|

|
|
الدكتور
سيد مرعي
|
الحديث
عن تطوير الدعوة الإسلامية، هو حديث
عن ضرورة ملحة في ظل التحديات
والمشكلات الداخلية والخارجية التي
تواجهها، وخاصة بعد دخولنا في عالم
منفتح يتسم بالشفافية الجغرافية
والتواصل اللحظي.
الدكتور
سيد مرعي، الأستاذ المساعد بكلية
التربية جامعة الأزهر، أحد المهتمين
بمجال الدعوة الإسلامية، وله
إسهاماته وأفكاره الفعالة والناجحة
في هذا المجال، مما يعد ثورة في عالم
الدعوة إن صح التعبير.
في
حديثه إلينا ظهر تمرده على الواقع
الدعوي، وتألمه للكثير من السلبيات
التي تعيق التقدم في مجال الدعوة،
ولكنه مع رصده للمشكلات والمعوقات لم
يقف موقفا سلبيا، بل وصف حلولا لتلك
المشكلات اتسمت أغلبها بالخروج عن
التقليدية، واستشراف آفاق أرحب للعمل
الدعوي.
السُّنة
تعلمنا الإبداع
بداية
أكد لنا الدكتور مرعي أن الرسول صلى
الله عليه وسلم منذ بدايات الدعوة
الإسلامية كان يبدع في استخدام
الوسائل الدعوية المختلفة، ولا يتوقف
على مجرد الدعوة اللفظية، حيث يقول
الدكتور مرعي: "استخدم النبي صلى
الله عليه وسلم ما يقرب من 80 وسيلة
دعوية لنشر الدعوة، ولتعليم أصحابه،
منها على سبيل المثال: استثمار
المشاهد الحقيقية الحية، فقد مر صلى
الله عليه وسلم ذات يوم بالسوق ومعه
بعض من أصحابه، فوجد جديا ميتا مقطوع
الأذن، فرفعه بيده الشريفة وقال: "من
منكم يشتري هذا بدينار؟" فرد
الصحابة: يا رسول الله، لو كان حيا
لكان عيبا فيه، فما بالك وهو ميت! فرد
صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا
أهون على الله من هذا عليكم".
ويتابع
العالم الأزهري: "هنا يعلمنا صلى
الله عليه وسلم استخدام وسيلة حقيقية
تمثلت في الجدي الميت، الذي تم توظيفه
في موقف تعليمي مبدع، حيث سأل الرسول
صلى الله عليه وسلم سؤالا استفهاميا
حول هذا الجدي، ثم أخبر أن هذه الدنيا
التي نتكالب عليها هي أهون على الله
من هذا الجدي المعيوب. وبالنظر في هذا
الحديث نجد أن هذا الأسلوب الذي
استخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم
يجعل الحدث والعبرة المستوحاة منه لا
يزولان من حافظة الفرد أبدا".
وفي
إشارة إلى الوسائل المتعددة التي
استخدمها النبي صلى اله عليه وسلم في
الدعوة، يقول الدكتور مرعي: "من
الوسائل التي كان يعتمد عليها رسول
الله صلى الله عليه وسلم أيضا:
الإشارة بكامل اليد، والإشارة
بالإصبع، واستخدام العصا، والحصى،
والرسم على الأرض، وغير ذلك من
الوسائل التي ساعدت في نشر الدعوة
الإسلامية والتعريف بها".
ويرى
الدكتور مرعي أن هذه البداية الرائعة
التي حققتها الدعوة الإسلامية في
الفكر والمضمون والوسائل هي التي
كفلت لها قوة الانتشار وسرعته، الأمر
الذي جعلها تتسع إلى العديد من
الأقطار المجاورة التي كانت في أمس
الحاجة إلى ذاك الدين الذي يحقق لها
الأمن والأمان والحرية والضمان
الاجتماعي. إلا أنه بتوالي القرون
شهدت الدعوة الإسلامية تراجعا ملحوظا
في انتشارها وتطوير وسائل عرضها
وأساليب تبليغها.
ويشير
مرعي إلى أنه قد حان الوقت للاهتمام
المنظم بالدعوة الإسلامية ووسائلها
وآلياتها لتجديد الخطاب الديني، خاصة
بعد دخولنا في عالم منفتح يتسم
بالشفافية الجغرافية والتواصل
اللحظي.
عوائق
في سبيل التطوير
ويقرر
الدكتور مرعي أن السبيل الوحيد لنجاح
منظومة التطوير والتغيير في الدعوة
هو أن يحدث أولا تغيير في الإدارة
الدعوية، بمعنى أن يكون هناك فكر
إداري يخطط وينسق وينفذ الأفكار
الدعوية، ويقدم حلولا ووسائل تتناسب
مع مشكلات الدعوة الحالية، وما
أكثرها على مستوى دول العالم
الإسلامي والأقليات المسلمة في الشرق
والغرب.
ولما
سألته عن أهم وأبرز هذه المشكلات، قال:
"أولى المشكلات تتمثل في الجهل
بالإسلام عند غير المسلمين نتيجة
التشويه المتعمد. والأمر المحزن
والمخجل وجود هذا الجهل عند بعض
المسلمين أيضا.
والمشكلة
الثانية هي مشكلة العولمة. ويجدر بنا
أن نشير هنا إلى أن هناك فرقا بين
عولمة العالم التي تعني مسخ الدول
لتصبح نسخًا مكررة ومشوهة من
البرنامج الفكري الأمريكي، وبين
عالمية الإسلام التي تجعل من كل فرد
كائنا إنسانيا يعيش وفق الدستور
الإلهي.
فعلينا
من خلال تطوير الدعوة أن نواجه
العولمة ونرسخ عالمية الإسلام لدى
الجميع: مسلمين وغير مسلمين".
أما
عن المشكلات على مستوى الدول
الإسلامية، فيرى الدكتور مرعي أنها
تتمثل في القيود الأمنية، والسياسية،
والإدارية، والاقتصادية، تلك
الموضوعة على الدعاة وعلى المؤسسات
الدعوية، مما أدى إلى ضمور الحركة
الدعوية الصحيحة وتخلفها عن الركب.
ويبين
الدكتور مرعي أنه توجد مشكلات على
مستوى الداعية ذاته، حيث يرى أنه
يفتقد مواصفات الاحتراف والتي تتمثل
على حد قوله في أن يكون: "قرآني
المنبع، محمدي المنهج، عُمَري
الشكيمة، عَلَوي العِلم، عثماني
الخُلُق، وبعد ذلك يجب أن يكون متفتح
الفكر، تكنولوجي المهارة، يجيد
استخدام أدوات عصره فلا يسبقه إليها
أحد، وأساس كل هذا أن يكون مؤمنا شديد
الإيمان برسالته، عالما بأهدافها
ومقدرًا لصعوبتها، أن يكون صبورًا
حليمًا ودودًا، يتعهد الناس رفقًا
بعلمه، وألا يتخذ الدعوة مجرد وسيلة
لكسب الرزق كما يحدث من قبل البعض".
أما
على مستوى المؤسسة الدعوية، فيتأسف
أستاذ الأزهر على عدم توفير هذه
المؤسسات للإمكانات الفكرية
والمادية اللازمة لحقل الدعوة
الإسلامية، وإغفال القيادات الدعوية
للجانب التكنولوجي في إعداد الداعية،
وإن ساروا في هذا الجانب فإنه يرى
أنهم يسيرون ببطء شديد لا يليق بدور
الداعية المعد لخوض غمار الدعوة.
وتلك
هي الحلول
ولما
سألته عن رؤيته لحل هذه المشكلات، قال
الدكتور مرعي: "لا بد أولا من أن
يحدث تغيير في دور العالم الإسلامي،
وفي دور المؤسسة الدعوية، وكذلك في
دور الداعية والمدعو. ولا بد أيضا من
تغيير على مستوى المحتوى الدعوى،
والأساليب الدعوية".
فعلى
مستوى العالم الإسلامي، يتمنى
الدكتور مرعي أن يكون في كل دولة
إسلامية مركز دعوي رسمي ضمن شبكة تحكم
هذا العمل، ويكون دورها تنسيق عملية
الدعوة وتوزيع الأدوار على القائمين
بها. لا بد كذلك من أن تكون هناك
مؤتمرات عالمية، لها مواعيد ثابتة
وأجندة متغيرة، لبحث وتنقيح وتقديم
حلول مناسبة لجميع مشكلات العالم
الإسلامي، ولمشكلات الدعوة خاصة.
وبالنسبة
لتغيير دور المؤسسة الدعوية، فيؤكد
أستاذ الأزهر على أنها لا بد أن تتغير
فكريا، ويصبح لديها خطط مستقبلية
لتقديم الدعوة وخدمتها أفضل ما يكون،
واقترح أن تكون المؤسسات الدعوية في
العالم خليطًا من العلماء والمتخصصين
في الإدارة والقيادة، وأن توزع
الأدوار بشكل متناغم متناسق.
وفي
هذا الصدد كشف الدكتور مرعي النقاب عن
أنه كان قد اقترح على وزارة الأوقاف
المصرية مبادرتين، هما: (حاسب لكل
مسجد) و(حاسب لكل إمام)، وأنه قد أعد
دراسة تفصيلية قدمها للوزارة توضح
أهمية تنفيذ تلك المبادرات. وذكر أنه
بالفعل يتم الآن تطبيق مبادرة (حاسب
لكل مسجد) والبقية تأتي.
ويؤكد
مرعي على أن إعداد الدعاة تكنولوجيا
هو الأمل الجديد للدعوة، ويطالب
المؤسسات الدعوية بعقد دورات تدريبية
متخصصة، يحاضر فيها خبراء في كل
المجالات، فالداعي – كما يقول -: "لا
بد أن يكتسب مهارات في علم النفس،
والإدارة، والتربية، والتعامل مع
المواقف المختلفة، ومهارة المناظرة،
وكذلك تعلم اللغات المختلفة".
الداعية
من الإلقاء إلى التوجيه
أما
عن الأدوار التي يجب أن يتحملها
الداعية، فيشير أستاذ الأزهر إلى
أهمية أن يتغير دور الداعية من كونه
ملقيا ومتحدثا إلى كونه موجها ومسهلا
للثقافة الإسلامية؛ مؤكدا على أن
الدعوة ليست كلاما فقط، فالعالم أصبح
معقدًا، ولا بد أن يتم فك شفرات هذا
التعقيد على كافة المستويات.
ويرى
الدكتور مرعي أنه يتحتم على الداعية
أيضا أن يتعلم مهارات تغيير اتجاهات
المدعوين، باستخدام وتوظيف فيجيد على
سبيل المثال توظيف البريد الإلكتروني
وغرف الدردشة، ويجيد استثمار مساحات
الحوار والمناقشات والمنتديات، وغير
ذلك من عمليات التواصل عبر الشبكة
العنكبوتية بما يخدم الدعوة.
ولم
يغفل الدكتور مرعي دور المدعو في
عملية التطوير الدعوي، حيث قال: "أما
على مستوى المدعو، فيجب أن يتغير دوره
من متلقٍّ سلبي إلى دور المتلقي النشط
المتفاعل مع الموقف الدعوي".
وعدَّد مرعي أساليب وطرق متنوعة لهذا
التنشيط، منها -على حد قوله-: "استخدام
الوسائط المتعددة في عرض المحتوى
الدعوي، وتوزيع مجموعة من الأدوار
التنشيطية من قبل الداعية علي
المدعوين، فلا يقتصر دور الداعية علي
الخطبة والدرس فقط متبعًا نوعًا
واحدًا من الأساليب وهو الدعوة
اللفظية، ولكن هناك أساليب مختلفة،
منها ما جاء في القرآن الكريم ومنها
ما جاء في السنة النبوية، وما ابتكره
الدعاة عبر العصور".
ويختم
الدكتور سيد مرعي حديثه بالتأكيد على
أمر هام، وهو ضرورة تنقية وتنقيح
المحتوى الدعوي عن طريق علماء
متخصصين في كل علم، بحيث تصبح هناك
مناهل صافية للدعاة ينقلون منها. كذلك
أكد على أهمية تنقية التراث الإسلامي
مما علق به من قصص وأساطير وهمية لا
أساس لها ولا سند، والتي يستشهد بها
بعض الدعاة. ويرى أنه في سبيل ذلك لا
بد من استثمار كافة الوسائط الدعوية:
الإلكترونية والمسموعة والمقروءة
والمرئية.
اقرأ
أيضا:
**
صحفية بجريدة "اللواء الإسلامي"
المصرية
|