إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

دعوة إلى أسلمة المساجد!!

عبد الله الطحاوي- 02/05/2005

افتقدت رسالتها الأصيلة

إننا دائمًا في حاجة إلى عالم مدَّخر وبقعة أرض لها زمان ومكان مستقل، واتصالها بزماننا ومكاننا هو اتصال ضبط وقياس، وإعادة تدفئة للقيم التي قد تصيبها البرودة من جراء العادة وطول الأمد.

والمسجد هو ذلك المكان الذي تسكن إليه الجبهة ساجدة لله، تعبيرًا عن منتهى العبودية ومنتهى التنسك والافتقار؛ لتذوب في حرارة السجود كل الأهواء والرغائب، فالسجود هو ملخص ومنتهى العبادة، واختصار لكل صور التقرب إلى الله تعالى، ونقطة التحام الدنيا بالآخرة، والغيب بالشهادة، والأرض بالسماء.

وإذا كانت السجدة هي أخلص درجات العبودية، فهي أيضًا أشمل معاني الجماعية؛ لذا كان طبيعيًّا أن يختزل القرآن كل هذه العمليات في اسم يخلعه على دار العبادة ليكون "مسجدًا"، وكأنه صرح بالاسم وترك المعنى والدلالة تورق بتوالي الصلوات وتتابع السجدات.

المساجد وقف للجماعة المسلمة

فالمسجد نسك تعبدي ومضمون اجتماعي جامع، ولهذه المعاني ولتلك الدلالات كانت المساجد لله سبحانه الذي أذن أن ترفع ويُذكَر فيها اسمه، وهي مملوكة له "وأنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا"، وهذا يعني تثبيت وقفيتها للجماعة المسلمة، وبذلك قُرِّرت أولى وثائق العمل الأهلي في الإسلام.

والمسجد بناية تتوسط الأحياء والعمران، ومن خلاله تتفرع الشوارع وتُرسَم الأبعاد وتقسَّم المدينة، حيث يحتل فيها البقعة العَلَم، وهو بهذا التوسط الجغرافي يمارس وظيفته التاريخية، وعبر مآذنه يقوم بالإشراف على الجميع، ومن خلال النداء يأتي الكل ذرافات ووحدانًا وهم يمشون غير مسرعين ولا متباطئين، بعد أن سكبوا الماء الطهور على مواضع السجود، يقطعون الطريق إليه بخطوتين: إحداهما تحطّ خطيئة والأخرى ترفع درجة.

والمسجد هو مكان مهيأ هندسيًّا لاجتماع الناس وانكشافهم لبعض، حيث يتحول المسجد إلى جامع لهم، مذيب للطبقية، مقيم للجماعية، حيث لا مكان للحيثيات والرسميات، وليس هناك مقصورات ولا درجات، فلا انتماء إلا للقبلة، ولا توجه إلا إلى الله عز وجل.

يقول الرافعي: "المسجد تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب".

لذلك فالتركيبة التاريخية للمسلم مدينة للمسجد في نسيجها النفسي والفكري وأصولها الحضارية، فهو الذي حفظها من الزوال ووقاها من الاندثار.

وفي المسجد يتحالف الجميع حول تكبيرة الإحرام، فالكل يلتقي على اختلاف المشارب والمذاهب في وحدة واحدة ملتحمة، الكتف في الكتف، حيث لا فواصل، وحيث يبدأ كل فرد بالثناء على المولى عز وجل معلنًا انتسابه للجماعة المؤمنة المسجدية "إياك نعبد" والذي يهتم لأمرها، ومن ثَم يطلب العون والمدد "وإياك نستعين"، وكذلك يطلب الهداية لها وهو داخلها "اهدنا الصراط المستقيم". فالجماعة المسجدية هي جماعة متعاونة متآخية تلتقي على أهداف عامة، ومؤهلة للواجب العام.

استقلالية الزمان والمكان

وتبدو قصة بناء المسجد النبوي في موضعه تبيانًا حقيقيًّا لوظيفة المساجد وأثرها في حياة المجتمع المسلم. فقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم عند تأسيسه للمسجد النبوي في المدينة أن يقتطع من المكان والزمان موضعًا يؤسس عليه بناء متواضعًا مستقلاًّ عن الرغبات التي حاولت عن صدق اقتطاع بيوتها وأعز ما تملك لتهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم عليها مسجده، ولكنه ترك حبل ناقته، ونادى في أصحابه: "دعوها فإنها مأمورة".

وهو بذلك -وبدون أن يتكلم- أراد أن يؤسس للمساجد وظائف مقصدية لا تتغير ولا تتبدل، وهي أنها توحد بين جميع المشارب والتوجهات دونما تمييز، وهو ما وعاه المسلمون على مر التاريخ، فسرعان ما أطلقوا على المسجد لفظة "جامع".

ولا يعني هذا الانقطاع الزماني والمكاني أن تكون المساجد منسلة عن الزمان والمكان الذي اقتطعت منه، بقدر ما هو تأسيس لمكان وزمان مستقل عن الأماكن والأزمنة التي يعيشها المسلمون، تكون معيارًا وضابطًا للمكان والزمان ليشمل الأرض كلها؛ لتصبح مسجدًا وتربتها طهورًا، وتصير اللحظة المسجدية تاريخًا ممتدًّا يعبر الأجيال والقرون زمنًا، ومكانًا يمحو ما حقه المحو، ويثبت ما حقه الإثبات.

من "القبيلة" إلى "القبلة"

وبارتفاع المسجد النبوي تحول محور ارتكاز اجتماع المسلمين من "الخيمة" وحدة بناء القبيلة، إلى "المسجد" وحدة تأسيس الأمة، ومن مفهوم "القبيلة" إلى مفهوم "القبلة"، ومن أخوة العصبية والعائلة إلى أخوة الفكر والعقيدة والمصير، ومن أبوة "قيسأو تميم" إلى "أبي الإسلام لا أب لي سواه".

كما أن استقلالية الزمان والمكان تفرضها النسك التعبدية، بمعنى أنه إذا كانت اجتماعيات الناس تقبل التفاضل بالأنساب، فإنه في النسك المسجدي لا محل لمثل هذه القيم، حيث يتقدم للإمامة الأحفظ، ويتصدر حلقات العلم الأعلم، كما أن الإسلام حرَّم داخل المسجد أمورًا مباحة خارجه، مثل البيع والشراء، ومثل الإعلان عن المفقود، حتى لا يخدش استقلالية المسجد.

وتمشيًا مع هذا التوجه نزع الإسلام من الناس السيطرة على المساجد، ضمانًا لثبات الركائز التي أقيمت عليها، وحتى لا يسيطر أحد على مجتمع القبلة، وبالتالي يفقد وقفيته الإلهية، ويتحول إلى مؤسسة سلطوية، سواء ذات نفوذ كهنوتي أو سياسي، وهو ما حدث مع بعض الديانات الأخرى.

ولكن الخيام عادت!

يقول الشيخ رشيد رضا في تعليق له عن شيوع المذهبية داخل المساجد: "حدث أن جاء زمان يطالب فيه شيوخ الشافعية مفتي طرابلس الشام أن يقسم بينهم وبين شيوخ الحنفية المساجد؛ لأنهم يعدونهم كأهل الذمة!!!".

المشكلة هنا ليست في إقرار التحزب داخل المساجد من عدمه، ولكن الأخطر هنا أن تكون المساجد هي نقطة ارتكاز هذا التحزب داخل الأمة، وبث الضرار في جموعهم.

فعودة الخيام مرة أخرى داخل المساجد -سواء بالصورة العشائرية القديمة أو بالصور الحزبية المستحدثة- تعني افتقاد استقلالية الزمان والمكان، وهو ما مهّد السبيل لأن تتحول المساجد إلى أندية حزبية، حيث صار الكل يتبارى في إعلان أحقيته في ممارسة سلطته على المساجد، ومن ثَم فمن حقه أن يحولها إلى معرض ملصقات لحزبه، أو يحولها لمقر تنظيمي له!!.

كما بدأت التصنيفات والمسميات تنسحب على المساجد، فهذا المسجد حكومي، وهذا للاتجاه "س" وذاك للاتجاه "ص"، وفي هذا المسجد عقائد بلا سياسة، وهنا سياسة بلا عقائد، هنا تُشكَر الحكومة وهناك تُكفَّر!!.

وبالتالي فقد المنبر استقلاله أيضًا، حيث تحول إلى إعلام ودعاية وترويج، وتصفية للحسابات أحيانًا، بل وصل الأمر إلى أن تحولت المساجد في بعض ديار المسلمين إلى ثكنات عسكرية مملوءة بصناديق الذخيرة، وفي حرمها تدور المعارك.

وبهذه الممارسات صار يُدعى مع الله في المساجد آحاد وليس أحدًا واحدًا؛ لتعود العصبية أدراجها، حيث تسربلت القبلة بالقبيلة، واستحالت البناية المسجدية الفخيمة إلى خباء صحراوي، وإن ارتفع في أرقى المدن وأضخم العواصم.

ويحدث هذا والجميع لا يدرك أن الإصرار على هذه التحزبات داخل المساجد، والإصرار على قيام هذه المشروعات بهذا الشكل الحزبي الفج هو إفشال لمشروع الإسلام ذاته، وبدلاً أن تكون المساجد موضع تأسيس الوحدة، صارت نقطة انطلاق التفرق والتحزب.

حتى تعود المساجد إسلامية

نحن في أمس الحاجة إلى تأسيس فقه جديد يتواكب مع حالة التخبط وعدم الانضباط داخل المساجد، فقه مهمته هو تنظيم الوظيفة المسجدية، وضبط الحركة داخلها، بحيث يعود المسجد إلى وقفيته الإلهية، ويكون لبنة أساسية وركيزة في تأسيس العمل التراحمي والاجتماعي، وبالتالي يكون مؤهلاً للقيام بالأدوار المنوطة به (الوظيفة التعبدية، والوظيفة العلمية، والوظيفة الاجتماعية)، وهي الأدوار التي قام بها على مر التاريخ، خصوصًا في مراحل الألق الحضاري والتي حُرم منها في أجواء عصور الظلمات والتراجع الفكري، حيث تغلق المساجد بعد الصلوات بالأقفال، أو تغلقها الفرق والمذاهب بالتحزبات.

كما يجب أن يؤسس الفقه لاستقلالية المساجد، بحيث تكون متبوعة لا تابعة، أداة جمع لا تفريق، ومن هنا يجب أن تنزع السياسة الحزبية المباشرة من المسجد، فإذا كان من شروط العمل الأهلي والنقابي هو خلع الرداء الحزبي والانتماءات الأيدلوجية، فمن باب أولى أن يتم ذلك في المساجد، باعتبارها أهم مؤسسات العمل الأهلي وركيزته والتي تشرف عليه الأمة لا الدولة.

ما أحوج رواد المساجد إلى تعلم فضيلة الإفساح في المجالس والحلقات والأنشطة والممارسات لبعضهم البعض، فلا إقصاء لأحد، ولا تفضيل لتجمع على تجمع، أو لمذهب على مذهب، ولا لشخص على شخص، ولا لعلم على علم طالما أنه نافع للمسلمين.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع