|
ألقت
الظروف الاقتصادية للقارة
الإفريقية، وطبيعة التركيبة
الاجتماعية والطائفية الدينية لها،
ألقت بظلالها على واقع الدعوة
الإسلامية ومسيرتها في المجتمعات
الإفريقية. ولعل من بين مظاهر
وتداعيات هذا الواقع ظاهرة بروز دعاة
من نوع جديد، يمارسون العلاج
الروحاني تحت مظلة الدين، وهم الذين
نطلق عليهم "الدعاة المعالجون"،
هذه المجموعة من العلماء المسلمين
يقومون بمعالجة روحانية للمرضى باسم
الإسلام، بقصد إحداث حالة التأثير
والإقناع بهدي الإسلام لدى الجمهور
المدعوين، وبناء على هذا الهدف
المعلن تم إدراجهم في دائرة الدعاة
إلى الله.
أسباب
موضوعية للظاهرة
هناك
أسباب وعوامل موضوعية عديدة، دعت
المسلمين الغيورين من المهمومين
بقضايا الدعوة إلى الله ومسيرتها في
المجتمعات الإفريقية المختلفة إلى
التفكير بجدية باستحداث وسائل وآليات
للدعوة إلى الله، تتناسب وظروف
الواقع الإفريقي، وفي الوقت نفسه
تكون تلك الوسائل والآليات مستجيبة
للتحديات القائمة، انطلاقا من كون
الوسائل الدعوية من بين المتغيرات
التي تخضع للظروف في كل عصر ومجتمع،
بشرط مشروعيتها كما هو معلوم، ومن
خلال المتابعة والاستقراء المتعمق مع
التحليل للأوضاع العامة وواقع الدعوة
إلى الله في إفريقيا ونيجيريا على وجه
أخص، يمكن أن نحدد أهم الأسباب
والبواعث وراء بروز ظاهرة الدعاة
المعالجين في الأمور التالية:
أولا:
تتسم البلاد الإفريقية غير العربية
بأنها مجتمعات متعددة الديانات
والطوائف، الأمر الذي أوجب دعوة
أتباع تلك الديانات بكل الوسائل
الممكنة، وتأتي المسيحية كأقوى
الديانات المنافسة للإسلام بحملاتها
المكثفة ومخططاتها المعادية
والمستفزة للمسلمين. وقد كانت برامج
"العلاج باسم المسيح" من أكبر
التحديات التي تزاحم الدعوة
الإسلامية، والتي تستهدف المواطنين
المرضى أيا كانت دياناتهم، حيث تقدم
خدمات علاجية مجانية شاملة للعامة،
شريطة إقرار متلقي العلاج بألوهية
المسيح!! ولا يشترط اعتناق الديانة
المسيحية، بل تقول في أهدافها: حمل
العالم على الإقرار بأن المسيح هو
المخلص من كل كرب، والشافي من كل مرض،
والمنجي من كل هلاك!!.
ولا
يقِل برنامج "مجالس الإحياء"
خطورة، حيث تقام تلك المجالس في
الأماكن العامة، كالأسواق والميادين
والساحات والنوادي، لتوسيع دائرة
الحالة الإقناعية بعقيدة التثليث،
ومدى قوة الاعتصام بها في حل مشكلات
الناس المادية والمعنوية، حيث يقوم
وسط جمهور الحاضرين أناس يعترفون
بحدوث حالة شفاء تامة مما يعانون من
الأمراض والعاهات حتى حالة الإعاقة
الجسدية، بدعوى حصول معجزات، كتحول
الكفيف إلى مبصر، والقعيد إلى سليم،
كما يدعون استخراج الأرواح الشريرة
من أجسام المرضى، والشيء الأكثر
إثارة واستفزازا أن المعترفين بحصول
"المعجزة المسيحية" لهم
غالبيتهم من المسلمين، ويحملون
ألقابا مسلمة، مثل (الحاج والحاجة).
ثانيا:
تطرح
الديانة الوثنية تحديات كبيرة أمام
المسلمين، وتتمثل أبرز تلك المخاطر
في ظاهرة العلاج عبر طقوس وثنية تعتمد
على ممارسات شركية محضة، لا تقبل
التأويل أو اللجوء إلى محاولات
اجتهادية للتبرير بأي حال من الأحوال
على ضوء مسائل الاعتقاد ومبادئ
التوحيد، تلك الطقوس التي ترجع سبب
الأمراض والعوارض إلى قوة خارجية
عقابا على جريمة ارتكبت في حقها أو في
حق أحد الآلهة!! لذا يقوم مدخل العلاج
عندها على التقرب لتلك القوة
الخارجية، ومن ثم تقديم النذور لها،
أو التكفير عن التقصير في حقوقها!!.
هذه
الطريقة لا يجد ضعاف الإيمان من
المنتسبين للإسلام غضاضة في اللجوء
إليها عند الشدائد وللاستشفاء، وإن
كان توجههم لها يأخذ طابعا فرديا في
الخفاء، على عكس حالة الدعاية
المسيحية المباشرة والصريحة
والمستفزة للمسلمين.
ثالثا:
الظروف وطبيعة التركيب والتنظيم
الاجتماعي للسكان؛ فالناس يعيشون في
شبكة متداخلة من العلاقات
والارتباطات الاجتماعية، فلا يزال
يسود نظام العيش داخل الأسرة الكبيرة
(البيت العائلي الكبير) فليس هناك
استقلالية للأسرة الصغيرة، وهذا
النظام يسمح بتدخلات وتطفلات في شئون
الغير، وفي ظل هذا المناخ تنمو نظريات
المؤامرة والتشاؤم بشكل سريع؛ الشيء
الذي يروج للنموذج المعرفي للأفكار
التقليدية الخرافية الشائعة في
المجتمع، والتي تزايدت معها حالات
الاعتماد على السحر والشعوذة.
رابعاً:
زاد من فرص تنامي الحاجة لدعاة
معالجين مبرر ثقافي يتمثل في ارتفاع
معدلات الأمية بين المواطنين
الأفارقة، وخاصة في معرفة القراءة
العربية، فضلا عن الكتابة بها، الأمر
الذي شكل حاجزا سميكا بين ملايين
المسلمين الأفارقة في النفاذ المباشر
إلى كتاب الله (القرآن الكريم)، الذي
يؤمنون به ويعتقدون في القوة
الروحانية الموضوعة في آياته، بغية
التحصن بقراءتها وبالأدعية النبوية
المأثورة من الأرواح الشريرة
والشياطين بأنواعها.
هذه
الوضعية ولَّدت الحاجة إلى الاتصال
بعلماء مسلمين محليين، يجيدون
التعامل مع واقع المشكلات الاجتماعية
والاقتصادية والثقافية للناس، وفي
الوقت نفسه هم على دراية ومعرفة
صحيحتين بخصائص الآيات القرآنية
واستعمالاتها، ويرشدون الناس إلى ذلك.
هذه
الظروف والعوامل مجتمعة أدت إلى ظهور
وتنامي ظاهرة الدعاة المعالجين في
المجتمع الإفريقي بشكل عام،
والنيجيري على وجه التحديد.
واقع
الممارسة
إذا
ما أردنا تكييف واقع الممارسة
الدعوية لهذا الاتجاه الجديد، نجد
العديد من الأمور الإيجابية
والسلبية، إضافة لتباينات وتناقضات
متعددة، منها:
(1)
أن محور التركيز المسيطر على الخطاب
الدعوى في هذا الاتجاه ينحصر في إبراز
قوة الجوانب الروحية لآيات القرآن
الكريم في علاج جميع الأمراض
والأسقام، سواء النفسية منها
والبدنية، مع الحرص الشديد على تفنيد
الادعاءات الطائفية الأخرى التي تزعم
أنها الملاذ الأوحد لخلاص البشرية من
المشكلات.
(2)
انتشرت في أوساط دعاة هذا الاتجاه
ظاهرة الألقاب الفخمة والمثيرة التي
تحمل إيحاءات ذات دلالة ومغزى عميقين
في الوسط الاجتماعي المحلي لدى
الجماهير المستهدفة، ولها ارتباط
شديد بمضمون هذا التوجه، فهناك من
يحمل لقب: (تاج الدعاء)، أو (قوة الدعاء)،
أو (السر الأعظم)، والشيخ (مستجاب
الدعوة)، و(صاحب الاستجابة)... إلخ.
وهناك
منظمات إسلامية سارت في هذا الاتجاه،
مثل (شفاء الدين)، و(جماعة الدعاء)،
وجماعة (نصر الله والفتح) وغيرها كثير.
(3)
تتم طقوس الدعاء للمرضى وأصحاب
المشكلات من خلال عقد مجالس عامة
للدعاء والتضرع الجماعي في الساحات
والميادين وداخل الجوامع والمساجد
والسرادقات الخاصة بالداعية
المعالج، كما كثرت في الآونة الأخيرة
ظاهرة سهرات المناجاة، التي يعمد إلى
عقدها والإعلان لها عبر وسائل
الإعلام الجماهيرية، لجذب أكبر عدد
من الجماهير إليها.
إيجابيات
وسلبيات
لم
يكن اقتراب الدعاة لهذا المجال
الخطير الذي أفرزته الظروف اقترابا
سليما في جملة الممارسات والتطبيقات
الموجودة حاليا، كما لم يكن سيئا
محضا، ويمكن أن نجمل الملاحظات
والتعليقات بشأن هذا الاتجاه الجديد
وممارسته الدعوية في النقاط التالية:
أولا:
لا شك في أن من الإيجابيات الكبيرة
لهذا الاتجاه الجديد في الوسط الدعوي
أنه قد حدّ من ارتياد ضعاف الإيمان من
المسلمين لبيوت ودور العبادة
المسيحية والوثنية، وبدرجة كبيرة
وملموسة.
ثانيا:
هناك تحفظ على هذا الاتجاه من قبل بعض
الدعاة أنفسهم، حيث يرون أنه لا داعي
لهذا المسمَّى، على أساس أنه لا توجد
في الإسلام وساطة بين الله الخالق
وعباده، فالعباد يتوجهون إلى الله
مباشرة دون وسيط بشري أو غيره.
ثالثا:
هناك
حالات تجاوز كثيرة وقعت وما تزال تحدث
في واقع الممارسة من بعض هؤلاء
الدعاة، حيث الخلط بين العلاج
المشروع والعلاج غير المشروع، وحدود
الاستشفاء بالقرآن الكريم والضوابط
المنظمة لذلك.
رابعا:
أتاح
هذا التوجه فرص ظهور حالات كثيرة من
الدجل والشعوذة التي تمارس تحت عباءة
العلاج بالقرآن من قبل أدعياء
الولاية والمتاجرين بالدين، وامتلأت
البلاد بشعارات ومسميات ما أنزل الله
بها من سلطان.
خامسا:
هناك
حالات دس وتسلل ممن يمارسون العلاج
التقليدي الشعبي بالأعشاب من
المسلمين، بإقحام أنفسهم في سلك
العلاج بالقرآن، لما له من رواج
وشعبية ومصداقية، الأمر الذي شكل
إشكالية وعبئا ثقيلا إضافيا على هذا
الاتجاه.
سادسا:
هناك حالة انجرار شبه تامة نحو
الأساليب الشائعة لدى الطوائف
الدينية المنافسة، وبالتحديد
المنظمات المسيحية والتنصيرية،
فأسلوب "سهرات المناجاة"،
وتوزيع ما يسمونه بـ "ماء الحياة"
للوقاية من الأرواح، وشيوع ألقاب مثل
"قاهر العين"، و"مسخِّر
الأرواح"، من المظاهر التي بدأت
تنتشر في أوساط هؤلاء الدعاة، والتي
كانت من التأثيرات السلبية لحالة
التشبه الشديد والتتبع لسنن وأساليب
النصارى.
سابعا:
ضعف الكفاءة العلمية، وعدم الرسوخ في
العلوم الشرعية واللغة العربية، يكاد
يكون السمة الغالبة على معظم من
ينهجون هذا الاتجاه، حيث لا نبالغ إذا
قلنا إن نسبة 95% من هذه الفئة في بلد
مثل نيجيريا ليسوا من العلماء
المشهود لهم بالأهلية والكفاءة
العلمية، مما انعكس بالطبع على الفهم
الصحيح للدين، وكذلك على الممارسة
السليمة لهذا التوجه.
وعلى
أية حال وعلى الرغم من تلك التحفظات
وغيرها من الانتقادات الموجهة لهؤلاء
الدعاة، فإن هذا الاتجاه يبقى الملاذ
والحاجز -ولو شكليا- بين ثغرات طالما
تم اصطياد المسلمين عبرها خلال فترات
ولعقود مضت.
وتبقى
المهمة صعبة على الدعاة المخلصين
والعلماء الراسخين في العلم في ترشيد
هذا التوجه، وتوجيه الجهود والطاقات
في سبيل تنقية ما يشوبه من المغالطات
والتجاوزات، خاصة المرتبطة بنواحي
الاعتقاد، والتي لا تقل خطورتها عن
ادعاء العلاج عبر طقوس شركية أو كفرية
أخرى.
اقرأ
أيضا:
شارك
بالحوار :
**
صحفي نيجيري
|