|

|
|
جهاد جحجوح يرقي مريضة
|
في
فلسطين لا يختلف الحال كثيرا عن باقي
الدول الإسلامية؛ إذ يلجأ المرضى
الذين سدت في وجوههم أبواب العلاج
البشري إلى التداوي عند "المشايخ"،
على اعتبار أن المحاولة لن يترتب
عليها أي ضرر، وكذلك بحثا عن الأمل
في الشفاء من داء ألم بهم، وبات من
الطبيعي أن تجد إعلانات ولافتات في
الشوارع للإعلان عن خدمات العيادات
القرآنية.
ولا
شك أن القرآن الكريم فيه شفاء للناس،
كما أخبر بذلك رب العزة سبحانه
وتعالى، لكن الأمر الذي يدعو للبحث
والتنقيب في هذا الأمر هو بروز أشخاص
ليسوا أهلا للقيام بهذه المهمة
أولا، وقيام هؤلاء الأشخاص باستغلال
حاجة الناس وإيمانهم بالقرآن الكريم
للاسترزاق ثانيا؛ حيث يلجئون في بعض
الأحيان لأعمال تدخل في نطاق
الشعوذة والخرافات التي ما أنزل
الله بها من سلطان.
لا
أثق كثيرا
يقول
المواطن أسامة البرش: "لم يسبق لي
العلاج بالقرآن الكريم، و لم أتوجه
لأي من دور العلاج بالقرآن، ولا
أمانع إذا تعرضت لمكروه -لا قدر الله-
أن أتوجه إلى مراكز العلاج بالقرآن
الكريم، لكن بعد محاولتي الاستشفاء
بالطب البشري"، موضحا أنه لا يثق
بجميع الذين يقومون بالعلاج
بالقرآن، معتبرا أن بعضهم يقوم
بالشعوذة والارتزاق.
ويلفت
الشاب جمعة يونس -24 عاما- الانتباه
إلى أنه ليس ضروريا التوجه إلى أشخاص
بذواتهم كي يقرءوا القرآن على
المرضى من المسلمين.
وتشاطر
السيدة أم مريم يونس الرأي؛ حيث رأت
أن الذهاب إلى أصحاب العيادات
القرآنية أمر غير مقبول على صعيدها
الشخصي، معللة ذلك بأنها كمسلمة
تستطيع أن تقرأ القرآن على نفسها أو
على غيرها من المسلمات دون الحاجة
إلى التوجه إلى إنسان بعينه، مؤكدة
إيمانها بالقرآن الكريم الذي فيه
شفاء للناس.
العلم
أولا
ولا
يعارض أ.جميل الطهراوي -المحاضر بقسم
الخدمة الاجتماعية بالجامعة
الإسلامية- التداوي بالقرآن الكريم،
ويؤكد أن الحاجة تدفع أصحابها لطرق
كافة الأبواب بما فيها أبواب
المعالجين بالقرآن الكريم، غير أنه
ينصح أصحاب الحاجات بطرق باب العلم
أولا، وقال لشبكة "إسلام أون لاين.نت":
"العلم أولا.. فأول آية في القرآن {اقرأ}،
وهي لم تأتِ من فراغ؛ فنحن مطالبون
بالبحث عن الأسباب والأخذ بها".
وأكمل
يقول: "يجب أن نبحث عن الطب دون
تعارض مع إيماننا ومع قرآننا؛ فمن
الممكن أن يتلو المسلم القرآن دون
الحاجة إلى الذهاب لأناس محددين؛
فنحن نؤمن بأن الشافي هو الله في كل
الأحوال، سواء كان الشفاء عن طريق
التداوي بالطب البشري أو عن طريق
التداوي بالقرآن الكريم".
ويشير
الطهراوي إلى أن التداوي بالقرآن
الكريم ظاهرة منتشرة في الأراضي
الفلسطينية، وأن الانتفاضة لم تحد
من انتشارها، ومضى يقول: "ربما
يكون المشعوذون هم الأكثرية بين
الذين يعالجون بالقرآن، وهؤلاء من
السهل اكتشافهم؛ كونهم يقومون
بأشياء غريبة، ويتمتمون بكلام غريب،
ويسألون عن اسم الأم، وتكون حياتهم
الاجتماعية لا تدل على التزام
بالدين".
وتابع
المحاضر الجامعي: "هناك بعض القصص
عن تماثل مرضى للشفاء بعد زيارتهم
لأحد المشايخ، والناس يحبون أن
يعمموا تجاربهم، وهذا يساعد في
تشجيع الناس على الإقبال على العلاج
بالقرآن، لا سيما أن العلاج بالقرآن
ليس له آثار سلبية على الشخص، بخلاف
بعض الأدوية التي يكون لها أضرار
جانبية".
