|
ابتسامته
المشرقة تنعشني، ونظراته الودود
تأسرني، قال لي ذات بوح: أريد أن
أحدثك بأمرٍ علَّك تكتبه فينتفع به
الشباب.
قلت:
وأنا كلي أذن مصغية لك، تفضل خذ وقتك.
أغمض
عينيه يستدعي ذكريات ما، وبدأ يتحدث:
من
أين أبدأ؟ لا أدري، لكن دعني على
سجيتي.. نشأت في أسرة مرفهة، طلباتي
مجابة قبل أن أتفوه بها! أرفل في
الحرير كما يقول الأدباء، حرص والدي
–جزاه الله خيرا– على بث الثقة
بنفسي، لكنها ثقة اكتشفت مؤخرا أنها
بحاجة لتهذيب، كنت أشعر أنني
الأفضل، الأروع، في أي مكان أتواجد
به الأضواء تتوجه نحوي بإرادتي أو
بغير إرادتي، كل مَنْ يقابلني يقول
لي: "لديك شخصية جذابة، ولسان يفعل
الأعاجيب، ولباقة نادرة..." لا
أخفيك، حديثهم كان ينفخني كبالون،
حتى جاء ذلك اليوم الذي قابلت فيه
أحمد.
كنت
بنزهة برية مع الأصدقاء، وهناك
قابلته، شاب نحيل، حاضر الطرفة،
دائم البسمة، لكنها بسمة وقورة
مشوبة بهم عميق.
عيناه
تتوهج ببريق أخاذ، أبدا أبدا لم يكن
بمستواي المادي، فسيارتي شبابية آخر
موديل، وسيارته كتلة صدئة من
الحديد، قميصي آخر ما نزل في السوق
من بصمات، قد اعتنت به الخادمة أيما
عناية، نظافة وكيًّا، وقميصه ربما
هو قميص العيد الفائت، هندامه مرتب
نظيف، لكنه لم يكن بحال من الأحوال
بروعة هندامي ونصاعته!.
لا
أدري كيف جذب أصدقائي حوله؟ مغناطيس
هو بالتأكيد! أصبح حديث النزهة: أحمد
قال، أحمد فعل، هل سمعتم قراءته
الخاشعة بالصلاة؟ أحمد... أحمد... أحمد!.
ضج الوادي باسمه، فغدا يردده بلا وهن!.
استفزني
هذا حقًّا، بدأت براكين الغيرة تقذف
حممها، وبدأت أراجع حساباتي: أين
حضوري؟ كيف خبا بريقي؟ جاذبيتي لِمَ
خانتني؟ حقا لقد سحب أحمد البساط من
تحت قدميَّ، رغم امتلاكي ما لا يملك..
كيف فعل ذلك.. كيف؟!.
في
نهاية النزهة البرية، وأثناء وداعه
لي، صافحني، نظرَ في عينيَّ نظرةً
ودود اخترقتني فوصلت قلبي، وهمس لي:
"لديك شخصية أخاذة، وجاذبية
عجيبة، لو وظفتَها في الدعوة لسُقتَ
حائرين للنور" وربت على كتفي..
ومضى.
أخذت
أتأمل حديثه الهامس القصير لي،
وبدأت بعَقْدِ مقارنة بيني وبين
أحمد، بمَ فاقني أحمد؟ بِمَ؟.
فوجدت
السبب في الآتي..
أحمد
يعتني بالجوهر، بينما أنا أعتني
بالمظهر..
أحمد
كان يلمعُ قلبَه وأنا كنتُ ألمعُ
قالبي..
تميز
حتى بابتسامته الوقورة تلك، تميز
بحفظه كتاب الله، تميز بثقافته
العميقة المتنوعة.. وشيء آخر، ربما
هو سبب حضوره الإلهامي: إخلاصه
لمولاه.
صممتُ
منذ ذلك اليوم على أن ألحق بأحمد لا
لتجاوزه.. كلا، بل لوضع يدي بيده
لنمضي سويا في درب الاستقامة الأخضر
البديع، فوضعت برنامجا للرقي
بالجوهر، فاشتركت بحلقة تحفيظٍ
للقرآن الكريم، وواظبت على درس
علمي، وبدأت برنامج قراءة مفيد..
ولزمت صحبة صالحة تعينني على تنمية
روحي، والحرص على لمعان قلبي دائما،
وبدأت بتطوير مهاراتي الشخصية
وتوظيفها دعويا.
لقد
غيرتني كلمات أحمد الهامسة لي، وقبل
ذلك رؤيته!.
اقرأ
أيضا:
**
داعية وكاتب سعودي.
|