|

|
|
غلاف كتاب نظرية المقاصد
|
منذ
أحس علماء الملة -بعد الصدر الأول
للإسلام- بالانفصام بين التعاليم
الصحيحة للإسلام وواقع المسلمين
المؤسف، وجهودهم متصلة لرأب ما
تصدع، وإعادة ما تهدم.
ولأجل
ذلك لم يخلُ زمن من الأزمان من علماء
محققين، وفقهاء راسخين، يجددون
للناس من العلم ما درس(1)،
ويوضحون لهم من الفقه ما التبس.
فقد
حدث - خاصة في العصور المتأخرة -
انفـلات كبير في القيم، وانقلاب
مـدو في ميزان الأولويات، فضُيعت
المعاني والأحكام، وروعيت المظاهر
والأشكال!.
والنتيجة
أن المسلم المعاصر وقع في إشكاليات
عديدة، وأضحى في أمس الحاجة إلى
معرفة المقاصد العليا للشريعة لتأخذ
مكانها اللائق في ثقافته حتى يستعيد
العقل عافيته من جديد.
لقد
استمد العلماء معارف لا حصر لها من
القرآن الكريم والسنة المطهرة،
وكـان من أهمها "علم مقاصد
الشريعة" وهو الذي عن طريقه
يستطيع المسلم النفاذ من منطوق النص
وظاهره إلى مقصده ومرماه، فهو من علم
أصول الفقه الذي قال عنه ابن القيم -رحمه
الله- في "إعلام الموقعين": "إنه
العلم الذي يدخل على القلوب بغير
استئذان".
وكان
من رواد هذا العلم الإمام الشاطبي
رحمه الله، فقـد بنى بكتابه الفذ "الموافقات"
هرما شامخا للثقافة الإسلامية، قال
عنه العلامة رشيد رضا: "لا ند له في
بابه" وقال: إن صاحبه "من أعظم
المجددين في الإسلام".
ماذا
نعني بفقه المقاصد؟
إن
الصفة الحقيقية التي تؤهل صاحبها
لأن ينوب عن غيره، ويتكلم باسمه، هي
أن يكون عارفا خبيرا بمقاصده -على
الجملة والتفصيل- وأما ما عدا ذلك
فأمور مساعدة، فالمجتهد الذي يحكم
ويفتي باسم الشارع، لا بد أن يكون
عالما تمام العلم بمقاصده العامة،
وبمقاصده في المسألة التي يجتهد
فيها ويحكم عليها.
فماذا
نعني بفقه المقاصد تحديدا؟ وما
أهمية معرفة المقاصد في حياتنا؟
يقول
العالم المغربي، الأستاذ أحمد
الريسوني في رسالته عن "نظرية
المقاصد": "تعاريف العلماء
متقاربة، فعند الشيخ ابن عاشور: هي
المعاني والحكـم الملحوظة للشارع في
جميع أحوال التشريع أو معظمها، أي
إنها الغاية والأسرار التي وضعها
الشارع عند كل حكم من أحكامه".
أما
شيخ المقاصد أبو إسحاق الشاطبي،
فيؤكد في كتابه "الموافقات" على
أن الأعمال الشرعية ليست مقصودة -في
أحيان كثيرة- لنفسها، وإنما قُصد بها
أمور أخرى، هي معانيها والمصالح
التي شُرعت لأجلها.
وقد
كان العلماء يضعون لائحة طويلة
بشروط الفقيـه المجتهد، إلى أن جاء
الإمام الشاطبي وحصر أول شرط لبلوغ
درجة الاجتهاد في "فهم مقاصد
الشريعة على كمالها".
إذن
فمعرفة أسرار النص وأولوياته نهجٌ
اجتهـادي عريق في تراثنا الفقهي؛
لأنه بلا شك نابع من طبيعة الشريعة
نفسها، ومشهود له في نصوصها
وقواعدها.
وللشاطبي
ولع شديد، وعناية فائقة بهذا الأمر
خلال وضعه لعشرات القواعد التي تنير
لنا الطريق، والتي عن طريقها نعرف
مقاصد الشارع ومقاصد المكلف ونربط
بينهما، وهو بذلك قدم لنا خدمة جليلة
تستحق العناية والدرس، ومنها تلك
القواعد:
-
وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد
في العاجل والآجل معا.
- الضروريات
هي التي لا بد منها في قيام مصالح
الدين والدنيا، بحيث لو فُقدت لم تجر
مصالح الدنيا على استقامة، بل على
فساد وتهارج، وفي الآخرة فوت النجاة
والرجوع بالخسران المبين.
- المفهوم
من وضع الشارع أن الطاعة والمعصية
تعظم بحسب عظم المصلحة الناشئة عنها.
