إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الطلبة المسلمون في هولندا.. طموحات وعقبات

لاهاي- نصر الدين الدجبي- 11/10/2004

أحد الإفطارات الجماعية

يعيش في هولندا ما يزيد عن 945 ألف مسلم، حسب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن المركز القومي للإحصاء الهولندي لسنة 2003. ويبلغ عدد المسلمين من أصول عربية حوالي 400 ألف، وما زال يمثل الجيل الأول من الوافدين الأغلبية، من 55 إلى 60%، في حين يمثل النساء 47% من الوافدين.

وقد شهد العقد الأخير تزايدا لعدد المسلمين من حاملي الشهادات الجامعية، ويرجع ذلك لتمكن عدد من أبناء الوافدين المسلمين من دخول الجامعات، وقدوم عدد آخر لمواصلة تعليمهم في الجامعات والمعاهد العليا الهولندية. وقد بلغت نسبة الملتحقين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و22 سنة بالجامعات والمعاهد العليا 11% من طلبة الثانويات للسنة الدراسية 2002-2003. كما لم تخلُ الجامعات الهولندية من الطلبة الوافدين المسلمين القادمين إليها على الرغم من محدودية اللغة الهولندية ونطاقها الضيق. فعدد منهم يأتي في شكل بعثات، وآخرون يحملهم طموحا وأملا لاكتشاف ومعرفة مدرسة الاستشراق الهولندي، كما أن هناك مَن اضطرتهم الظروف السياسية والإنسانية لدولهم الإسلامية للهجرة ليجدوا من مؤسسة دعم اللاجئين الطريق للوصول إلى أهدافهم العلمية. وقد بلغ عدد الذين دُعموا لإتمام دراستهم 2444 طالبا للسنة الدراسية 2002-2003. ويمثل العراقيون والإيرانيون والأفغان حوالي 60% من هؤلاء الطلبة الذين استقطبتهم المعاهد العليا والجامعات الهولندية.

الإسلام بين الجهل به والتحامل عليه

قد يكون الإسلام -كدين- من أكثر الأديان انتشارا في العالم، وما أظن أن أحدا يستطيع التشكيك في ذلك أو حتى يحاول؛ لأنها حقيقة نراها ونسمعها ونعيشها. غير أن الاستبانات تؤكد أن الإسلام الأكثر تشويها وجهلا به، إذ تؤكد آخر استبانة أجريت في هولندا أن 80% من الهولنديين لا يعرفون شيئا عن الإسلام، سوى ما تبثه وسائل الإعلام المغرضة، وأن ثلاثة أرباع العشرين بالمائة المتبقية يأخذون الإسلام من المستشرقين.

لذلك فإن كانت الدعوة واجبة فالتعريف بالإسلام أوجب وألزم، إلا أن معوقات كثيرة تقف حائلاً دون الوصول إلى قلوب الناس وعقولهم، إذ يعددها بسام الصالح الطالب بجامعة أوربا الإسلامية بقوله: "إن الصورة العالقة بأذهان الطلبة غير المسلمين حول الإسلام هي الصورة التي تبثها وسائل الإعلام، وهذا يجعل الهوة شاسعة ويصعب تجاوزها بسهولة. ثم إن ربط الإسلام مباشرة بالإرهاب يجعلنا في حالة دفاع دائما، بل الأدهى أن هذه الصورة تحولت إلى أذهان أبناء عدد من المسلمين أنفسهم، مما أدى في كثير من الأحيان إما إلى التخلي عن فكر التواصل والالتجاء إلى التقوقع حول النفس، أو التحول إلى موقع الدفاع والتصدي".

ويضيف الصالح: "إن المسلمين من الجيل الثاني غالبا ما يكونون من عائلات مسلمة عجزت عن أن تكون الجسر لنقل رسالة الإسلام الكاملة لأبنائها، لذلك فأغلب مصادر معرفة الإسلام عندهم من كتب الرقائق المترجمة، التي غالبا ما تعالج واقعا غير واقعنا في الغرب، وتهتم بقضايا غير قضايانا، أو الكتب الاستشراقية التي تتهجم على التاريخ والحضارة الإسلامية. من هنا تبدو الهوة شاسعة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون".

التواصل الإنساني قبل الدعوة

وعن الدعوة في الجامعات الهولندية يقول الدكتور مرزوق أولاد عبد الله، أستاذ الإسلاميات بالمعهد الأعلى في أمستردام: "إن أكبر عائق أمام الدعوة هو سلوك الطلاب المسلمين أنفسهم، فالمسلم لا يدعو بلسانه فقط، لكن بجوارحه أيضا، فعندما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أجابت: كان قرآنا يمشي على الأرض، إذ لم يكن الرسول يقول فقط، بل كان يفعل أيضا. فقبل أن ندعو غير المسلمين إلى الإسلام علينا أن نكون مثالا حسنا: ناجحين في دراستنا، نحترم الآخرين، نقدم لهم يد المساعدة، ونتواصل معهم أولا قبل أن ندعوهم إلى الإسلام... وبهذه الطريقة ندعوهم ونحقق مرحلة التواصل. فهي النقطة الأهم في الدعوة، أما أن نرى الطالب المسلم فاشلاً في دراسته، يدخل السجن من أجل جرم ارتكبه، أو يتناول الخمر ويتعاطى المخدرات ويمارس الفواحش، فهو لا يضر نفسه فقط، بل ويقدم صورة سيئة عن الإسلام".

ويضيف "أولاد عبد الله": "إن الطالب المسلم يعتبر صفوة المسلمين الوافدين، ولذلك يجب أن يكون مثالا لغيره في النجاح والعطاء، والعمل المنظم، واحترام الوقت، والابتعاد عن الاتكالية، فيعطي بذلك نموذجًا لباقي المؤسسات الإسلامية في العمل المبرمج والمؤسساتي والتعاوني".

تنويعات طلابية متباينة

أصبحت عدوى سلبيات الجيل الأول من الوافدين المسلمين -إلى حد كبير- مرضا مزمنا يصعب التخلص منه، وقد تركت هذه العدوى آثارها في الأجيال الجديدة التي ولدت هنا في هولندا. فلا تكاد تجد هيئة تجمع الطلبة المسلمين في الجامعات الهولندية إلا وهي عبارة عن جمعيات ورقية أكثر منها حقيقة وممارسة، وقد تكون أقرب في التقاء أعضائها إلى الطائفية أو القُطرية أو العرقية أو المذهبية أو المدرسة الفكرية هذه أو تلك، وداخل المجموعة إلى النسائي والرجالي و... و... الخ.

لكن مع ذلك نجد بعض التجمعات الطلابية في بعض الجامعات عندها طموح لفعل الكثير، فالطلبة الباكستانيون والإندونيسيون يعملون وبخطى حثيثة لإثبات تفوقهم في الدراسة، بالإضافة إلى جهودهم التعبدية، وكذلك في مجال تنظيم إحياء المناسبات وإقامة المناشط الدعوية.

أما الطلبة الأتراك -وإن كانوا الأكثر من حيث العدد- فيظلون متفرقين وغير قادرين على تجاوز الصورة المصغرة لتقسيماتهم الفكرية البارزة داخل الوافدين الأتراك، فمن "الملي قريش" إلى "الدينات" إلى "السليمانيين"... إلخ.

وكذلك ينشط الطلبة المغاربة ضمن تقسيماتهم الفكرية والسياسية المختلفة. ومع ذلك فجهود محاولات توحيد الصف بين الطلبة المسلمين تقوم على قدم وساق لإنشاء وحدة طلابية تجمع كل الطلبة المسلمين بمختلف جنسياتهم ومدارسهم الفكرية والحزبية، من أجل جمع الشمل وتقديم صورة إيجابية عن الإسلام.

خلل في فهم الإسلام

محمود الصيفي

مع الأسف الشديد تبدو شخصية الطالب المسلم في الغرب مهتزة إلى حد كبير، وعاجزة عن تحمل عبء الدعوة والتواصل مع الآخر، تبعا للفلسفة التي نشأ عليها. ويوضح ذلك الأستاذ محمود الصيفي، طالب الدراسات العليا في جامعة ليدن، والمعروف بنشاطه الدءوب داخل أسوار الجامعة ومع أفراد الجالية، قائلاً: "لقد قدمت إلى هولندا وأنا أحمل معي طموح التواصل مع الآخر من غير المسلمين، ولكن ما راعني أنني وجدت أبناء جلدتي من المسلمين في حاجة أكثر إلى توضيح الطريق أمامهم؛ لأنهم يعيشون بين المطرقة والسندان، فلا هم حملوا القيم الغربية ولا القيم الإسلامية، تتضخم فيهم الأنا بشكل واضح، ويرون الحرية بمفهوم خاطئ، ويُعملون العقل في القطعي والظني على السواء، كل يجتهد ويفتي، كما أن الجانب الروحي والتربوي يكاد لا يكون له حضور بينهم، ولا يوجد عندهم ثوابت، باختصار: وجدت انهزاما فكريا وحضاريا".

ويضيف الصيفي، مؤسس جمعية القلوب المخلصة للطلاب المسلمين بجامعة ليدن الهولندية: "لقد أنفقنا -وما زلنا ننفق- الوقت الكثير في محاولة تصحيح المفاهيم وتبيان خطأ إسقاط المناهج الغربية في غير إطارها، مما يؤدي بالضرورة إلى الابتعاد عن الحقيقة؛ لأن هذه المناهج قد تصلح هنا ولا تصلح هناك، وتصح في حالة ولا تصح في الأخرى".