معالج
بالصدفة!!
وفي
بيت جهاد جحجوح الملقب بـ"أبو
العبد" -المعالج بالقرآن الكريم-
وقف مراسلنا عن كثب على رحلته في
مداواة الناس بالقرآن الكريم؛ حيث
أوضح أنه بدأ العمل في هذا المجال
دون علم ولا دراية، ومضى يقول: "أعالج
بالقرآن الكريم وأنا أبلغ من العمر 16عاما؛
حيث كنت في البداية أقوم بقطع الخوفة
(عبارة عن تدليك أماكن معينة في
الجسم لأشخاص مرضى يعتقد أن سبب
مرضهم الخوف جراء تعرضهم لموقف مؤذٍ)،
وفي أحد الأيام طلب مني صديق لي أن
أتلو القرآن على زوجته المريضة،
واتضح فيما بعد أن زوجة صديقي كانت
ممسوسة بجن يهودي، والحمد لله
تماثلت زوجة صديقي للشفاء، وبعد ذلك
أصبح الناس يتواردون عليّ، يطلبون
مني تلاوة القرآن عليهم".
ويضيف
أبو العبد: "في بداية الأمر لم أكن
أعرف قضايا المس أو الجن، كل ما
بالأمر أن الناس يأتون إليَّ وأنا
أقرأ عليهم القرآن، والحمد لله
حالاتهم تتحسن".
ويشير
كذلك إلى أنه لم يجتَز المرحلة
الثانوية، وأنه لم يقرأ كثيرا في
الكتب المتعلقة بالعلاج بالقرآن
الكريم، موضحا أنه اكتسب المعرفة
والخبرة من خلال تكرار مداواته
للناس، ومضى يقول: "عملت في مهنة
البناء إلى جانب معالجتي للناس دون
مقابل، واستمر بي الحال 10 سنوات، ثم
اضطررت لترك عملي في مهنة البناء؛
نظرا لكثرة تردد الناس عليّ، وتفرغت
لمعالجة الناس بالقرآن مقابل بعض
المال بعدما صليت الاستخارة واستشرت
بعض الدعاة".
ويعترف
أبو العبد أنه لا يجيد تلاوة القرآن
الكريم بالأحكام 100%، وإنما بنسبة
تتراوح ما بين 70 و80% فقط، وتابع قائلا:
"قبل البدء في معالجة الحالة أنصح
بمراجعة طبيب مختص في حال عدم
مراجعته قبل القدوم إليّ، ولكن
كثيرا من الحالات لا تطرق بابي إلا
بعد محاولة التداوي بالطب البشري".
وعن
التكلفة المادية للتداوي بالقرآن
أوضح أبو العبد أنه لا توجد أسعار
محددة، وأن التكلفة مرتبطة بحالة
المريض المادية، مضيفا: "الأمر
عندنا مثل الحال عند الحلاقين.. (العطا
قيمة)!!! وفي بعض الحالات نداوي بلا
مقابل"، مشيرا إلى استغلال البعض
لظروف الناس المرضى بالمغالاة في
الأجور التي يطلبونها.
وأكمل
جحجوح لشبكة "إسلام أون لاين.نت":
"بعض الحالات تحتاج إلى تلاوة
آيات معينة من القرآن الكريم مدة نصف
ساعة وتتعافى، وبعضها يحتاج إلى
جلسات كثيرة حتى تتعافى من مرضها،
ويتم إعطاء المريض جدول علاج يتمثل
في تلاوة آيات معينة في أوقات محددة،
والالتزام بتوجيهات دينية؛
كالابتعاد عن سماع الأغاني، والحشمة
للنساء المتبرجات"، مؤكدا أنه لا
يلجأ لاستخدام الضرب في علاج
الحالات.
وتتراوح
الحالات التي ترد على الشيخ أبو
العبد خلال الأسبوع بين 15 و16 حالة
كحد أدنى، ويضيف قائلا: "عندما
أقرأ القرآن بتأمل أستخرج آيات تصلح
لعلاج بعض الحالات المرضية، وقبل
الانتفاضة كان الناس يأتونني من
مختلف مدن قطاع غزة والضفة الغربية،
وحتى الآن أعالج بعض الناس من دول
الخليج، وحتى من ألمانيا عبر الهاتف"،
موضحا أن نحو 60% من الذين يعالجهم من
فئة المتعلمين، بينهم أطباء وموظفون.
الموقف
الشرعي من الظاهرة
وفيما
يتعلق بالموقف الشرعي من الظاهرة
قال الدكتور يونس الأسطل أستاذ
الفقه والأصول بالجامعة الإسلامية
بغزة، رئيس لجنة الفتاوى بالجامعة
سابقا: "لم يعهد في جيل الصحابة
رضي الله عنهم ولا في عهد التابعين
رحمهم الله من اتخذ القراءة على
المرضى حرفة يتفرغ لها أو يتعيش
منها، مع أن الناس يمرضون في كل عصر؛
لذلك فالأولى الاقتداء بهم في عدم
وقف النفس على هذا النوع من العلاج؛
حتى نقطع الطريق على الدجالين
والمشعوذين وأمثالهم".
ونبه
د.الأسطل إلى ضرورة مراعاة عدة أمور
قبل اللجوء لأي إنسان يعالج
بالقرآن، منها ضرورة مراجعة المرضى
للأطباء ابتداء، وأنه لا يجوز
اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة
بالقرآن ما لم نتأكد من صلاحه
وتقواه، وأنه يتبع الطرق المشروعة
في الرقية والعلاج، ولا يلجأ إلى
الطلاسم أو الشياطين أو الهذيان
بكلام غير مفهوم المعنى.
وأكمل
أستاذ الفقه والأصول: "من المفضل
أن يتولى الإنسان القراءة على نفسه
بأن يضع يده على موضع المرض، ويقرأ
ما تيسر من القرآن كالفاتحة
والمعوذات أو ما تيسر من الآيات، ولا
بأس أن نقرأ القرآن على إناء فيه ماء
أو يأتي بإناء جاف، ويكتب فيه بعض
الآيات، ويغسلها بالماء ثم يشرب
جزءا منها، ويغتسل بالباقي مثلما
قال سبحانه لنبيه أيوب عليه السلام: {هذا
مغتسل بارد وشراب}".
وأوضح
د.الأسطل أنه لا يناقش أحد في
مشروعية الاستشفاء بالقرآن من
الأمراض القلبية والبدنية؛ فقد قال
سبحانه: {وننزل من القرآن ما هو شفاء
ورحمة للمؤمنين}، وقال كذلك: {قل هو
للذين آمنوا هدى وشفاء} صدق الله
العظيم، ومضى د.الأسطل يقول: "جاء
في البخاري من حديث أبي سعيد الخدري
أنه كان في رهط من الصحابة، فأتوا
أهل قرية فاستطعموا أهلها فأبوا أن
يضيفوهم؛ فكان أن لُدغ سيد القوم
فاستعصى عليهم علاجه، فأتوا أولئك
النفر من الصحابة، وطلبوا منهم
راقيا، فاشترطوا عليهم جُعلا (أي
مكافأة) فوعدوهم قطيعا من الغنم،
فذهب أبو سعيد رضي الله عنه، وقرأ
عليه الفاتحة ونفث من ريقه عليه،
فكأنما نشط من عقال، فقال الصحابة:
لا تفعلوا شيئا بالغنم حتى ننظر ما
يأمرنا النبي عليه الصلاة والسلام،
فقال صلى الله عليه وسلم مثنيا على
فقه أبي سعيد الخدري: "وما يدريك
أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا واضربوا
لي معكم بسهم".
شروط
جواز الرقية
وبيّن
أستاذ الفقه والأصول أن العلماء
أجمعوا على جواز الرقية عند اجتماع
شروط، أهمها ثلاثة: أن تكون بكلام
الله تعالى أو أدعية بأسمائه
وصفاته، وأن تكون باللسان العربي أو
بما يُعرَف معناه من اللغات الأخرى،
وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها
بل بقدرة الله تعالى؛ حيث إن الرقية
إنما هي سبب من الأسباب.
ورأى
كذلك أن الأولى أن يتخذ الإنسان من
المحافظة على جميع الفرائض الواجبات
والابتعاد عن جميع المحرمات والتسلح
بالتوبة النصوح في جميع الأوقات
أسباب وقاية وحصنا من الشياطين،
فإذا ابتلي بشيء من ذلك فلا حرج من
علاجه بالقرآن والأذان في أذنه؛ لأن
الشيطان يفر من ذكر الرحمن كما يفر
من سماع القرآن.
وذكر
د.الأسطل من أمارات الدجالين: "الخلوة
بالنساء، ومس المرأة، واللجوء إلى
الضرب أو الصعق بالكهرباء، وتلاوة
ما لا يُفهَم من الألفاظ، أو سؤال
المريض عن اسمه واسم أمه، أو بإعطاء
المريض الأحجبة التي فيها مربعات
بداخلها حروف وأرقام، أو بإعطاء
أشياء يدفنها في الأرض أو يحرقها
ويتبخر بها... إلخ".
وتابع
د.الأسطل يقول لشبكة إسلام أون لاين.نت:
"إذا تحققت الشروط المذكورة
وانتفت المخالفات فلا بأس بالعلاج
بالقرآن وبالأدعية المأثورة، سواء
فعل الإنسان ذلك بنفسه، أو توجه إلى
رجل مشهود له بالصلاح ليقرأ عليه،
ولا بأس بإعطائه أجرة على ذلك؛ فإن
أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله،
كما في البخاري من حديث ابن عباس رضي
الله عنهما، والأفضل لمن أغناه الله
أن يعف عن أموال الخلق إخلاصا لله
وابتغاء لمرضاته".
الاحتراف
بدعة
وفي
السياق ذاته أكد الدكتور صالح الرقب
أستاذ أصول الدين بالجامعة
الإسلامية أن العلاج بالقرآن مشروع
في ديننا، لكنه استدرك قائلا: "أن
يتفرغ بعض الناس ويتخذ من العلاج
بالقرآن مهنة له وحرفة، ويأخذ على
ذلك مالا، ويفتح ما يسميه: عيادة..
فهذا من البدع التي ظهرت في هذا
الزمان، فلم يكن هذا في عصر الصحابة
ولا التابعين، ولا في عصور سلفنا
الصالح؛ فالأصل أن الإنسان يقرأ
القرآن على نفسه بيقين وإيمان قوي،
مستعينا بالله تعالى متوكلا عليه،
وإذا قرأ عليه إنسان آخر شيئا من
القرآن فهذا جائز، أما أن يحترفها
الإنسان وتصبح مهنة للبعض ويعلنون
عن أنفسهم؛ فهذا ليس من دين الله في
شيء".
وأضاف:
"هناك مشعوذون ودجالون يمتهنون
هذا ويقولون: نحن نعالج بالقرآن،
ويقرءون شيئا من القرآن ثم يكملون
شعوذاتهم وخرافاتهم؛ فعدم وجود
رقابة من السلطة أو من الإفتاء وقاضي
القضاة يفتح المجال أمام البعض كي
يتاجر بدين الله سبحانه وتعالى".
العلاج
بالقرآن والدعوة
من ناحية أخرى يرى د.ماهر السوسي محاضر الشريعة بالجامعة الإسلامية بغزة أن الداعية بإمكانه توظيف العلاج بالقرآن لخدمة الدعوة الإسلامية، ولكن وفق شروط معينة، بأن يمتلك الآليات التي تؤهله للعب هذا الدور والمهارات الخاصة، وأن تكون فطرة مرضاه لا تزال سليمة.
ويضيف
موضحا: "القرآن بإمكانه أن يخلّص
الإنسان من الأمراض التي أصابته،
لكن في العصر الذي نعيشه يحتاج إلى
طرق مادية ملموسة، وبحاجة إلى إثبات
علمي أمام المشاهدين لقدرة الله
سبحانه وتعالى على شفاء المرضى
ببركة القرآن؛ لأننا لا نستطيع أن
نفصل أنفسنا عن الواقع الذي نعيشه؛
لأن واقعنا واقع مادي؛ حيث طغت به
المادة، وغلبت على الناس، وبالتالي
كثير من الناس لا يصدقون إلا ما
يشاهدونه ماثلا أمام عيونهم".
وبالتالي
فإن د.السوسي يرى أن الداعية يجد
نفسه محاصرا وعليه عبء كبير تجاه هذا
الأمر، فإذا كان يفتقد إلى مهارة
الإقناع والمناظرة وإمكانية الوصول
والتغلغل إلى نفس المخاطب؛ فلن
يتمكن من تحقيق مراده في توظيف
العلاج بالقرآن لصالح الدعوة.
وقال:
"قضية دعوة الناس من خلال العلاج
بالقرآن -كما أشاهد بالواقع- قضية
غير هينة وليست سهلة، وتحتاج بالأهم
إلى متلق يكون وازع الإيمان لديه
قويا؛ فالمسألة ليست مجرد إقناع
نظري".
اقرأ
أيضا:
شارك بالحوار:
**
صحفي فلسطيني من مكتب الجيل للصحافة.
|