|

|
|
طارق رمضان
|
قبيل
انتهاء شهر صفر من العام الهجري 1426،
قدم البروفيسور طارق رمضان أستاذ
الفلسفة الإسلامية بجامعة فريبورج
بسويسرا عريضة يطالب فيها علماء
المسلمين بتأييد دعواه لتعليق تطبيق
الحدود، داعيا إياهم لتجاوز الفهم
الضيق للشريعة والنظر لأطر التطبيق
التي يتجاوزها واقع انعدام العدل
وانتفاء عدالة التوزيع، وسيادة
الجور السياسي، وهو ما يجعل ثمة
تجاوزات مقيتة تشوب عملية تطبيق
الحدود بصفة خاصة، وهو ما يجعل هذا
التطبيق تجاوزا لتعاليم الإسلام
نفسها.
ذلك
كان مختصر رسالة
البروفيسور طارق رمضان حول تعليق (موراتوريوم)
تطبيق الحدود، والتي اختلط فيها
الخطاب الإسلامي المتفتح بقدر من
المغالطات المنهجية التي تحتاج
مراجعة، والتي اخترنا منها مساحة
حضور "الغرب" وحدوده، في دعوة
رمضان لتعليق الحدود، فهي من أهم
القضايا التي تحتاج وقفة ومناقشة.
"الغرب"
هو الجمهور المستهدف
قد
يكون من الصعب القطع بهذه المساحة
على أهميتها، لكن المتوصل إليه من
تفكيك خطاب البروفيسور طارق رمضان
أنه يتحدث كمسلم غربي غيور على دينه
الذي يواجه تساؤلات حادة من الجمهور
الغربي، محورها الاستفسار عن كيفية
تقبل المسلمين لتلك الوحشية والقسوة
التي يتم بها تطبيق الحدود في الدول
التي تطبق الحدود، والتي لا تزيد عن
ثلاث دول.
ولعل
الذكاء في طرح طارق رمضان أنه طالب
بمراجعة تطبيق الشريعة، لا في ضوء
لياقتها للعصر الحديث، بل في ضوء عدم
لياقة أطر التطبيق. ولعل العبقرية في
الصياغة تتمثل في قوله في مستهل
دعواه: "يتعرض المسلمون عموما،
والجاليات الإسلامية على وجه الخصوص
لسؤال أساسي وإن بات روتينيا من فرط
ما طُرح على طاولة البحث، وهو يتعلق
بتطبيق العقوبات ذات الصلة بقانون
العقوبات الإسلامي".
ويوضح
طارق رمضان نسبية طرحه بعرضه في
السياق الغربي، حيث يحتاج طارق
رمضان لتوضيح أمر مهم للجمهور
الغربي، ألا وهو أن قانون العقوبات
الإسلامي مرهون بأطر اجتماعية
وسياسية وثقافية، ومن ثم فإن الغرب
لن يشهد يوما يتم فيه مناداة مسلمي
أوربا بتطبيق هذا القانون في السياق
الغربي.
وكان
من ملامح العرض المهمة ما أشار إليه
طارق رمضان من مناقشة لياقة "أطر
التطبيق" ومراجعة تقنين الشريعة
في ضوء ملابسات التطبيق، حيث يوضح
للجمهور الغربي أن هذه المساحة
المتمثلة بقانون العقوبات الإسلامي
محل مراجعة وليست مطلق منزه عن
التغير مع تغير السياقات الاجتماعية
للتطبيق. وهذا ما يحتاج الجمهور
الغربي لمعرفته والاطمئنان إليه،
إلا أن مسلمي الغرب لا يتنصلون من
هذه العقوبات تهربا.
ولعل
ما يؤكد الطرح الذي ذهبنا إليه، ما
أشار إليه البروفيسور طارق رمضان
نفسه بقوله: "إن بعض المسلمين
الغربيين عادة ما يختبئون خلف
طروحات من نوع أن تطبيق الحدود أو
الشريعة ليس واجبا عليهم بما أنهم في
موقع الأقلية (...) إن عليهم مسئولية
هائلة لمحاولة إصلاح الأوضاع
الحالية، وذلك بالعمل على فتح باب
النقاش حول تلك المسألة وأن يدينوا
كل الممارسات الظالمة التي ترتكب
باسم الإسلام".
وبالرغم
من أن دعوى التجديد هذه تمت على
الأرضية الغربية، فإننا ينبغي ألا
ننسى لدعوى طارق رمضان أنها أكدت على
ضرورة مناقشة إطار التطبيق ولياقته،
وليس مناقشة لياقة نصوص الشريعة،
فهذا التأكيد يشير إلى أن دعوى طارق
رمضان مطروحة على أرضية الاجتهاد في
إطار الشريعة، وليست لفتح باب
النقاش حول لياقة الشريعة، حيث يقول:
"النقاش لن يدور حول العلاقة مع
النصوص، ولكن بشكل متساو: علاقة النص
بالإطار الذي يطبق فيه".
المجتمع
الدولي بين التدخل والنقاش
أثارت
ورقة الدكتور طارق رمضان مشكلة مهمة
جعلت ثمة حدة في التعاطي معها على
المستويات المحلية، هذه المشكلة
تتمثل في تضمن دعواه ما يشبه
الاستغاثة بالغرب للتدخل لوقف تطبيق
الشريعة وتعليقها، حتى يتم الانتهاء
من النقاش حول سلامة التطبيق.
والواقع
أن النص الذي تضمنته الترجمة
العربية لورقته، والموجودة على
موقعه به مفارقة تستحق التوقف. فمن
ناحية يقول البروفيسور طارق رمضان:
"إن المجتمع الدولي عليه مسئولية
مساوية واضحة لأن ينخرط في النقاش
حول موضوع الحدود في العالم
الإسلامي"، والملاحظ أن المساحة
المرسومة لدور المجتمع الدولي في
هذه الفقرة تتمثل في الانخراط في
النقاش وحسب، فهل اقتصرت دعوى
البروفيسور طارق رمضان على هذه
المساحة؟ والإجابة – للأسف –
بالنفي.
فمن
ناحية ثانية يقول البروفيسور طارق
رمضان في نفس الورقة وفي نفس الفقرة:
"إذا كانت هناك دولة فقيرة في آسيا
أو إفريقية تسعى لتطبيق الحدود أو
الشريعة، فإنها سوف تواجه حملات
عالمية كما رأينا مؤخرا، بينما
الأمر ليس كذلك بالنسبة للدول
الغنية والممالك النفطية، وتلك
الدول التي تصنف في خانة "الحلفاء"
حيث تأتي الإدانات حيال الأخيرة
بشكل خجول وربما لا تأتي على
الإطلاق، على الرغم من التطبيق
الحاصل باستمرار لهذه العقوبات
والذي يستهدف الفقراء والفئات
المجتمعية الأكثر ضعفا. وبالتالي
قوة الإدانة بحسب المصالح التي
تتعرض للخطر، وهذا أمر آخر لا يتسم
بالعدالة".
العدالة
التي يبحث عنها البروفيسور طارق
رمضان عدالة الإدانة. أي إن الأمر
تجاوز مساحة النقاش لصالح موقف
الإدانة. يقول البروفيسور طارق
رمضان: "إن الإدانات تتم حتى الآن
بشكل انتقائي، وتسعى بالأساس لحماية
وخدمة مصالح اقتصادية وجيو
إستراتيجية"، فهل نشم رائحة
استعداء في هذه العبارة ؟.
مساحات
غربية يجب التمييز بينها
لا
شك في أن خطاب المسلم الغربي سيختلف
عن خطاب المسلم المقيم في البلاد غير
الغربية، فنحن المسلمين العرب حين
نتعامل مع قضية بمثل هذه الحساسية
نقوم بالتمييز بين ثلاث مساحات
غربية:
أ-
المساحة الأولى: مساحة الإنسان
الغربي، وهو ما نتواصل معه بغرض
حمل أمانة الدعوة إليه.
ب-
المساحة الثانية: مساحة المنجز
التقني والقيمي الغربي، وهو ما
نتواصل معه بغرض انتقاء ما يلائمنا
منه واستيراده.
جـ-
المساحة الثالثة: مساحة المشروع
الاستعماري الغربي، وهو ما لا نرغب
في التواصل معه، بل نرفضه ونصر على
رفضه.
قد
تختلف الآراء في بلداننا حيال
المساحة الثالثة، فبعض القوى
الوطنية تؤيده في إطار خطاب استغاثي
ضاق ذرعا بالحلقات المفرغة
للاستبداد في بلداننا العربية
والإسلامية، وهو ما لا يمكن إنكاره،
إلا أن الأصح والأفضل أن نتحمل نحن
العرب والمسلمين ثمن رغبتنا في
الإصلاح والتغيير.
أما
مسلمو الغرب فلا يتعاملون مع هذه
القضية بمثل هذه الحساسية، حيث إن
لديهم تسوية يقومون في إطارها
باعتبار أنفسهم جزءا من الغرب غير
مبتوت الصلة بمسلمي الشرق، وهو ما
يعني أن إمكانية التدخل الغربي
لديهم في شئون دول المسلمين شيء
عادي، لكنه مشروط بالعدل. ولعل
الحلقة الوسيطة في هذه التسوية ما
ورد في قول طارق رمضان نفسه: "إن
أولئك المسلمين الذين يعيشون في
فضاءات من الحرية السياسية،
ويستطيعون الحصول على التعليم
والمعرفة، عليهم - باسم التعاليم
والمقاصد الإسلامية - مسئولية هائلة
لمحاولة إصلاح الأوضاع الحالية،
وذلك بالعمل على فتح باب النقاش حول
تلك المسألة، وأن يدينوا، ويسعوا
لوضع حد لكل الممارسات الظالمة التي
ترتكب باسم الإسلام".
والمقارنة
الأولية تثبت تماهي أدوار الغرب مع
أدوار مسلمي الغرب، وهو ما يرتب وقفة
حين يتم التعاطي الإيجابي مع الفكرة.
رأي
الغرب في نقد الشريعة
من
الملامح المهمة في خطاب طارق رمضان
ذلك الوزن النسبي المهم الذي يوليه
للغرب غير المسلم، من تعليقات حيال
القضايا التي تهمهم في الإسلام
وتطبيقاته، يقول طارق رمضان: "إن
حركة الإصلاح من الداخل التي
يتولاها المسلمون أنفسهم، وباسم
رسالة الإسلام، يجب ألا تغض الطرف عن
الاستماع لما يقوله الآخرون، وكذلك
الاهتمام بالتساؤلات التي تدور في
عقول غير المسلمين حيال الإسلام".
وفي موضع آخر يقر لغير المسلمين بصفة
عامة بحق الإسهام في النقاش حول
الإسلام وتطبيقاته، يقول د. طارق
رمضان : "على الجميع أن يسعوا
للاستماع لوجهة نظر الآخر ولأطرهم
المرجعية ومنطق أطروحاتهم وكذا
طموحاتهم".
والواقع
أن هذه الدعوة بالغة الأهمية، إذ
إنها دعوة لشرعنة أساليب تزويدنا
برأي الآخر في ممارساتنا لديننا. نحن
جميعا نعلم أن للغرب رأيا في هذا
الدين، ولغير المسلمين في مجتمعاتنا
رأي في هذا الدين، ونحن لا نفتح
القنوات الكافية لهم ليعبروا عن
رأيهم في ممارساتنا لديننا، ومن ثم
يصلنا رأيهم شائها عبر مجموعة من
المرشِّحات التي قد تفسد جوهر
أطروحتهم.
إن
هذه الدعوة دعوة لنا لنفتح قنوات
تواصل ونقاش وتعبير لغير المسلمين
عن رؤاهم في ممارساتنا لديننا،
ونحن المستفيدون من هذا الوضع، فنحن
الذين سنجوِّد من أسلوب طرح الإسلام
للدعوة، لعلنا بذلك نطور إقامتنا
للحُجَّة على العالمين، حتى لا
يؤاخذنا الله بالتقصير في توصيل
دينه للبشرية جمعاء.
ومع
هذا، فإنني أرى أن طرحا كهذا لن
يتجاوز استطلاع رأي غير المسلمين
في طريقة التدين أو تطبيق الإسلام،
فما دون ذلك هو موضوع علوم العقيدة
ومقارنات الأديان. ولعل نفس الرؤية
ما رآها البروفيسور طارق رمضان
حين صرَّح بأن التواصل مع الغرب
للاستماع لرؤاه حيال ديننا "لا
يعني الانحناء أمام الاستجابات
الآتية من الآخر (الغرب) وإنما من أجل
أن تظل أمام نفسها تدرك أن إيمانها
بناء".
والله
من وراء القصد.
اقرأ
أيضا:
**
داعية
وباحث مصري
|