المعارضة، بل والعزل أيضًا إذا خرجت الحكومة عن التشريع السماوي.

على هذا الأساس كان الرفض لدخول البرلمان الذي وصفته وثائق وكتب ومنشورات الكثير من الجماعات الإسلامية بالأصنام، ويكفر من دخله، وفى أخف الأقوال: الإثم. ولم يقتصر ذلك على أصحاب الفكر السلفي، بل كان موجودًا في جماعة الإخوان، فقد جاء للإمام حسن البنا في كتابه (مجموع الرسائل) ما نصه: "ونحن لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يستمد منه، ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية ولا بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس هذا النظام".

انخفاض الصوت الرافض

يتضح مما سبق عمق جذور الرفض الإسلامي لدخول البرلمان، ولكن هذا الرفض تعرض صوته للانخفاض وحجمه للتقلص في صفوف الجماعات الإسلامية، نتيجة لتحديات ومعوقات كثيرة اعترضت تطبيق المشروع الإسلامي على أرض الواقع من النظم العلمانية، وهبوب رياح الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب على المنطقة العربية، واهتمام الغرب بتفعيل الفكر الغربي وفرضه بكل الطرق في المنطقة العربية، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتوجه بوصلة العداء الغربي إلى الجماعات الإسلامية في المنطقة، وغير ذلك استدراج الجماعات الإسلامية إلى صراع عنيف غير متكافئ ومتعجل مع النظم العلمانية، مما أضعفها وعزلها وقوَّى من ترسيخ المشروع الغربي في بلاد المسلمين، فكان الاجتهاد من داخل الجماعات الإسلامية، وأبرزها "الإخوان المسلمون" لتغيير المجتمع عبر الدور الإصلاحي، من خلال التفاعل مع مؤسسات المجتمع، واستندوا إلى حاجة الدعوة والضرورة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في مكة والأصنام حول الكعبة، فظهر الخلاف بعد الإجماع على الرفض. وقامت الجبهة السلفية بالرد على ذلك بسيل من الكتب والرسائل، وكان أبرزها نقد لـ(المفكر الإسلامي) محمد قطب بأن وصف استخدام طريق البرلمان بأنه عبث لا يؤدي إلى نتيجة حتى لو كان البرلمان كله من الإسلاميين، لسهولة قيام انقلاب يحل البرلمان وينتهي كل شيء، واستطرد في نقده ووصف دخول البرلمان بالتمييع في قضية الحاكمية لدى الجماهير، وأضاف أنه سذاجة سوف تستفيد منها النظم الوضعية ويخسر الإسلاميون.

نقد لا يجلب تغييرا

مسيرة إخوانية

ولكن الإخوان مضوا في طريقهم الإصلاحي الذي ارتضوه، ودخل البرلمان نواب من الإخوان في مصر والأردن واليمن والكويت، ثم البحرين والمغرب، وأثمرت التجربة عن ارتفاع الصوت الإسلامي في البرلمان، وفى بعض البلاد كان له قوة في النقد والتوجيه الأخلاقي بدون تغيير ملموس عام في شكل النظام الوضعي.

وكان لتركيا تجربة خاصة مع الإسلاميين، يقودها السياسي الإسلامي نجم الدين أربكان، ولكن ما لبث أن انقلب عليه العسكر.

أيضًا شجعت التجربة التيار السلفي، فكان لجبهة الإنقاذ في الجزائر دورها القوي في العمل السياسي والانتخابات، الذي ما لبث أن تبدد مع انقلاب العسكر على الديمقراطية وكفرهم بها، لمجرد أن الإسلاميين حصلوا على الأغلبية، وغرقت الجزائر في حمامات دماء. ثم للتيار الإسلامي في الكويت تجربة مميزة وفريدة.

"إخوان" مصر .. حالة خاصة

إلا أن "الإخوان المسلمون" في مصر حالة إسلامية خاصة، تمثل نموذجًا لتفعيل فقه الواقع عبر تفعيل نظرية الضرورة الشرعية، نظرًا للضغوط والتحديات التي تواجه الإسلاميين، فاعتبروا ذلك من قبل المحظورات التي تجيزها الضرورة، حيث إن التضييق على الإسلاميين ومشروعهم فتح الباب على مصراعيه أمام طوفان العولمة والعلمنة الذي أغرق الجماهير ولم يعد لها حصن دعوي وفكري يقف أمام ذلك الطوفان، وظهرت اجتهادات كثيرة أيضًا من  خارج الإخوان بارتكاب أخف الضررين بالتفاعل مع المؤسسات في الدولة والبرلمان للتقليل من المفاسد المتعدية إلى الجماهير.

وتوالت الأطروحات للخروج من العزلة، وكان أبرز ما حصلت عليه جماعة الإخوان في مصر لتعضيد موقفها في دخول البرلمان فتوى نسبت لشيخ من أكبر شيوخ السلفية في العالم الإسلامي، وضعوها أمام كل المعارضين.

ومما يذكر أن الإخوان خاضوا الانتخابات في الثمانينيات بالتحالف مع أحزاب، واستطاعوا دخول البرلمان، ولكن في انتخابات التسعينيات أوقفت الدولة دخولهم البرلمان متعمدة (ويلاحظ أن الصراع كان مشتدًّا في ذلك الوقت بين الدولة والجماعات الراديكالية في مصر).

إلا أنه مع انتخابات 2000 أصبح للإخوان موقف فاعل في خوض الانتخابات، خاصة أنهم يتمتعون بقوة تنظيمية اكتسبوها من خلال خبرة ممتدة أكثر من 50 عامًا، وأيضًا قوة مادية توفرت لهم بناء على قيامهم بمشاريع اقتصادية ناجحة كثيرة، واستطاعوا عن طريق شحن الجماهير بالعاطفة الإسلامية، وقربهم من الناس اجتماعيًّا أن يحشدوا الجماهير خلفهم. وكان لانتفاضة الأقصى بميعادها القدري مع الانتخابات في مصر عامل مؤثر استغله الإخوان جيدًا في طرح المشروع الإسلامي من وجهة نظر الإخوان، فحصلوا على 17 مقعدًا في البرلمان من مئة مرشح، رغم كثير من التحديات والمعوقات الأمنية، وهم يعدون ذلك قليلاً بالنسبة لحضورهم الإسلامي، وأن ذلك مؤشر لحب الناس للمشروع الإسلامي.

ولا يفوتنا أن نذكر أن نتيجة لصراع الدولة مع الجماعات الراديكالية الإسلامية، كانت الساحة السياسية خالية للإخوان، وساعدهم في الانتخابات الأخيرة تغير صوت الرفض لدخول البرلمان، ومحاولات الجماعات الإسلامية الأخرى الاجتهاد للتكيف مع الواقع بضرورياته وما فيه، فكانت مبادرة وقف العنف من الجماعة الإسلامية الراديكالية.

وكانت أبرز المفاجآت من قبل المحسوبين على الجماعات الإسلامية السلفية في إعلانهم بتأسيس حزب الشريعة المصري، ثم حزب الإصلاح، للهروب من الحصار العلماني المضيق على كل منافذ الدعوة، وسعيهم للتعامل مع مؤسسات المجتمع المدني وآلياته عبر المعارضة السلمية.

كل ذلك صب في اتجاه دفع الإخوان للنجاح في انتخابات البرلمان رغم كل المعوقات. لكن لم ينجح الإخوان في أن يكون لهم دور مميز وفعال ومؤثر في البرلمان، حيث إن من نجحوا في دخول البرلمان وقتها ليسوا من القيادات المعروفة، وكانوا قليلي الخبرة في العمل السياسي الذي يختلف عن العمل الدعوي، ولكن كان لهم صوت عبر الشكل الأخلاقي، وينسحب ذلك على بعض التجارب الإسلامية في بعض الدول حيث يبدو للبعض أن المراد تواجد شكلي بعيد عن أي دور كقوة سياسية، ولكن في انتخابات 2005 يعلن الإخوان عن ترشيحهم لمائة وخمسين كي يحصلوا على خمسين مقعدا على الأقل، فهل يتحقق لهم ذلك، وإن تحقق ما الجديد الذي سيقدمونه في البرلمان في ظل أغلبية متوقعة للحزب الوطني الحاكم.

البرلمان .. سبب أم هدف؟

لكن يبقى أن صوت الرفض لدخول البرلمان مازال موجودا وسط الإسلاميين، وإن كان بعض الإخوان المسلمين يعدون دخولهم البرلمان هدفا، فالجماعات الإسلامية التي تجتهد في تفعيل فقه الضرورة في الواقع تعتبر دخول البرلمان سببا ومرحلة تُستغَل لخدمة المشروع الإسلامي والدعوة.

ويبقى أن عموم الإسلاميين لم تتغير نظريتهم للديمقراطية بشكلها الغربي ورفضهم لها، ولكنهم يفرقون بين مدلولها القيمي وآلياتها، وأيضا يجتهدون في كيفية التعامل مع آليات الديمقراطية في ظل الحرب المستمرة للمنهج الإسلامي.

ولكن هناك وقفة هامة هنا، أن الإسلاميين يقدرون الدور الرقابي للبرلمان، ويعدونه أساسًا سليمًا لدور نواب الشعب في البرلمان، وأن الدور التشريعي ينبغي أن يكون فيما لا نص فيه، وأن يكون موافقًا لقواعد الشريعة الإسلامية.

النموذج الأمريكي للإسلاميين

عبد الله جول

ولا يفوتنا أنه بعد أحداث سبتمبر قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه قوي نحو تفعيل الشكل والمضمون الغربي للمشروعات الحزبية الإسلامية، وكان أبرز مثال حزب العدالة في تركيا، الذي أتاح له العسكر الظهور بدون معوقات، والذي اتهمه أربكان بالخيانة، وكان إقرارهم بالعلمانية ونفي قيادتهم أهدافهم الإسلامية أو أنهم حزب إسلامي (شاركت ونجحت 14 امرأة متبرجة على قائمة الحزب في الانتخابات). وقد صرح عبد الله جول أحد قادة الحزب (وزير الخارجية الآن) لجريدة الشرق الأوسط: "لا تسمِّنا إسلاميين، نحن حزب أوربي محافظ حديث". هذا الشكل التركي الغربي تريد أمريكا جعله نموذجًا للإسلاميين، مما جعل كثيرًا من الإسلاميين يحذرون من فرض نموذج أمريكي للإسلام السياسي، ويشددون في التحذير من أن فقه الأولويات وضغط الواقع ليس مسوغًا لتقبل هذا النوع من الإسلام الذي يفرغه من مضامينه الأساسية، وخاصة السياسية منها والتشريعية لعزله عن الحياة، ليظل هناك تساؤل في ظل بانوراما التفاعل السياسي للإسلاميين في كافة الدول، في أن فرض النموذج الأمريكي هل سيؤدي إلى تراجع اجتهادات الإسلاميين وتفاعلهم في العمل السياسي في ظل العولمة الأمريكية، والراجح أن يستمر الإسلاميون في نضالهم السياسي بعد تراجع نظرية الصدام.

اقرأ أيضا:


* نقلاً عن موقع المسلم بتصرف يسير. ونشرنا له لا يعني بالضرورة اتفاقنا التام مع كل ما ورد فيه.

** محام وناشط إسلامي مصري.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع