إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الداعية بين الطفولة والرشد

عبد الحميد الكبتي- 06/06/2005

لعب.. لهو.. زينة.. تفاخر.. تكاثر.. متاع.. متاع الغرور.. تلك هي أوصاف الدنيا بتعبير القرآن الكريم، كأنها وسائل للأطفال، يمرحون فيها بلعب ولهو الطفولة، ويتزينون فيها بلباسهم وألوانهم الطفولية، حيث يتفاخرون مع بعضهم البعض، ويعرضون أنفسهم ومتاعهم بكل غرور، ومعهم في ذلك اللعب واللهو، كل غافل عن الدار الآخرة، غير آبه بمصيره، ولا هو بمستعد له، طفل في عقله، لأنه لا يعي حقيقة الأمر.

خيرٌ للذين يتقون.. يريدها الله.. نعم دار المتقين.. دار القرار.

وهذه بعض أوصاف الآخرة في القرآن كذلك، وربطها الله تعالى بالعقل في أكثر من موضع: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون" [الأنعام: 32]، "والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون" [الأعراف: 169]، "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون" [يوسف: 109]، وهذا لأن العاقل لا ينشغل بأعمال الطفولة العارضة، ويفكر بما يريده الله "تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم" [الأنفال: 67]. الله عزيز حكيم، فكن عزيزا حكيما في مرادك، وفي معرفة حقيقة الأمرين: دار متاع قليل، ودار هي الحيوان - الحياة الحقيقية - ونعم الدار لمن أتقى.

لمن يريد العزة والحكمة

وليس أمر العزة والحكمة بالهين، ولا ينال بالتمني "ليس بأمانيكم ولا أماني أهْل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا" [النساء: 123]، بل لا بد له من تعب "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" [العنكبوت: 69]، وبهذا فقط يرث الدار الحقيقية "تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا" [مريم: 63].

ولا بد أن يعي مريد العزة والحكمة نداء النبي عليه الصلاة والسلام "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" [رواه الترمذي]. لا بد أن يعي هذا الغلاء في مطلبه، ولن ينال الأطفال إلا شيئا يسيرا لا قيمة له، وغلاء السعر يكون لمن وعي وفقه، وارتفع عن عشوائية الطفولة وخاف ونصب واقترب.

يتعب كما تعب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وتتفطر قدماه من طول صلاة القيام، بل وربما يتفطر قلبه وكل كيانه شوقا للدار الآخرة، غير مغتر بهذا التفطر الذي قد يصيبه، ظانا أنه ضمن مكانا لرجله في الجنان ففي البخاري ومسلم "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى" قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته".

فلا غرور بالعمل، بل تعب وزيادة شوق إلى تلك الجنان العالية، هذا هو التفاوت الحق، والتفاضل الضخم، والسبق السبق لمن أراد الوصول.

يحدو ويترنم راقصا بقبله:

وأخـو البصائر حـاضرٌ متيقظ متفـرد عن زمرة العميان

يسمو إلى ذاك الرفيع الأرفع الـ أعلى وخلى اللعب للصبيان

مفاتيح أبواب الجنة

ويزيد تعبه ونصبه وشوقه وترنمه، غير مصاب بزكام أهل الدنيا الذين يُحجب عنهم ريح الجنة، متذكرا لأنس بن النضر حين قال لسعد بن معاذ رضوان الله عليهما "واها لريح الجنة!! أجده دون أُحد"، يردد في نفسه مقولة أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: "البخيل كل البخيل من بخل عن نفسه بالجنة".

ويفكر في نهايته وكيف يدخلها، ومن أي طريق، ويأتيه حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله دعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام". فقال أبو بكر: والله ما على أحد من ضرر دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم".

ما أعلى همة أبي بكر الصديق، يفكر في الدخول منها جميعا!!، لكن من أين يدخل الداعية؟ هل من باب الصلاة؟ أم الصوم أم الجهاد أم غيرها؟!

قال ابن حجر في الفتح: "إن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها، بخلاف التطوعات، فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات".

وقال أيضا رحمه الله: "في الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة، وبقي من الأركان الحج، فله باب بلا شك، وأما الثلاثة الأخرى فمنها: باب الكاظمين الغيظ العافين عن الناس، رواه أحمد، ومنها الباب الأيمن وهو باب المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب، وأما الثالث فلعله باب الذكر، فإن عند الترمذي ما يومئ إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم والله أعلم".

فالمقصود هو كثرة التطوعات في هذه الأعمال - الصلاة والصوم وغيرها - بحسب كل عبادة يدخل المرء من بابها في الجنة، وليس المقصود القيام بما فرض عليه فقط، وهذا المعنى يقدح في ذهن الداعية سؤالا:

ما المفتاح الذي بيدي لأدخل منه بابا من أبواب الجنة؟

هل أنا متميز في صلاتي وتطوعي فيها، خاشع مكثر مقبل قائم متبتل؟ هل أنا ممن يصوم الصوم الكثير الخفي؟ أم هو رمضان وبضعة أيام متفرقة؟ هل أنا مكثر الصدقات ومن أهلها عند الله؟ وهل أنا من أهل الجهاد ومكتوب كذلك عند الله؟!

حدد من أين تريد أن تدخل، وجهز مفتاحك معك، وارسم من الآن لحظات وقوفك على تلك الأبواب، وتخيل نفسك، من أي باب سوف ينادى عليك!!

نعم للتخصص

إن التعميم في علاقتنا مع الله تعالى، وعدم معرفة تخصصنا العبادي، الذي عبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث بقوله: "فمن كان من أهل الصلاة.. فمن كان من أهل الجهاد... إلخ" هذا التعبير النبوي يدل على تخصص، وإبداع من صاحبه فيه، حتى يكون من أهله، إن التعميم الذي قد يعيشه المؤمن في علاقته مع الله تعالى تعميم يحرم المرء من أن ينسب لأهل الصلاة أو الجهاد أو العلم أو الذكر، ويعيش المرء سنوات طويلة في الإسلام والالتزام به، من غير أن يعرف تخصصه هذا، ولا يستعد للجنان وأبوابها الثمانية بأي مفتاح تعب فيه في الحياة الدنيا، إن هذا التعميم يحرم المرء من هذا النسب، ويجعله في مصاف العوام.

وإذا كان التطوير اليوم أمسى دندنة الكثير من الدعاة، فإن التطوير التخصصي العبادي جزء لابد أن يكون ضمن هذه الدندنة، بل سابق لها، فهي دندنة النبي صلى الله عليه وسلم وكل النبيين من قبله عليهم الصلاة والسلام، لا أن نهتم بالتطوير الإداري ونعطي الداعية مفاتيح للتعامل مع نفسه، ومفاتيح للتعامل مع الآخرين، ومفاتيح للتعامل مع المجتمع، ونهمل مفاتيح التعامل مع أبواب الجنة.

فاصنع أخي مفتاحا واتعب فيه، وتفنن في أسنانه، وزد وتنفل واقترب وانصب، واعرف بابك تنل مرادك، وتيقن أن الله موفقك، فدق الباب من الآن وكن الملحاح النجيب، أو كن كأبي بكر الصديق، واجمع المفاتيح واغنم بدخولك معه الأبواب الثمانية.

اقرأ أيضا:

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع