|
كانت
إحدى مشكلات المسلمين الكبرى في
العقود الأخيرة الماضية تتمثل في
الفهم القاصر للإسلام، فقد انحصر
مفهومه في الأذهان ليصبح مرتبطًا
بالشعائر التعبدية أما باقي جوانب
الحياة من سياسة واقتصاد وتعليم
واجتماع فلم يكن له فيها نصيب.
ومع تصاعد تيار الصحوة وبخاصة في السنوات الأخيرة مع انتشار الفضائيات والشبكة العنكبوتية، ووسائل الإعلام المختلفة، أصبح من الطبيعي أن يُدلي رجل الشارع بدلوه في كثير من القضايا، بل ويُحسن الحديث عنها.
فهم
ولا عمل
ولكن
مع هذا التحول العظيم تجاه الفهم
الصحيح للدين إلا أن هذا لم يواكبه
عمل بمقتضى هذا الفهم، فالكثير يعلم
ما ينبغي عليه أن يفعله لكنه لا يقدر
على فعله. الكثير عنده تصور واضح عن
دوره كأب، أو كزوج، أو كجار، أو
كمسلم، لكنه لا يجد لديه عزيمة أو
همة أو قوة تدفعه لذلك، لتصبح
المشكلة الكبرى التي يعاني منها
المسلمون الآن هي كيفية تحويل هذا
الكم من العلم إلى عمل. كيفية القيام
بفعل ما يرضي الله عز وجل، فهو
سبحانه يريد منا أن نغير ما بأنفسنا
ليغير ما بنا ويستبدل غضبه برضاه،
ويعيد لنا مجدنا السليب.
إذن
فالمطلوب الآن هو البحث عن مصدر فذّ
لتوليد القوة والطاقة التي تدفع
صاحبها إلى تحويل العلم إلى عمل،
وبالتأكيد لا بد أن يكون ذلك المصدر
نابعًا من داخل الشخص لا من خارجه
حتى يُصبح صاحبه ذاتيَّ الحركة.
ومن
خصائص هذا المصدر أنه لا بد أن يسع
الجميع، ويصلح لجميع الأفراد
باختلاف المستويات، ولا يمل منه أحد،
ولا يختلف عليه اثنان.
فأين
هو هذا المصدر؟
هل
هو خيال؟
ألا
توافقني أخي القارئ أن هذه
المواصفات أقرب للخيال منها إلى
الواقع.. أقرب إلى المعجزة منها إلى
أي شيء آخر؟.
نعم،
نحن باختصار نحتاج إلى معجزة، وإلا
فسيستمر الوضع على ما هو عليه،
وسيزداد الجانب المعرفي تضخمًا،
وتتسع الهوة بين العلم والعمل؛
وبالتالي ستزداد العقوبة الإلهية
علينا.
والآن
هل نتضرع إلى الله ونسأله تلك
المعجزة؟
ولكن
قبل أن نفعل، علينا أن نتذكر أنه قد
مضى زمن المعجزات.
فما
العمل إذن؟!
هل
نولّي وجوهنا شطر المعجزات السابقة
التي أنزلها الله عز وجل؟ هل ننتظر
عصا موسى أو ناقة صالح أو معجزة عيسى
لعل فيها ما يصلح لنا؟
ولكن
كل هذه المعجزات مرتبطة بزمان
وأشخاص وظروف أتت فيها.. ومع ذلك فقد
بقيت معجزة واحدة لم ترتبط بزمان أو
مكان أو أشخاص بذواتهم، ألا وهي
القرآن، تلك المعجزة التي كتب الله
لها الخلود، وجعلها صالحة للاستخدام
في كل زمان ومكان، وجعل سرها الأعظم
في قدرتها الفذة –بإذنه– على بث
الروح وتوليد الطاقة، وإحياء موات
القلوب، ألم يقل سبحانه: "وكذلك
أوحينا إليك روحًا من أمرنا"؟!.
المعجزة
المهجورة
فالقرآن
إذن هو الروح التي تحتاجها قلوبنا
فتوقظها من سُباتها وتدفعها لفعل كل
ما يرضي مولاها.
ومما
يدعو للأسف أن المسلمين قد تركوا
جوهر تلك المعجزة وهجروها، وانشغلوا
بلفظ القرآن وشكله فقط، ولم يحاولوا
الانتفاع بسره الأعظم، ولقد توارثت
الأجيال هذا التعامل الخاطئ مع
القرآن؛ لذلك فإنك لا تجد الكثير من
المسلمين متحمسًا ومقتنعًا بفكرة أن
القرآن هو الحل لمشكلاتنا، وأنه هو
الطريق الأكيد لعودة المجد للأمة،
فهم يظنون أن اهتمامهم بحفظ القرآن
وكثرة قراءته وإنشاء المدارس
لتحفيظه هو أقصى ما ينبغي عليهم فعله
مع هذا الكتاب، وأن دوره الأساسي
يتمثل في كونه مصدرًا للثواب
والبركة فقط، مع أن الأمر فوق ذلك
بكثير، فدور القرآن الحقيقي -باختصار-
أنه المصدر الذي نبحث عنه لتوليد
القوة الروحية، إنه المعجزة التي
ننتظرها ونبحث عنها "أولم يكفهم
أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم".
ولقد
أكرمنا الله عز وجل وتفضل علينا
بمشاهدة بعض من آثار تلك المعجزة،
ووجدنا في القرآن ما لا يمكن
للعبارات أن تصفه. وجدنا فيه الحلقة
المفقودة التي كنا نبحث عنها، وجدنا
فيه الروح والقوة الدافعة، وجدنا
فيه كل ما كنا نحتاجه وزيادة وزيادة،
واشتد ندمنا على سنوات العمر التي
قضيناها في ترديد الآيات وإنهاء
الختمات دون فهم أو تأثر، وأيقنَّا
بأن القرآن هو أفضل وسيلة لتحقيق
الذاتية وزيادة الإنتاج.
فيا
قومنا.. يا إخواننا.. يا أحبابنا..
القرآن بين أيدينا وينتظرنا جميعًا
ليبث فينا الروح، ويولد الطاقة،
ويدفعنا لتنفيذ برامجنا الإصلاحية،
القرآن ينتظرنا ليغيرنا ويبرم الصلح
بيننا وبين الله.
إنه
نبع عظيم نحن في أمسِّ الحاجة إليه،
ولن يبخل علينا أو يحرم أحدًا من
بركته، ولكننا للأسف معرضون عنه،
غير منتبهين لمعجزته، غير مصدقين
لما يُكتب عنه، بل ونقول بأنه كلام
مكرر فيه الكثير من المبالغة.
لهذا
–فبإذن الله وفضله– لن يهدأ لنا بال
حتى يصل الجميع إليه ويشاهدوا آثار
معجزته في أنفسهم ويدركوا قيمته
الحقيقية في قيادة الأمة بأسرها إلى
التغيير، وإلى أن يحدث ذلك سنستمر
بعون الله في الحديث والكتابة عنه
دون ملل أو كلل، ولو أفنينا أعمارنا
في ذلك.
وإذا
ما حركت -أخي القارئ- قدم العزم،
وأقبلت على القرآن مستشعرا حاجتك
إلى معجزته، وأعطيت له وقتًا
معتبرًا من يومك، وكان هدفك من
تلاوته هو التأثر وليس إنهاء وردك،
وثابرت على ذلك، فستشعر حتمًا بأثر
معجزته، وساعتها ستعرف لماذا نُكثر
ونكرر الحديث عن القرآن، بل وستطالب
بالمزيد والمزيد، فمن ذاق عرف.
نفعني
الله وإياك بالقرآن، وجعلنا من أهله
الحقيقيين المنتفعين بمعجزته.
اقرأ
أيضا:
**
داعية
مصري مقيم بالسعودية
|