|

|
|
الشيخ السنوسي أحمد رمضان |
يلعب
الدعاة دورا حيويا ومؤثرا في الحياة
العامة لمسلمي إقليم دارفور غرب
السودان، خاصة أن الدعوة تعد عملا
خيريا وتطوعيا يقوم به خريجو الخلاوي
في الأسواق والميادين، حيث يقفون في
الشوارع ويقومون بشرح الأحاديث
وتفسير الآيات والإجابة على تساؤلات
العامة.
وفي
سوق مدينة "نيالا" العاصمة
التجارية للإقليم، كان لافتا للنظر
ذلك الحشد الكبير من الصغار والكبار
الذين التفوا حول شاب يرتدي ثيابا
ملونة، وعندما اقتربنا منه تبين أنه
داعية شاب، اعتاد أن يلقي دروسه
الدينية للمارة في هذا السوق المزدحم
دائما.
وفي
تصريحات لـ "إسلام أون لاين.نت"
قال الداعية الشاب السنوسي أحمد
رمضان -30 عاما- الذي ينتمي إلى قبيلة
المسيرية العربية الشهيرة: "تخرجت
في خلوة الشيخ السنوسي ضو البيت في حي
رايق بنيالا عام 1998م بعد أن أتممت حفظ
القرآن الكريم، ثم توجهت إلى الخرطوم
وأكملت دراسة القرآن في جامعة أم
درمان، وهناك درست العلوم الدينية
لمدة ثلاث سنوات، بعدها عدت إلى مسقط
رأسي في منطقة رهد البردي التي تبعد
نحو 200 كيلومتر غرب نيالا".
مجالس
مفتوحة
ويضيف
السنوسي: "لدي أرض زراعية ومجموعة
رءوس من الأبقار، وأعيش أنا وأسرتي من
عائدها، حيث لدي زوجة وثلاثة أطفال،
وأخصص أربعة أيام من كل شهر أجوب
خلالها البوادي، وأتنقل بين الأقاليم
لدعوة الناس وتعريفهم بدينهم،
والتأليف بين قلوبهم. والناس يأتون
إلي مجالس دروسنا المفتوحة، يستمعون
ويستفيدون ويحملون الفوائد، ويعودون
إلى حيث جاءوا"، كما يعتبر السنوسي
الخروج في هذه الأيام الأربعة واجبا
دينيا عليه كرجل دين نال قسطا معقولا
من التعليم وفتح الله عليه بنور
القرآن.
وحول
الجهة التي تنفق على رحلاته الدعوية،
قال السنوسي: "بعض القادرين
يتكفلون بتحمل نفقات الانتقالات، ثم
يستضيفنا بعض نظار وشيوخ القبائل
التي ننزل عندها، وهؤلاء يتحملون
كافة نفقات الإقامة، ثم يمنحونا بعض
الخيرات من أموال وحبوب وغيرها مما
يجودون به علينا"، مشيرا إلى أن
الحياة هنا ما زالت بسيطة وخالية من
التعقيدات، ويقول: "لو لم أجد معي
ثمن المواصلات فسأتجه مباشرة لصاحب
الحافلة، وأطلب منه نقلي معه مجانا
إلى المكان المقصود، وعادة ما يرحب
هؤلاء، خاصة عندما يعرفون أنني متوجه
لدعوة الناس للخير وتعليمهم أسس
دينهم الحنيف".
أزهري
على الطريق
|

|
|
الشيخ إبراهيم عز الوعمر وهو يشرح أحد الدروس |
وعلى
الطرف الآخر من السوق تكرر المشهد،
حيث وقف داعية آخر وسط حشد من الأطفال
والنساء والرجال، والجميع ينصت
ويستمع لشرح الداعية الشيخ إبراهيم
عز الوعمر -42 سنة- من قبيلة الزغاوة
ذات الجذور الأفريقية. وقال لـ "إسلام
أون لاين.نت": "تعلمت وحفظت
القرآن في خلوة والدي بمنطقة كبكابية
بالقرب من جبل مرة بولاية الفاشر شمال
دارفور، ثم درست علوم اللغة العربية
وآدابها بمعهد الفاشر لمدة عامين،
وفي العام 1982م سافرت إلى القاهرة
والتحقت للدراسة بكلية الشريعة جامعة
الأزهر، ثم عدت إلى السودان، وأتنقل
ما بين ولايات دارفور المختلفة، حيث
أوزع الوقت طوال العام ما بين الشمال
والجنوب والغرب، بعد أن أخذت على
عاتقي مهمة الدعوة إلى الله".
ويضيف
الشيخ إبراهيم: "معظم الناس في
دارفور محدودو التعليم، ولم تتح لهم
فرصة للتعليم، ومن هنا نتحمل مهمة نقل
ما تعلمناه وإرشادهم إلى صحيح الدين،
خصوصا أن جميع سكان الإقليم من
المسلمين الموحدين، المتعطشين
لمعرفة أسرار دينهم وتفاصيل عقيدتهم
السمحة".
دعوة
بـ "الروطان"
ويشير
الشيخ إبراهيم عز الوعمر إلى أن
أمثاله من الدعاة المتطوعين يتوجهون
إلى القرى النائية مهما كان موقعها،
ويجمعون الأهالي خصوصا في شهر رمضان،
ويلقون عليهم الدروس، ويردون علي
تساؤلاتهم الفقهية، وأحيانا يتحدثون
إليهم بلهجتهم المحلية، خاصة أن معظم
الدعاة ينتمون إلى نفس القبائل
المنتشرة في المنطقة، حيث تتميز كل
قبيلة بلهجة محلية "الروطان"،
وهناك بعض القبائل الأفريقية لا يجيد
جزء كبير من أبنائها اللغة العربية
بالرغم من أنهم يصلون ويحفظون سور
القرآن.
تحرر
من الأطر الحكومية
وفيما
يتعلق بعدد هؤلاء الدعاة ووجود أية
رابطة تنظم عملهم، قال الشيخ إبراهيم:
"لا يوجد رابطة بالمعنى التنظيمي،
خاصة أن هؤلاء الدعاة من المتطوعين
ليس لهم علاقة بوعاظ وزارة الأوقاف
الحكومية، ولا نلتزم بمقررات
وتوجيهات الجهات الحكومية، فنحن ننزل
بأنفسنا إلى الأماكن التي نلاحظ أن
بها خلافات قبلية أو نزاعات بين
السكان، كما نختار القبائل التي نشعر
أنها ترحب بمن يسعى لتزويد أبنائها
بالعلم الديني، ويفقِّه أهلها بشئون
دينهم. كم أنه لا يوجد اتصال وتنظيم
لعملنا، بل إن الأمور تتم بطريقة
عشوائية، وبالطبع لا ينزل اثنان من
الدعاة في قرية واحدة، خاصة أن عدد
العاملين في هذا المجال محدود،
مقارنة بعدد السكان الموزعين على
مساحات شاسعة بطول دارفور وعرضها".
الهبة
والكرامات
ولما
سألنا الشيخ إبراهيم عن ظروفه
المعيشية ودخله، قال: "منذ 5 سنوات
وأنا مستقر في مدينة نيالا، أعمل في
التجارة للإنفاق على أسرتي المكونة
من 5 أفراد، لكن هذه التجارة لا تشغلني
عن عملي الدعوى على الإطلاق"،
مشيرا إلى أن كل الدعاة المتنقلين
يعتمدون في الأساس على "وهبة"
يقدمها أثرياء الريف الذي ينزلون
إليه، بجانب "كرامات" بطون
القبائل وشيوخها، حيث لا يطلب
الداعية شيئا مقابل دعوته، بل تكون
هذه العطايا مجرد أجر رمزي يساعده على
مواصلة دعوته والانتقال بها من مكان
لآخر باستمرار.
داعية
في سوق الجمال
|

|
|
الشيخ محمد باقر حسين |
وفي
موقع آخر في سوق الجمال، رأينا شابا
يحمل في يده مكبر صوت، مرتديا الزي
الأبيض والعمامة البيضاء، هو الداعية
محمد الباقر حسين -27 سنة- من ولاية
جنوب دارفور، وخريج خلوة الشيخ موسى،
وينتمي لقبيلة البرقد الأفريقية، كما
ينتمي أيضا للطريقة التيجانية،
ولاحظنا أنه يردد الأدعية، ويردد
خلفه جمع من النساء والرجال، وتجار
الجمال القادمين من البوادي والقرى
البعيدة.
وقال
محمد الباقر: "أقنعني بعض أقاربي
بضرورة العمل في مجال الدعوة، خصوصا
بعد أن أتممت حفظ القرآن الكريم،
ودرست أصول الدين لمدة ثلاث سنوات
بأحد معاهد مدينة نيالا، وعدت بعدها
إلى قريتي عد الفرسان بالقرب من نيالا،
حيث مارست الخطابة في مساجد القرية،
وكذلك أقوم بإلقاء الدروس الدينية
والفقهية على الأهالي في ليالي رمضان
من كل عام".
ويضيف
الباقر: "عندما لاحظت كثافة عدد من
يلتفون حولي لمتابعة الدروس الدينية،
أهداني أحد أقاربي مكبر صوت، ساعدني
كثيرا في توصيل صوتي للأعداد الكبيرة
التي تتجمع بالسوق كل أسبوع".
وحول
مصادر معيشته ودخله، قال محمد الباقر:
"أنتمي إلى قبيلة تمتلك بعض أسرار
العلاج بالأعشاب، فبعد أن أفرغ من
الدرس أقوم ببيع هذه الأعشاب إلى
المترددين على الأسواق لأضمن دخلا
أواجه به أعباء الحياة الصعبة، كما
أتلقى دعوات من بعض شيوخ القبائل
البعيدة بهدف تقديم الدروس الدينية
إلى أهالي قبيلته، حيث تستمر الزيارة
عدة أيام يتولى أثرياء القبائل تحمل
تكاليفها، بجانب منح الداعية بعض
العطايا والهدايا، وهناك قرى ومناطق
فقيرة لا يملك أهلها أية قدرة مالية،
وهؤلاء نذهب إليهم ونجلس معهم ونناقش
معهم أمور الدين والدنيا، ونرد على
تساؤلاتهم، ثم نرحل، ونكرر زياراتنا
من حين لآخر.
اقرأ
أيضا:
|