|

|
|
ماذا يدور في أذهان القاعدين ؟
|
قال
بعض القاعدين: "موضوعاته رتيبة،
أسلوبه ممل، وقته يطول، يقلد ولا
يُبدع، ضعيف الثقافة، ركيك الصياغة،
فقير المعلومة، حاد في غير موضع
الحدة، هادئ في غير موضع الهدوء.
إذا
سمعت لغته يخيل إليك كأنه يعرف
قواعدها السليمة لكنه يتعمد مخالفتها!
يطيل في شرح الفكرة لدرجة يبدو معها
أنه يتهم كل من أمامه بالغباء!.
يلقي
معلومات ساذجة ويؤكد عليها كأنه
يفترض في سامعيه الجهل المطلق…".
هذه
الأوصاف وغيرها يطلقها بعض المصلين
تعليقا على بعض خطباء الجمعة، وهم في
كل مرة لا يجدون أمامهم إلا أن يصبروا
ويحتسبوا جلوسهم هذه الساعة مع تجرع
الغصص عند سماع كل جملة تخرج من بين
ثناياهم.
وهناك
آخرون لا يحتملون هذا الموقف فيتخذون
قرارا بالذهاب إلى المسجد بعد انتهاء
الخطبة الأولى ليشهدوا صلاة الجماعة.
وآخرون
يبحثون عن مسجد آخر لمجرد التغيير،
وأملا في مستوى أفضل.
وتظل
المسئولية على خطيبنا، إذ يبدو أن
عليه أن يحسن الاستماع إلى الآخرين،
كما أنهم يستمعون إليه طوال هذا الوقت.
بداية
الحل
ليس
عيبا أن يكون الخطيب بمستوى متواضع،
خاصة إذا كان في بداية حياته الدعوية،
أو كان طالب علم، أو تضيق عليه ظروف
الحياة بحيث لا يستطيع أن يبحث
بالدرجة الكافية لإعداد خطبته
الأسبوعية.
لكن
العيب أن يقنع الخطيب نفسه بأنه لا
يستطيع التحسن إلى أفضل من هذا، ويسوق
من الكلام ما يعلن به أنه ليس أهلا
لهذا الموضع، وأنه إنما يقوم بذلك حتى
يتاح خطيب آخر بدلا عنه.
إن
من المتفق عليه أن العالِم لم يولد
عالما، كذلك المخترع والعبقري
والمبدع والأديب والقصاص والمحترف في
أي أمر من أمور الحياة.
أيضا
نستطيع أن نقول: إن الخطيب الناجح لم
يفتح عينيه في يوم من الأيام ليجد
نفسه واقفا على المنبر يخطب في الناس
بأفضل مستوى وأجمل حديث.
بل
إن العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم،
كما يقال. وما دمت تستطيع التحصيل
والتقدم فإن التقصير بالتراجع عن
ذلك يعتبر ذنبا، كما قال أبو الطيب
المتبني:
ولم
أر في عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين على التمام
ولا
يقبل من داعية – صغيرا كان أو كبيرا –
أن يظل على مستواه الذي وجد نفسه عليه
في بداية دعوته.
ماذا
لو كنت ألثغ اللسان؟!
وكي
لا يكون الكلام نظريا فإنني أسوق إليك
قصة "واصل بن عطاء" الذي اشتُهر
بأنه كان ألثغ اللسان، لا يستطيع نطق
حرف الراء كما هو، وكان خصومه يعيبون
عليه ذلك، فأراد أن يلقي خطبته خالية
من حرف الراء!
وبالفعل
استطاع أن ينظم خطبة بليغة، لا تكاد
تشعر وأنت تقرؤها أنه يتجنب فيها هذا
الحرف، فكانت دليلا على تمكنه من لغته
وثقته من نفسه.
وإليك
نص خطبة واصل بن عطاء:
الحمد
لله القديم بلا غاية، والباقي بلا
نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في
علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به
مكان، ولا يئوده حفظ ما خلق، ولم
يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه
ابتداعا، وعدله اصطناعا، فأحسن كل
شيء خلقه، وتمم مشيئته، وأوضح حكمته،
فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب
لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل
شيءٍ لعظمته، وذل كل شيء لسلطانه،
ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال
حبة وهو السميع العليم، وأشهد ألا إله
إلا الله وحده لا مثيل له، إلها تقدست
أسماؤه، وعظمت آلاؤه، علا عن صفات كل
مخلوق، وتنزه عن شبه كل مصنوع، فلا
تبلغه الأوهام ولا تحيط به العقول ولا
الأفهام، يُعصى فيحلم، ويُدعى فيسمع،
ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن
السيئات ويعلم ما يفعلون، وأشهد
شهادة حق وقولَ صدق بإخلاص ونية، وصدق
طوية، أن محمد بن عبد الله عبده
ونبيه، وخالصته وصفيه، ابتعثه إلى
خلقه بالبينات والهدى ودين الحق فبلغ
مألكته (أي رسالته)، ونصح لأمته،
وجاهد في سبيله، لا تأخذه في الله
لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم،
ماضيا على سنته، موفيا على قصده، حتى
أتاه اليقين، فصلى الله على محمد وعلى
آل محمد أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، وأجل
وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه،
وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه
حميد مجيد.
أوصيكم
عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل
بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحضكم
على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن
تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة في
معاد، ولا تلهينكم الحياة الدنيا
بزينتها وخُدعها، وفواتن لذاتها،
وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل،
ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول، فكم
عانيتم من أعاجيبها، وكم نصبت لكم من
حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها
واعتمد عليها، أذاقتهم حلوا، ومزجت
لهم سما.
أين
الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا
المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكثفوا
الحجاب، وأعدوا الجياد، وملكوا
العباد، واستخدموا التلاد؟ قبضتهم
بمخالبها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم
بأنيابها، وعاضتهم عن السعة ضيقا،
ومن العز ذلا، ومن الحياة فناء،
فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود،
وأصبحوا لا تعاين إلا مساكنهم، ولا
تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم من أحد
ولا تسمع لهم نبسا. فتزودوا عافاكم
الله فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا
الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون.
جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع
بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن
يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك
الذين هداهم الله وأولئك هم أولو
الألباب.
إن
أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ
المتقين كتاب الله، الزكية آياته،
الواضح بيناته، فإذا تلي عليكم
فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.
أعوذ
بالله القوي من الشيطان الغوي، إن
الله هو السميع العليم، بسم الله
الفتاح المنان (قل هو الله أحد، الله
الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له
كفوا أحد).
نفعنا
الله وإياكم بالكتاب الحكيم،
وبالآيات والوحي المبين، وأعاذنا
وإياكم من العذاب الأليم، وأدخلنا
وإياكم جنات النعيم، أقول ما به
أعظكم، وأستعتب الله لي ولكم. (أ.هـ)
ولا
يخفى في هذه الخطبة العجيبة حرص "واصل"
على الإتيان بمرادفات الكلمات واسعة
الانتشار والتي بها حرف الراء،
وحينما يريد الاستدلال بآية تحتوي
على حرف الراء؛ يلجأ إلى ذكر معناها،
وهكذا.
وبالطبع
فإنني لا أطلب منك أن تكون في براعة
"واصل"، وإن كان ذلك غير مستحيل،
إلا أنني أردت أن أقول لك: استعن بالله
– يا أخي الخطيب – والله معينك
ومؤيدك.
اقرأ
أيضا:
**باحث وداعية مصري
|