-
وقد عُلم أن أعظم المصالح: جريان
الأمور الضرورية، وأن أعظم المفاسد:
ما يجُر إلى الإخلال بها.
- بحسب
عظم المفسدة، يكون الاتساع والتشدد
في سد ذريعتها.
- اجتناب
النواهي آكد وأبلغ في القصد الشرعي من
فعل الأوامر، ودرء المفاسد أولى من
جلب المصالح.
- الأصل
في العبادات - بالنسبة للمكلف -
التعبد، والأصل في أحكام العادات
الالتفات إلى المعاني.
- خلق
الدنيا مبني على بذل النعم للعباد،
ليتناولوها ويتمتعوا بها، وليشكروا
الله عليها.
- الأصل
في الأحكام الشرعية الاعتدال
والتوسط بين طرفي التشديد والتخفيف.
لقد
كان الفقهاء -مُذ نشأ الفقه-
مقاصديين في تفكيرهم، بالتصريح حينا
وبالتلميح حينا، لكن الشاطبي وضع
القواعد وبين المناهج، فتمت النقاط
على حروفها، واستبانت الطريق على ســـالكها" (2).
مجالات
العمل المقاصدي
1-
النصوص والأحكام بمقاصدها:
جمهور
العلماء يأخذون بهذا المبدأ إلا
الظاهرية، بيْد أنهم يتفاوتون في
مدى العمل به، فالزكاة مثلا إذا وجبت
في الدراهم فأداها صاحبها حنطة لا
تجوز عند الشافعي، لكن الأحناف
يجوزونه لأن مراد النص سد خلة الفقير
ودفع حاجته وقد حصل.
وعلى
هذا الأصل مضى ابن القيـم في عدد من
اجتهاداته، فقد قال عن صدقة الفطر
التي فرضها النبي صلى الله عليه وسلم
صاعا من تمـر أو صاعـا من زبيب أو
صاعا من أقط، قال: "وهذه كانت أغلب
أقواتهم بالمدينة، فإذا كان أهل بلد
أو محلة قوتهم غير ذلك، فإنما عليهم
صاع من قوتهم .. إذ المقصود سد خلة
المساكين يوم العيد...".
وهذا
الاجتهاد قائم عموما على التعليل
المصلحي مع عدم الوقوف على النص
الظاهري.
2-
اعتبار المآلات:
إنها
أهم القواعد التي ذكرها الشاطبي
والتي نقف عندها قليلا، وهي تعني:
تقدير الإنسان لعواقب ومآلات أفعاله
لتبلغ الأحكام مقاصدها، وتفضي
التكاليف الشرعية لأحسن مآلاتها.
والسنة
النبوية تسعفنا بالتوضيح بتطبيقات
هادية في هذا الباب، منها:
-
امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن
قتل المنافقين مع علمه بهم
واستحقاقهم لذلك، وقـال: "أخاف أن
يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"
متفق عليه.
–
تخلى صلى الله عليه وسلم عن إعادة
بناء البيت الحرام حتى لا يثيـر
بلبلة بين العرب، وكثير منهم حديثو
عهد بالإسلام، وقال لعائشة "لولا
حدثان قومك بالكفر لفعلت" موطأ
الإمام مالك.
-
عندما بال الأعرابي في المسجد وقام
الصحابـة لزجره ومنعه، قال صلى الله
عليه وسلم: "لا تُزرموه، دعُـوه
..." البخاري ومسلم. [تزرموه، أي:
لا تقطعوا عليه بوله].
فلولا
مراعاة المآلات والنتائج لوجب قتل
المنافقين، وإعادة بناء البيت على
قواعد إبراهيم، ومنع البدوي من
إتمام فعلته الشنيعة.
لكن
الفعل الأول كان سيفضي إلى نفور
الناس من الإسلام، والثاني يؤدي إلى
اعتقاد العرب أن النبي صلى الله عليه
وسلم يهدم المقدسات، والثالث ليس
فيه إلا أن ينجس البائل ثوبه وجسده
وربما تضررت صحته.
بشاعة
الفكرة وعنف الدعوة
وقبل
أن نغادر هذا الوادي نحب أن نختم
حديثنا بالحديث عن العنف، وذلك
للتأكيد على أن "بشاعة الفكرة لا
تعني عنف الدعوة".
فما
جرى لبعض الإسلاميين من عمل يتسم
بالعنف في أماكن شتى لم يكن مفاجئا،
ففي هذا السياق تحركت بعض الاتجاهات
الإسلامية التي قرأت الإسلام على
عجل في آيات الجهاد، وفي الحديث عن
الكفار، وربما قرأت بعض التاريخ
الذي يتميز بالعنف، فوصلت إلى
النتيجة التي تحاول أن تختصر الطريق
إلى الهدف بعمل عنفي قد يرضي الحالة
النفسية في داخلها، بقطع النظر عما
إذا كان سيؤدي إلي نتائج في مستوى
الهدف أو لا يؤدي.
وهذه
هي مشكلة هذا الاتجاه في فهم الحركة
والدعوة، لأن المشكلة في بعض هذا
الفهم للإسلام -كما عبر السيد حسين
فضل الله- أنهم يخلطون بين شناعة
الفكرة وعنف الوسيلة، ولكن الإسلام
إذ كان يؤكد على سخافة الفكرة، فإنه
كان يعمل على أساس إنسانية الوسيلة،
وهذا ما نلاحظه في القرآن الكريم،
فعلى سبيل المثال عندما قال فرعون
أنه الله، هنا بشاعة الفكرة، فماذا
كان الأسلوب؟ قال تعالى لموسى
وأخيـه: (فقولا له قولا لينا لعله
يتذكر أو يخشى) [طه: 44] والله يعلم
أنه لن يتذكر ولن يخشى، ولكن ليقيم
الحجة عليه.
إذن
عنف الفكرة وبشاعتها لا يعني عنف
الدعوة، ولكن الذهنية غير المثقفة
وغير الواعية وغير المنفتحة، تخلط
بين عنف الفكرة وعنف الأسلوب الدعوي
في مقاومتها.
إن
ما يجري في تلافيف تلك الرغائب
العنيفة، أضر على الإسلام من أعدائه
المتربصين، فما حدث في أمريكا
وإسبانيا مثلا، هو أن هذا العمل -إذا
كان الإسلاميون قد قاموا به حقا- قدم
خدمة كبرى لأعداء الإسلام، لو بذلوا
المليارات لما استطاعوا أن يحصلوا
عليها!.
لقد
انفرد زبانية اليهود بالفلسطينيين،
يستبيحون دماءهم، ويستأصلون
خضراءهم، والضحية تذهب صيحاتها في
الفضاء وما من مجيب، فالمسلمون
إرهابيون، وقد قدموا بأيديهم الدليل
على ذلك.
أفلا
يستحق الإسلام منا التفكير في مآلات
هذه الأعمال الكارثية؟!.
إن
الفهم الذي يعتبر العنف هو وسيلة
التغيير الوحيدة، ليس فقها إسلاميا
كما هو الإسلام في مقاصده الدعوية
ورحابته الإنسانية، ولذلك هم يدفعون
إلى تأكيد فكرة الأصولية الإسلامية
وأن الإسلام "أصولي"، وهنا يجب
أن نقول: إن الأصولية -في الفكر
الغربي- تقوم على عنصرين: العنصر
الأول: إلغاء الآخر. والثاني: اعتبار
العنف وسيلة وحيدة للعمل.
ونحن
عندما نقرأ خطاب الإسلام لأهل
الكتاب -الآخـر- نرى أنه أمر بالقسط
معهم طالما كنا في إطار الدعوة، يقول
سبحانه: "وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل:
125].
ولقد
خلـد القرآن لنا تلك الاتهامات التي
وُجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
حتى في عقله، فعندما كانوا يقولون
عنه أنه مجنون، لم يكن يرد بعنف، بل
كان يدلهم على المنهج الذي يؤدي إلى
التفكير السليم : "قل إنما أعظكم
بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم
تتفكروا" [سبأ: 46]، كأنما يقول لهم:
انفصلوا عن هذا الجو الانفعالي -والذي
يلغي للإنسان عقله- وتفرقوا واحدا
واحدا، اثنين اثنين، وفكروا في
أسلوبي وكلماتي وسوف تصلون إلى
النتيجة.
إذن
كانوا يتهمونه ويكذبونه ويسخرون
منه، وكان يدلهم على المنهج!.
والنتيجة
أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان كل
يوم يكسب أرضا جديدة، فالنصر حليف
المؤمنين فيما مضى من الزمان وفيما
بقي من أيـام، شريطة أن يتشبعوا
بالمؤهلات النفسية والفكريـة
اللائقة، فإن كسدت بضاعتهم،
وتشرنقوا في ضيق تفكيرهم، فلن
يحققوا يوما أملا، ولن ينالوا من عدو
نيلا.
اقرأ
أيضا:
**
باحث تربوي وكاتب في صحيفة الخليج
الإماراتية
(1)
درس
الرسم: عفا، ودرس الثوب: أخلق،
"مختار الصحاح" ص 85.
(2)
أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند
الإمام الشاطبي، ط2، الدار
العالمية للكتاب الإسلامي،
الرياض،1992، باختصار يسير.
|