أنشطة طلابية متنوعة

من خلال مسح لما تقوم به قطاعات مختلفة من الطلاب المسلمين في الجامعات الهولندية، يتضح أن غالبية عملها يتقوقع حول مناشط داخلية، كإقامة الإفطارات والرحلات والاحتفالات بالأعياد الدينية (الفطر والأضحى) والمخيمات.

كما يحاول الطلبة في عدد من الجامعات الهولندية الكبرى السعي لتوفير قاعة للصلاة، وإقامة الدروس الأسبوعية المختلفة في عدد من الاختصاصات الإسلامية، كما يقيم الطلبة مناشط ثقافية واجتماعية، إلا أن هذه الجهود تظل مبذولة في إطار الجسم الطلابي المسلم نفسه، وقليلا ما يحضرها الهولنديون.

غير أن هذه المناشط تظل أسلوبا دفاعيا، ولا ترتقي للتواصل بها مع غير المسلمين، إذ يقول الأستاذ محمود الصيفي: "لقد وجدنا أن الاكتفاء بالعمل الداخلي قد يزيد من تكالب المغرضين علينا، وكما يقولون: الذي لا نعرفه ونجهله نخافه، وهو أمر طبيعي سواء كان مع المسلمين أو غيرهم، لذلك يجب البحث في الأساليب التي تؤكد وجودنا في المجتمع ومشاركتنا فيه بأكثر فاعلية، وقد وضعنا نحن -جمعية طلبة ليدن- خطة تشع على الخارج بعد أن تخلت المراكز والمؤسسات الإسلامية عن القيام بدورها.

فعلى سبيل المثال قمنا بزيارة دور العجزة، واخترنا لذلك يوم الأم الذي اعتاد الهولنديون التزاور فيه، وكلفنا كل أخت أن تحمل وردة بها بطاقة تهنئة وامتنان وشكر للدور الذي قامت به هؤلاء الأمهات الهولنديات، وعلى بساطة الحركة فإنها فعلتْ فعلها في قلوبهن، ولاقت صداها بين الجهات الرسمية والإعلامية، وتوطدت علاقتنا بعدد من الجهات الاجتماعية في المنطقة، وفتحنا بأبسط ما يكون قلوب الناس إلينا، ونحن عازمون على معاودة مثل هذه المساهمات الإيجابية.

ونفكر الآن في أن نعد خيمة بمناسبة أعياد التحرير في مدينة ليدن نعرف من خلالها بالإسلام بصورة غير التي يشاهدونها في وسائل الإعلام".

تحدي الطالبات أشد

طالبات مسلمات في هولندا

إذا كانت مجتمعاتنا العربية والإسلامية يغلب عليها الطابع الذكوري في مجال الدعوة، فإن الطالبة المسلمة هي الأكثر تعرضا لتحديات المجتمعات الغربية، لما تحمله فوق رأسها من رمزية تحتاج أن تدافع عنها حيثما حلت، وباعتبارها مضطرة أن تدافع عن هويتها وحقها في ممارسة دينها، فهي تسعى إلى تكوين نفسها، والتوجه في دراستها للمجالات التي هي أحوج ما تكون إليها.

وتقول رئيسة جمعية "اقرأ" بجامعة إرسمس في مدينة روتردام -وهي طالبة بكلية الحقوق-: "إننا لم نعد نشعر بفرق في مجال العمل بين الطلبة والطالبات، بل كثيرا ما تجد المبادرة من الطالبات. وجمعية اقرأ نفسها أول من أسس مجموعة من الطالبات، والتحق الطلبة بها في وقت متأخر".

وتضيف: "إن موضوع الحجاب يتصدر أولوية في مناشطنا للمرحلة المقبلة، في محاولة منا لرفع الالتباس حول هذه القضية، وإظهار حقنا، وإقناع الآخرين بهذا الحق" وتضيف: "إن هذا لا يعني اقتصارنا على الحجاب فقط، بل إن خطة عملنا تشمل كل حاجيات الطالب المسلم وغير المسلم، وجمعية اقرأ التي أرأسها تتكون من الطلبة الهولنديين الوافدين من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وتحتضن وتساعد الوافدين الجدد للجامعة على التأقلم مع الدراسة وتنظيم المحاضرات والدروس، وتقيم الإفطارات، وتدير الحوارات".

هذا وقد خرجت الجامعات الهولندية عددا من الطالبات المتحجبات اللاتي يمارس عدد منهن أعمالهن في المحاماة والصحة والتدريس، ويعمل عدد منهن في الوزارات، بل واقتحمن مؤسسة المسجد التي ظلت إلى وقت قريب حكرا على الرجال، بل وتتولى إحداهن رئاسة مؤسسة بأحد المساجد، لتمكنها من اللغة واقتناعها بضرورة مشاركة الرجل في كل الأعمال، وأن المسئولية للأقدر.

اقرأ أيضا:

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع